| عبد القادر العبيد
طالعتنا مقالة للدكتورة صفية أنطون سعادة، في العدد 4678، تاريخ 15 تموز 2022. بعنوان «اغتيال أنطون سعادة: كيف تمّت الخيانة؟»، مع احترامنا وتقديرنا للدكتورة سعادة، وتأكيداً لكلّ ما جاء في مقالتها، وإنصافاً للحقيقة، وإبعاداً لكل لغط أو تأويل، فإن الأمانة التاريخية تقتضي أن نوضح ونكشف، مما يتوافر لدينا من مصادر عن أسماء، من لم تكشف عنهم الدكتورة صفية في مقالتها، متحمّلين كلّ مسؤولية تاريخية أمام كريمات سعادة وأمام القوميين الاجتماعيين. ونلفت الانتباه إلى ضرورة التمييز بين لفظة «الزعيم» المستعملة كلقب لأنطون سعادة وبين عائلة الخائن حسني الزعيم.
معروف صعب هو من خان أنطون سعادة
معروف صعب كان عضواً في الحزب أولاه سعادة ثقته، وعيّنه رئيساً للجنة الطوارئ في الحزب حين أصدر سعادة مرسوم الطوارئ عام 1937 ومنحه رتبة الأمانة، وعيّن زوجته أديل صعب خازناً عاماً للحزب عام 1949. يقول جورج عبد المسيح في أوراق له بعنوان: من «الغار المعلّق» إلى دمشق، («أيام قومية» الجزء 5، دار الركن)، إنه وصل مساء 13 أيلول 1949 بسيارة الرفيق يوسف شختورة إلى بيت جورج بلدي في دمشق… فوجد الأمين الياس جرجي نائماً هناك. ويضيف: «قابلني الأمين جرجي بالشكوى من أمرين: الأول الحالة العامة التي وجدها مبلبلة، كانت تستدعي مجيئي بالذات؛ والثانية شكوى من تصرّفات محسن وعصام وصعب. والأخير كان متّهماً بأنه سلّم الزعيم عن سابق قصد. وسرد لي الأمين الياس تفاصيل ما كان قد وصلني إلى لبنان من تكتّلات بعض الرفقاء وبوادر عدم الانضباط، لعدم الثقة بالذين كانوا في المسؤوليات العليا قبيل الحوادث ولا سيّما معروف صعب، وهو متّهم بتسليم الزعيم. ولم يكن لدى الأمين الياس معلومات دقيقة حول كيفية سير الأمور في الأيام الأخيرة للزعيم في دمشق. كلّ ما قاله إنه سلّم الأمينة الأولى رسالة كان قد بعث بها الزعيم إليها، إلى اللاذقية، ولم تُسلّم لها إلّا بعد استشهاد الزعيم وبعد عودتهم من عمّان».
ثم يقول: «بعد ظهر ذلك اليوم، 14 أيلول 1949، اجتمعت بالأمناء والرفقاء: الأمينة الأولى، معروف صعب، عبدالله محسن، عصام المحايري، فؤاد خوري، وشرحت لهم ما كنت أرى في كيفية إعادة تنظيم الأمور. فكان اعتراف محسن أن الأمر صعب وأنه كان قد فكّر بالأمر ووجد أن الذي يبدأ بالعمل اليوم لا بدّ وأن يحترق. وكان يأبى العمل بالتعاون مع معروف صعب لأمور من شأنه هو أن يعيدها، وقد رأى من تصرّفات معروف صعب في الأردن وفي دمشق ما جعله يوقن أن العمل قبل تصفية مسألة معروف صعب، وما يحوم حوله من شائعات، ضرب من الاحتراق الأكيد في نظر الرفقاء. وكان رأيي أنّ نظامية الرفقاء لا تخترقها هذه الأمور، وأثبتُّ رأيي هذا في سير العمل.
