آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » إيران عند حافة التحوّل: الاستراتيجية الأمريكية، مأزق النظام، وحدود الردع

إيران عند حافة التحوّل: الاستراتيجية الأمريكية، مأزق النظام، وحدود الردع

 

د. سلمان ريا

 

لم تعد إيران، في لحظتها الراهنة، مجرّد دولة تواجه أزمة داخلية أو ضغوطًا خارجية متفرقة، بل باتت تقف عند مفترق استراتيجي غير مسبوق منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979. فالتوتر المتصاعد مع الولايات المتحدة، مقرونًا بإنذارات سياسية وعسكرية أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كشف أن النظام الإيراني يمرّ بمرحلة تزعزع بنيوي عميق، بغضّ النظر عن السيناريو الذي ستؤول إليه التطورات القريبة.

 

اللافت في المشهد ليس كثافة التهديدات الأمريكية، بل ما لم يحدث: الضربة العسكرية التي جرى التلويح بها لم تقع. هذا التوقف عند العتبة لا يمكن تفسيره بالخوف العسكري المحض، ولا بصفقة كبرى مكتملة الأركان، بل بمنطق استراتيجي أكثر تعقيدًا: إدارة أزمة طويلة الأمد بدل حسم سريع محفوف بالمخاطر.

 

إدارة ترامب أثبتت، خلافًا للانطباع الشائع، أنها لا تتحاشى استخدام القوة. فسجلّها في الأشهر الأخيرة حافل بعمليات عسكرية وانتقائية في أفريقيا، والشرق الأوسط، وفنزويلا، وسوريا. غير أن الحالة الإيرانية تختلف جذريًا. فإيران ليست هدفًا معزولًا، بل عقدة إقليمية متشابكة تمتد أذرعها من لبنان إلى اليمن، وتلامس مصالح الطاقة العالمية، وتفرض كلفة غير قابلة للضبط على أي تدخل مباشر.

 

من هنا، لم يكن التراجع المؤقت عن الضربة تعبيرًا عن ضعف، بل إدراكًا بأن الحرب مع إيران لا تُدار بمنطق “الضربة النظيفة”. أي هجوم واسع قد لا يسقط النظام، لكنه قد يشعل سلسلة ردود متعددة الساحات، ويهدد الملاحة في الخليج، ويرفع أسعار النفط إلى مستويات تضرب الاقتصاد العالمي، وتضع واشنطن أمام مأزق سياسي داخلي ودولي.

 

في المقابل، لم تقف إيران مكتوفة الأيدي. فقد سعت خلال السنوات الأخيرة إلى بناء نموذج ردع مركّب عبر مزيج من القدرات المحلية والدعم التقني القادم من الشرق. روسيا أسهمت في تطوير الدفاعات الجوية والرادارية، وتحديث منظومات S-300، وتقديم خبرات في الحرب الإلكترونية، مع احتمالات تعزيز سلاح الجو الإيراني بمقاتلات سوخوي-35. الصين، من جهتها، لعبت دورًا أكثر هدوءًا لكنه حاسم، عبر منظومات HQ-9B للدفاع الجوي، وتقنيات القيادة والسيطرة، وربط الرادارات، والحرب السيبرانية، بما مكّن إيران من الانتقال من دفاعات معزولة إلى شبكة أكثر تكاملًا.

 

هذه القدرات لا تجعل المجال الجوي الإيراني عصيًا بالكامل، لكنها تفرض خسائر مؤكدة على أي مهاجم، وتُلغي فكرة الضربة المجانية. التقديرات الواقعية تشير إلى أن أي مواجهة واسعة قد تعني خسارة طائرات أو مسيّرات عالية القيمة، وضرب قواعد أمريكية في الخليج والعراق، فضلًا عن اضطرابات اقتصادية عالمية. هذه الكلفة، لا التفوق العسكري الإيراني، هي ما أعاد ضبط القرار الأمريكي.

