خلال الساعات الأولى للحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، وُثِّقت، عبر مذكّرات ملاحية رسمية وإخطارات حكومية وتقارير أقمار اصطناعية، ثلاثة أنماط متداخلة من التطورات الميدانية. تمثّل النمط الأول في ضربات بعيدة بالصواريخ والطائرات المُسيّرة استهدفت سفناً ومنشآت ساحلية ومرافئ، بما يعكس انتقال الاشتباك إلى المجال البحري المفتوح. أمّا النمط الثاني فتجسّد في تدهورٍ واسع في بيئة الملاحة الإلكترونية، مع تسجيل تشويش واضطرابات رفعت احتمالات الحوادث وسوء التمييز بين الأهداف. في المقابل، سُجّل انكماش حادّ في حركة العبور عبر مضيق هرمز إلى مستوى يقترب من «الإغلاق الفعلي».
ويقوم «الأداء البحري» الإيراني في «هرمز» على تحويل المضيق إلى بيئة عبور غير آمنة، حيث ثمة تهديد مباشر، ورسائلُ تحذير ملاحية، وتعطيل عمليّ لحركة التجارة عبر رفع المخاطر التأمينية والتشغيلية. وتُجمِع التقارير الدولية على أن طهران حقّقت في «هرمز» نتيجة استراتيجية سريعة بكلفة عسكرية مباشرة منخفضة. فمجرّد الإعلان عن الإغلاق، والتهديد العلني باستهداف أيّ سفينة تحاول العبور، المصحوبيْن بحوادث ملاحية وهجمات في محيط المضيق، كان كافياً بتجميد جزء كبير من حركة الناقلات وخلق «عنق زجاجة» في سلاسل الإمداد. ووصفت تلك التقارير الوضع بأنه يقترب من تعطيل واسع، انعكس فوراً على قرارات شركات الشحن بشأن العبور. وفي هذا الإطار، تُبرِز التحليلاتُ أن النجاح الإيراني في «هرمز» لا يُقاس بعدد القطع البحرية الغارقة، بل بقدرته على ضرب الثقة التأمينية. فخلال اليومين الماضيين، اتجهت جهاتُ تأمين بحري كبرى إلى سحب أو إلغاء تغطيات مخاطر الحرب في الخليج، ما يعني عملياً أن السفن، حتى إن أرادت العبور، فستواجه كلفة تعجيزية أو استحالة تشغيلية.
يتمثّل السيناريو التصعيدي الأكبر في الانتقال إلى زرع ألغام أو التلويح بنشاط زرعٍ ملموس
وخلال اليومين الأوّلين من الحرب، سُجّلت حوادث متعدّدة ضد سفن تجارية، شملت حرائق وإصابات وقتلى، في المضيق وخليج عُمان ومياه الإمارات والبحرين. وفي الوقت ذاته، أعلنت جهات إيرانية، عبر بيانات وإشارات لاسلكية، «تقييدَ» المرور، غير أن جهات الإبلاغ البحرية الرسمية بيّنت أن هذا الإجراء لا يرقى بذاته إلى إغلاق قانوني للمضيق – يبدو أنه دخل حيز التنفيذ لاحقاً مع إعلان «الحرس الثوري» مساء أمس الإغلاق رسمياً-.
على الجانب الإيراني، تُظهِر المعطيات أن «إدارة المعركة البحرية» تُنفَّذ على مستويين متكاملين. يتمثّل المستوى الأول في «الحرس الثوري» عبر وحداته البحرية، التي تركّز على عمليات ساحلية عالية الإيقاع تعتمد على أسراب الزوارق السريعة، والتهديد بالألغام، والتشويش الإلكتروني، والاعتراض أو الاحتجاز البحري. أمّا المستوى الثاني فتتولاه البحريةُ النظامية التابعة للجيش الإيراني، أي بحرية الجيش، التي تمتلك القطع الأكبر والغواصات الأثقل، وتعمل كرافعة ردع وتُكمِّل «طبقات» منع الوصول.
أمّا السيناريو القصير الأرجح خلال الأيام إلى الأسابيع المقبلة، فيتمثّل في استمرار «الإغلاق الفعلي» عبر مزيج من ضربات متقطّعة ضدّ سفن ومنشآت، وتواصلِ التشويش على الملاحة، وتزايد قرارات الشركات تعليق العبور بفعل التأمين والكلفة. ويستند ذلك السيناريو إلى انخفاض كبير في تقديرات العبور، خلال اليومين الماضيين، إلى نحو 28 سفينة يومياً، مقابل متوسط تاريخيّ أعلى بكثير، وإلى وجود نحو 150 سفينة متوقفة أو عالقة، فضلاً عن إلغاء أو تعليق تغطيات أخطار الحرب من جانب شركات التأمين البحرية. وفي هذا الإطار، يُرجَّح أن تفضّل إيران أدوات «دون عتبة الألغام» لكونها تحقّق ضغطاً اقتصادياً مرتفعاً من دون أكلاف مرتفعة مقابلة.
في المقابل، يتمثّل السيناريو التصعيدي الأكبر في الانتقال إلى زرع ألغام أو التلويح بنشاط زرعٍ ملموس، وهو ما يصفه محلّلو الملاحة البحرية بأنه «متغيّر التصعيد الأساسي». وإذا تحقّق ذلك، فسيتحوّل التركيزُ سريعاً إلى عمليات مكافحةِ ألغام مطوّلة، مع ارتفاع احتمال وقوع خسائر مدنية وبيئية، وتعطّل طويل للشحن، حتى في حال توقّفت الأعمال القتالية المباشرة.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