حصل في هذه الأثناء أن دعا معروف صعب أديب الشيشكلي إلى بيته “لشرب كأس” ودعانا: عصام، محسن، جرجي، عبد المسيح. وبعد أن شرب الذين يشربون… أخذ الشيشكلي يكيل التهم ويوجّه قوارص الكلِم إلى معروف صعب، حتى توصّل إلى القول: “شيل هالزوبعة عن صدرك يا …خ”. ووجّه كلاماً قاسياً لمحسن. وأكّد لمعروف أنه لولا تأكّده من اللقاء بي عنده، ولولا أنه رأى الزعيم لآخر مرّة في ذلك البيت (بيت معروف) لما داس عتبته طوال عمره، أخذت على أديب قوله هذا وحاولت أن أفهمه أنّه لا يليق برفيق تجاه رفقاء وأمناء. ولم أكن قد خبرته في حالات الشرب. ورضيت أن أذهب معه للنوم في “قطنا” في بيته. وفي الطريق اتضح لي أنّه لم يكن سكراناً بمقدار ما توهّمت. وأنه قال ما قال عن اقتناع وشاء أن يقوله أمامي لتطهير الحزب فوراً.
كانت أولى زياراتي لبيت الأمين معروف صعب -بعد الدعوة لكأس مع أديب الشيشكلي- بقصد استجلاء الأمور للمدة التي قضاها الزعيم في دمشق؛ فالزعيم كان قد وعدني في آخر مقابلة لنا في عاليه، أن يعود إلى جبال لبنان في حال حصول ما يجعل البقاء في دمشق خطراً. وفي رسالتيه الأخيرتين اللتين حملهما الشهيد أديب الجدع إلى سرحمول ووصل بهما في ساعة كان الطوق يحكم حولنا، جاء ما يدلّ على استياء الزعيم الشديد. لقد كتب: لو كنت في الصين أتكلّم العربية لفهموني، ولو كنت أتكلّم الصينية هنا لوجدت من يفهم. إنّ الذين يتصلون بي بعيدون عن فهم أفكار الزعيم وخطته. وكان في رسالة أنه سيعود إلى لبنان قريباً، فالأمر في دمشق يسير نحو الأسوأ. وفي رسالته أنه استمزج آراء بعض من حوله بشأن سلامته فكان ردّ الأمين معروف صعب “شو بيقول الناس إذا ترك الزعيم المعركة”. معروف يهتمّ بـ”شو بيقول الناس” أكثر من اهتمامه بسلامة الزعيم. وفي دمشق سمعت الكثير الكثير. فأصبح من الضروري أن أستجلي الأمور منه، والزعيم كان في بيته يوم سلّمَتْه سلطةُ دمشق إلى جلّاديه…
معروف استقبل الزعيم بالترحاب حين كان يظنّ أن حسني الزعيم معنا؛ ولما عرف بانحراف حسني الزعيم بدأ يدبّر أمر إبعاد الزعيم عن بيته؛ وكان لمعروف صعب أن يعرف قبل أي شخص آخر موقف حسني الزعيم من صديقه الدكتور صبري القباني الذي كان يعمل لحساب حسني الزعيم، والذي كان الوسيط الأول لمقابلة حسني الزعيم للزعيم.
جورج بلدي قال لي إن شخصاً من لبنان جاء يطلب مواجهة الزعيم لأمر خطير جداً، فقاده إلى معروف صعب»… هذا الشخص هو حبيب الفغالي، رسول إميل إده إلى الزعيم لتحذيره من مؤامرة تسليمه إلى السلطات اللبنانية، وحبيب الفغالي «ما كان مكلّفاً أن يعطي الخبر لغير الزعيم حرصاً على عدم زجّ اسم إده في الموضوع… وجورج بلدي يذكر أن الرسول اللبناني أُوصل إلى معروف صعب».
