يحيى دبوق
تُشكّل زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي، غدعون ساعر، إلى إقليم أرض الصومال الانفصالي، حجر أساس في مشروع استراتيجي أوسع تسعى تل أبيب عبره إلى تحويل هذا الكيان غير المعترف به دوليّاً، من حال العزلة التي يعيشها إلى شريك إقليمي فاعل، بما يمنح إسرائيل موقعاً متقدّماً في المعركة على الممرّات البحرية الحيوية بين البحر الأحمر وخليج عدن، ويعزّز حضورها في منطقة يحتدم فيها التنافس بين قوى إقليمية ودولية مختلفة. وترى إسرائيل في تحرُّكها هذا، استغلالاً لفرصة جيوسياسية نادرة قد تمكّنها من فرض واقع أمني وسياسي ولوجستي جديد، في واحدة من أكثر المناطق استراتيجية وحساسيّة في العالم.
وجاءت زيارة ساعر بعد نحو أسبوعين من إعلان إسرائيل الاعتراف بالإقليم؛ وهي مدّة ظلّت خلالها تل أبيب تراقب ردود الفعل الدولية والإقليمية على خطوتها بدقة، لتجد أنها جاءت أضعف من المتوقّع. إذ إنّ الأطراف المعنيّة شجبت القرار، من دون أن تستتبع إدانتها عواقب فعلية، الأمر الذي عزّز شعور إسرائيل بصوابية رهانها، وأقنع صنّاع القرار لديها بإمكان المضيّ قدماً في تعميق العلاقة بينها وبين «أرض الصومال» ورفع سقف «التعاون» مع الإقليم. ويحمل المضيّ في هذا المسار، بَعد الانتقال بالعلاقة من الخفاء إلى العلن، دلالات متعدّدة لعلّ أبرزها ما يأتي:
أولاً: أظهرت حرب العامَين الماضيَين لإسرائيل هشاشة الاعتماد على الحماية الدولية لتأمين ممرّات الملاحة الحيوية، وأَثبتت الحاجة إلى وجود آليات دفاع واستطلاع مباشرة قرب الممرّات التي ترتكز عليها تل أبيب في حركة تجارتها واقتصادها. وانطلاقاً من ذلك، وجدت إسرائيل في إقليم أرض الصومال، بوابة لتأمين موقع متقدّم عند مدخل البحر الأحمر، وبناء حضور أمني وديبلوماسي دائم خارج الأطر التقليدية التي ثبت أنها غير كافية لحماية مصالحها.
يمنح إقليم أرض الصومال، إسرائيل موقعاً مثاليّاً لمراقبة طرق الملاحة وحركة الخصوم والأعداء
ثانياً: تُعدّ الخطوة الإسرائيلية مقدّمة ضرورية – وقد تكون ملحّة في مرحلة تعاظم التحدّيات والتهديدات -، لتعزيز حال الردع وتطوير الاستعدادات لأي جولة مقبلة. فإقليم أرض الصومال، الواقع على ممرّات بحرية حيوية تربط البحر الأحمر بخليج عدن، يمنح إسرائيل موقعاً مثاليّاً لمراقبة طرق الملاحة من جهة، وحركة الخصوم والأعداء من جهة ثانية، مع قدرات أفضل وأكثر دقة في جمع المعلومات الاستخبارية.
ثالثاً: في سياقها الإقليمي الأوسع، تمثّل الخطوة الإسرائيلية دعماً مباشراً للتوجّه «التطبيعي» المتنامي بين تل أبيب وأبو ظبي، وتعبيراً عن مصلحة مشتركة واضحة بين الجانبَين. فالإمارات تستثمر بكثافة في الإقليم، ولا سيّما في تطوير ميناء بربرة، وترى فيه قاعدة لوجستية حيوية لمواجهة أعدائها وخصومها، سواء في اليمن أو في غيره؛ ومن شأن الاعتراف الإسرائيلي به أن يؤسّس لوجود ثنائي إماراتي – إسرائيلي هناك، أمني وعسكري مباشر، ومن خارج مستويات التحالف السياسي التقليدية.
رابعاً: إسرائيل هي أول دولة عضو في الأمم المتحدة تعترف رسميّاً بإقليم أرض الصومال، ما يمنحها نفوذاً ديبلوماسياً متقدّماً، خصوصاً في ظلّ رهانها على إمكانية دفع دول أخرى في المنطقة والعالم لاحقاً، إلى أن تحذو حذوها. وفي حال تحقَّق ذلك، فسيكون لها ما يمكن وصفه بـ«مقعد خاص» على طاولة صنع القرار المتعلّق بمستقبل الإقليم؛ جنباً إلى جنب تأمين نفوذ أمني واستخباري واقتصادي مبكر في مشاريع البنية التحتية الحيوية، من مثل الموانئ والاتصالات والأمن السيبراني والملاحة البحرية. ولو أنّ إسرائيل انتظرت حتى تعترف دول غربية بأرض الصومال، لكانت فقدت هذه الميزة التنافسية، التي لا يمكن تعويضها لاحقاً.
خامساً: لعلّ الأهمّ، أنّ زيارة ساعر إلى أرض الصومال هي أوّل زيارة رسمية علنية منذ قرار الاعتراف، ما يعني نيّة تحويل الأخير من مجرد إعلان ديبلوماسي إلى شراكة ملموسة ومستدامة. ذلك أنّ الاعتراف لا يكتسب معناه الكامل إلّا حين يُترجم على أرض الواقع بتمثيل ديبلوماسي، وهو ما مهّد له ساعر بإعلانه نيّة إسرائيل فتح سفارة لها في الإقليم، وأيضاً توقيع اتفاقات ثنائية في مجالات أمنية واقتصادية وتكنولوجية، وصولاً إلى حدّ الإعلان عن سماح «دولة» أرض الصومال لإسرائيل باستخدام مناطق محدّدة على أراضيها لأغراض عسكرية، تشمل إقامة منشآت دفاعية واستخبارية ووجود عسكري دائم (بحسب القناة الـ14 العبرية).
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
