آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » اتفاق الدولة السورية مع قسد: اختبار السيطرة والاستقرار – بداية استقرار أم إدارة اختلاف؟

اتفاق الدولة السورية مع قسد: اختبار السيطرة والاستقرار – بداية استقرار أم إدارة اختلاف؟

ربى الحجلي

لا يبدو اتفاق وقف إطلاق النار والتفاهم على دمج مؤسسات “الإدارة الذاتية” ضمن مؤسسات الدولة السورية حدثاً مفاجئاً بقدر ما هو إعلان سياسي متأخر لمسار كان يتشكل على الأرض منذ زمن. المشهد ليس انعطافة يومية، بل إقرار علني بانتهاء النظر إلى قسد كأداة نفوذ بعد أن تبدّلت ركائز قوتها الميدانية والاقتصادية، و سحب الدعم الذي كانت تعتمد عليه سابقاً.

اللحظة المفصلية في هذا المسار لم تكن بياناً دبلوماسياً، بل دخول قوات الأمن السورية إلى مناطق الجزيرة السورية، وبسط السيطرة على آبار النفط والمصافي، وهو ما قضى عملياً على الركيزة الاقتصادية التي كانت تمنح قسد استقلالية نسبية في القرار والمناورة. من دون موارد، لا قدرة حقيقية على التفاوض من موقع قوة، بل تبدّل تدريجي في توازن القوى.

اتفاق الدمج يسير في اتجاه لامركزية إدارية محدودة: مؤسسات “الإدارة الذاتية” تُدمَج في هياكل الدولة مع تثبيت الموظفين، ما يعكس قابليتها للعمل المحلي تحت سقف الدولة المركزية. لكن الاتفاق في شكل بنوده لا ينقلنا إلى لامركزية سياسية حقيقية بقرار مستقل أو سلطة منفصلة عن الدولة المركزية. أي حديث عن مشاركة سياسية أوسع لا يزال غير مُحدد المعالم في نصوص الاتفاق، ولا يوجد جدول زمني واضح يضع إطاراً مفصلاً لذلك ضمن آليات دستورية جديدة.

اللامركزية الإدارية وتعدد المكوّنات

أحد أكثر المفاهيم التي يحتاج التحليل إليها وضوحاً هو أن قسد ليست جيشاً موحّداً تحت قيادة واحدة، بل تحالف متعدد المكوّنات: عناصر كردية من وحدات حماية الشعب والمرأة، فصائل عربية محلية، ومجالس عسكرية متعددة في الرقة ودير الزور ومنبج وغيرها، وكل منها يتخذ قراراته ضمن سياقات محلية وإقليمية مختلفة. تقديرات عدد مقاتلي “قسد” تتراوح في تقارير ومصادر مختلفة بين 45,000 إلى نحو 100,000 عنصر، وفقاً لطبيعة التعداد والانضمامات المتفاوتة منذ نشأتها في 2015 وإلى الآن (مصدر: تقارير مركز الشرق الأوسط للأبحاث، 2025؛ تقارير الأمم المتحدة عن النزاع السوري، 2024).

هذا التعدد يعقد المشهد ويؤثر مباشرة على قدرة تنفيذ الاتفاق أو ضمان استمرار التفاهمات على الأرض. تجدر الإشارة هنا إلى أن البشمركة، القوات المسلحة لإقليم كردستان العراق، ليست جزءاً من قسد وتدار تحت سلطة حكومة إقليم كردستان بشكل مستقل، مع تاريخ طويل كلاعب إقليمي كردي. ضمن السياق السوري، ظهر جناح “Peshmerga Roj” كقوة كردية محدودة تحاول الانخراط في المشهد، لكنها ظلت بعيداً عن هيكل قسد الرسمي وتأثيرها العسكري على الأرض أقل وضوحاً مقارنة بالمكوّنات الأساسية لقسد.

حين يبدأ الاختبار الأصعب :

ورغم أن الاتفاق يتضمن عناصر مهمة مثل وقف إطلاق النار، انسحاب القوات من نقاط التماس، دخول الأجهزة الأمنية السورية إلى الحسكة والقامشلي، وتسوية الحقوق المدنية وضمان عودة النازحين، إلا أن فراغاً واضحاً في آليات التنفيذ يزال قائماً.

فالمعوقات التي تواجه التنفيذ لا تنحصر في بنود الاتفاق فحسب، بل في تعدد المكوّنات داخل قسد وتباين ولاءات فصائلها، وغياب جدول زمني واضح يربط بين التسويات المدنية والسياسية وتنفيذ دمج القوات على الأرض، واختلاف الأولويات السياسية بين دمشق وواشنطن وتركيا، رغم الدعم الأميركي المعلن سابقاً، مما يجعل الضمانات الدولية غير واضحة، واستمرار الأسئلة حول اللامركزية السياسية التي لم يذكرها الاتفاق صراحة بمعناها السياسي الحقيقي.