بعد أن عرف عبد الله محسن هذا الأمر، طلب من معروف أن يوصله إلى الزعيم فرفض معروف مدّعياً أنّ أوامر الزعيم صريحة بأن لا يقابله أحد إطلاقاً إلّا معروف صعب
وقد ذكرت الدكتورة صفية في مقالتها، أن معروف صعب رفض أن يسمح للسيدة عبلة الخوري، الآتية من قبل عمها فارس الخوري، تنبيه سعادة بعدم الذهاب إلى القصر الجمهوري لأن حسني الزعيم انقلب عليه، فرفض معروف صعب السماح لها برؤية سعادة.
سعادة لم يصل درعا ولم يكن متوجّهاً إلى الأردن
يذكر عبد المسيح أن صبحي فرحات، سائق السيارة التي كانت تقل الزعيم، قال إنه «أركب الزعيم في سيارته من البيت الذي كان فيه في ضاحية دمشق (كيوان)، وبما أنّ الوقت كان بعيداً عن موعد المقابلة، طلب منه الزعيم أن يذهبا في نزهة؛ وصلا إلى الكسوة، وعادا بعد أن تطلّع الزعيم في ساعته، في بيت أحد الرفقاء اغتسل وغيّر ثيابه وجاء إلى بيت معروف، لم يسمع صبحي تحذير إبراهيم الحسيني وأديب الشيشكلي اللذين قالا إنهما أبلغاه لمعروف. ذهب الزعيم ولم يشأ، بناءً على اتّفاق، أن يصحبه أحد، عاد صبحي إلى بيت معروف لينتظر، تأخّر الزعيم، ما لاحظ صبحي قلقاً عند معروف، همّ مرّات بالذهاب فاستأخره، حوالي الساعة الواحدة لم يعد عند صبحي اصطبار فنزل وركب سيارته يقودها. في أولى المقابلات، قالت أديل صعب إنها كانت على الشرفة فشاهدت شرطيِّين من شرطة الجيش يوقفون صبحي عند المنعطف، فأخبرت معروف، ثم أكّدت أنها كانت نائمة في ذلك الوقت، وكذلك معروف، فقد نام هو الآخر ولم يكن في ذهنه عند استيقاظه في الصباح -كما قال- إلّا أنّ الزعيم ذهب توّاً إلى المكان الذي كان يبيت فيه، صبحي سيق إلى السجن وبقي في إحدى الزنزانات حتى افتقده أحدهم بعد مقتل حسني الزعيم، فأطلق سراحه».
صبري القباني لم يحدد تواريخ للقاء سعادة مع حسني الزعيم
«بدأ الدكتور صبري القبّاني بنشر “مذكرات حسني الزعيم إلى أنطون سعادة” في مجلّة “الدنيا” بتوقيع (ا. س.) أي ابن سينا…» موضحاً فيها أن لقاءات، وليس لقاء واحداً، تمّت في ربيع 1949 بين سعادة وحسني الزعيم. كما «بيّن في هذه المذكرات الدور الذي لعبه المصريون والسعوديون بواسطة محسن البرازي وعادل أرسلان. وبقي أمر كيفية تسليم الزعيم سرّاً إلى أن كشفها لنا إبراهيم الحسيني الذي أقلّه من بيت معروف صعب في ليلة 6 تموز 1949. فقد أكّد الحسيني أن حسني الزعيم ومحسن البرازي ما واجَها الزعيم، كلّ ما حصل أنّ إبراهيم الحسيني سلّمه لمدير الأمن العام اللبناني وموفد الجيش في باحة قصر حسني الزعيم، فانتقل من سيارة إلى أخرى وحرسته ثلّة من شرطة الجيش السوريّ (مؤلفة من أربعة عشر عسكرياً) حتى الحدود اللبنانية».
غادر دمشق إلى الأردن كلّ من الأمناء: معروف صعب والياس جرجي قنيزح وعصام المحايري. ولم يعودوا إلى دمشق إلّا بعد انقلاب سامي الحناوي وتصفية حسني الزعيم ومحسن البرازي.
مصر تعلن الحداد على حسني الزعيم