 

غير أن الأهم هو أن واشنطن لم تُبدّل هدفها، بل غيّرت أدواتها. فحتى مع تأجيل الضربة العسكرية، مضت إدارة ترامب في تشديد التطويق الاقتصادي والنفطي، ورفع كلفة أي تحايل صيني على العقوبات، وربط الملف الإيراني مباشرة بالمنافسة الاستراتيجية مع بكين. ما جرى في فنزويلا – من إقصاء نيكولاس مادورو وقطع أحد مصادر النفط المهمة عن الصين – لم يكن حدثًا معزولًا، بل نموذجًا يُراد تكراره بصيغ مختلفة.

 

في هذا السياق، تبدو مواقف روسيا والصين كاشفة بقدر ما هي محسوبة. فكلتاهما لم تُظهرا استعدادًا لمواجهة واشنطن دفاعًا عن طهران، واكتفيتا بالدعم السياسي واللغوي. هذا السلوك يعكس حقيقة ثابتة في السياسة الدولية: التحالفات الاستراتيجية تتآكل عند لحظة الكلفة القصوى، ومواجهة الولايات المتحدة من أجل إيران ليست أولوية لا لموسكو ولا لبكين.

 

الدول العربية، بدورها، دخلت على خط التهدئة بدافع الخوف من انفلات الفوضى، لا دفاعًا عن النظام الإيراني. فهي تدرك أن انهيار إيران أو انفجارها الداخلي ستكون له ارتدادات مباشرة على أمنها وأسواق الطاقة. من هنا، سعت إلى إقناع واشنطن بمنح طهران فرصة للانخراط في مفاوضات جدية، لكن بشروط مختلفة جذريًا عن اتفاق 2015. فالمطروح اليوم ليس ملفًا نوويًا معزولًا، بل إعادة نظر شاملة في “الركائز الثلاث” للعقيدة الإيرانية: النووي، الصواريخ، والوكلاء.

 

التراجع الإيراني عن تنفيذ إعدامات واسعة بحق المتظاهرين، مقابل تأجيل الضربة العسكرية، شكّل مؤشرًا إضافيًا على حجم القلق داخل أركان النظام. فالنظام يخشى الانفجار الاقتصادي بقدر ما يخشى الضربة العسكرية، ويعي أن الجمع بين الضغطين قد يكون قاتلًا. ترامب، من جانبه، استثمر هذا التراجع سياسيًا، محافظًا على غموضه المقصود بشأن الخطوة التالية، ومكرسًا أسلوب “حرق الأعصاب” والوقوف على حافة الهاوية.

 

في المحصلة، تواجه إيران مأزقًا وجوديًا. فإصلاح العقيدة النووية والصاروخية والميليشياوية إصلاحًا جذريًا يبدو شبه مستحيل بنيويًا، في حين أن التمسك بالقمع والمواجهة يفتح الباب أمام ضربات عسكرية قاسية وحصار نفطي خانق قد يؤديان إلى إنهاك النظام أو إسقاطه. لا أحد يعرف من سيربح سباق الوقت بين العسكرة والمفاوضات، ولا إن كان النظام قادرًا على تقديم تنازلات غير مسبوقة للبقاء. لكن المؤكد أن إيران دخلت أخطر مرحلة في تاريخها الحديث.

 

في حسابات واشنطن، لم تعد إيران ملفًا ثانويًا ولا أزمة قابلة للتأجيل. إنها اليوم، أكثر من أي ساحة أخرى، اختبار لقدرة الولايات المتحدة على إعادة تشكيل النفوذ، ليس عبر الحرب وحدها، بل عبر الاقتصاد، والطاقة، والتوقيت، وإدارة المخاطر. إنها قصة تطويق طويل النفس، لا ضربة واحدة، وقصة نظام يقف عند حافة التحوّل، أيًا كان اتجاهه.

(أخبار سوريا الوطن-1)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ترامب ومصير الأمة الأمريكية

رامي الشاعر تمتلك الدنمارك جيشا قوامه 17 ألف فرد عامل و44 ألف احتياطي، كذلك تمتلك السويد 23 ألف عامل و21500 احتياطي، والنرويج 25 ألف عامل ...