التحدي الأعمق في تنفيذ الاتفاق لا يرتبط فقط ببنية قسد وتعدد ولاءاتها ، بل بطبيعة التحول الذي يُطلب من الدولة نفسها. فالسنوات الطويلة من الصراع أنتجت أنماطاً أمنية وعسكرية تقوم على إدارة الجبهات أكثر مما تقوم على إدارة المجتمع. في هذا السياق، لا تزال العلاقة بين القرار السياسي المركزي والواقع الميداني علاقة غير مكتملة الانضباط، حيث تتحرك بعض القوى وفق ضرورات السيطرة الآنية أو النفوذ المحلي، لا وفق منطق مؤسسي واحد ثابت.

الدمج هنا لا يختبر قدرة الدولة على الاستيعاب فقط، بل يختبر قدرتها على إعادة تعريف استخدام القوة: من أداة صراع إلى أداة حكم. ومن دون هذا التحول، قد يصبح الاتفاق إطاراً سياسياً صحيحاً يُفرغ مضمونه عملياً عبر ممارسات يومية صغيرة، لكنها تراكمية، تنتج عدم ثقة جديدة بدل طيّ القديمة.

في هذا المعنى، فإن نجاح الاتفاق لا يُقاس بسرعة تسليم المعابر أو تبديل الرايات، بل بقدرة الدولة على فرض معيار واحد للسلوك الأمني على الجميع، قدامى وجدد، وعلى تحويل التعدد العسكري إلى وحدة وظيفية تخضع لقانون واحد وسلسلة قيادة واحدة .

ظل التجربة :

وهنا يبرز سؤال مهم: ماذا يعني هذا المسار بالنسبة لمناطق أخرى مثل السويداء؟ السويداء، بخلاف مناطق سيطرة قسد، لم تكن ورقة استراتيجية أو كياناً عسكرياً قوياً مدعومًا خارجياً، بل حركة احتجاج سياسي–اجتماعي محلي بلا مظلة عسكرية كبيرة ولا دعم خارجي منصبّ لصالحها. من هذا المنظور فإن اتفاق الشمال الشرقي ليس نموذجاً قابلاً للإسقاط مباشرة على السويداء، لكن الاتفاق يرسل إشارة غير مباشرة: أن الدولة قادرة على التعامل مع ملفات عميقة ومعقدة بإطار سياسي أو إداري إذا ما توفرت إرادة أبوية واضحة وشاملة.

السؤال الحقيقي ليس إن كانت السويداء ستفتح باب الحوار مع الحكومة، بل هل لدى الدولة مقاربة مختلفة تتجاوز الأمن والسيطرة العسكرية إلى إعادة بناء الثقة والتوافق السياسي مع مجتمع يطالب بالتغيير لا بالشراكة العسكرية. هذا الاختبار ليس أقل حساسية أو تعقيداً من دمج قسد داخل مؤسسات الدولة.

الواقع يشير إلى أن ما يجري قد يفتح مجالاً لتجارب لامركزية إدارية في سياق الدولة السورية، لكنه لا يضمن لامركزية سياسية بالمعنى الذي يُحوّل بنى الحكم أو القرار السياسي بعيداً عن المركز. الاختبار الحقيقي ليس فقط في تنفيذ دمج مؤسسات قسد، بل في قدرة الدولة على استيعاب تعدد الولاءات والمكوّنات داخلها، بما يشمل الأمن والهوية والثقافة والحقوق السياسية.

إذا نجح هذا المسار في تحويل الاتفاقيات إلى واقع عملي قابل للاستمرارية، فقد يشكل نقطة انطلاق لإعادة بناء الثقة بين المركز والمناطق المتنوعة في سوريا. وإذا فشل في ذلك، فسيُظهر أن الدولة ما زالت تفضل إدارة التباينات بدل حلّها جذرياً، وهو ما ستكون السويداء المثال الأقرب لوضوحه في المستقبل .

الاتفاق مع قسد اختبار لقدرة الدولة على استعادة الجغرافيا، لكن السويداء اختبار لقدرتها على استعادة الثقة. وبين الاختبارين، يتحدد شكل سوريا المقبلة: دولة تسويات مؤقتة… أم دولة تعلّمت أخيراً كيف تصالح مجتمعها.

 

 

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_وكالات _راي اليوم

x

‎قد يُعجبك أيضاً

روسيا وسوريا والحركة من “نقطة ميتة” إلى آفاق غير محدودة

رامي الشاعر خلال لقائه الرئيس السوري أحمد الشرع أشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى أن موسكو ودمشق نجحتا في رفع مستوى التعاون في المجال الاقتصادي ...