آخر الأخبار
الرئيسية » مجتمع » اتفاق 18 كانون ثاني والمرسوم (13): كيف ضمنت الحكومة السورية حقوق الكرد؟

اتفاق 18 كانون ثاني والمرسوم (13): كيف ضمنت الحكومة السورية حقوق الكرد؟

أغيد أبو زايد

 

منذ الأيام الأولى لتحرير سوريا من نظام بشار الأسد المخلوع وأجهزته الأمنية، عملت الحكومة السورية على توجيه رسائل طمأنة للشعب السوري بكل مكوناته، تؤكد حقوق السوريين وواجباتهم، وأن الدولة السورية ستحفظ الحقوق للجميع دون تمييز، للانتقال إلى مرحلة الاستقرار وإعادة الإعمار. لكنها واجهت تحديات في ظل وجود قوى لها ارتباطات خارجية تسعى إلى خلق الفوضى وبقاء البلاد في حالة عدم استقرار، من خلال إثارة النعرات الطائفية والقومية، تنفيذا لأجنداتها.

 

إذ بدأت الحكومة السورية بخطوات عملية لدمج القوى العسكرية والفصائل ضمن وزارة الدفاع السورية، معتمدة على الحلول السياسية والحوار وتذليل العقبات، لكنها اصطدمت مع بعض القوى التي تريد الحفاظ على هيكليتها، المتمثلة بتنظيم “قسد” وتحالفاته، لادعاءات تقوم على أساس عرقي وقومي، رغم أن دمشق أكدت مرارا أن السوريين متساوون في الحقوق والواجبات.

 

في السياق ذاته، جرى التوقيع على اتفاق 10 آذار 2024، والذي نص صراحة على حقوق الكرد، لكن تنظيم “قسد” لم ينفذ بنود الاتفاق، في حين أجبر التنظيم الحكومة على العملية الأمنية في مدينة حلب بسبب تهديد حياة المدنيين، إلى أن بدأ الحراك الشعبي في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة، لتجد الحكومة نفسها مضطرة للتدخل لبسط الأمن والاستقرار بعد انسحاب “قسد”، حيث جرى توقيع اتفاق 18 كانون الثاني، الذي انبثق من روح اتفاق 10 آذار.

 

في ظل محاولة تنصل “قسد” وتأخير مسار الحلول السياسية، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع المرسوم التشريعي رقم (13)، بهدف البدء عمليا في إعادة الحقوق المسلوبة للكرد، وأبرزها منحهم الجنسية السورية التي حرمهم منها النظام المخلوع، إلى جانب حقوق أخرى. وبدأت الوزارات والمؤسسات بإصدار التعليمات التنفيذية للبدء بتطبيقه عمليا، في حين ما يزال التنظيم غير مكترث بالاتفاق الأخير والتفاهم المشترك الذي أعلنت عنه الرئاسة السورية في 20 كانون الثاني الجاري.

 

اتفاق 18 كانون الثاني: تحول جذري

يؤكد مسار الأحداث في شمال شرقي سوريا أن الحكومة السورية ترغب ببسط السيطرة على المحافظات الثلاث: دير الزور والرقة والحسكة، عبر الحوار والتفاهم، لا عبر العمليات العسكرية. إذ يدل التعامل المرن للحكومة مع تنظيم “قسد”، من توقيع اتفاقي 10 آذار و18 كانون الثاني، ومن ثم الإعلان عن التفاهم المشترك، وصولا إلى تمديد وقف إطلاق النار، على تجنب دمشق للمسار العسكري، رغم قدرة الجيش العربي السوري على حسم الملف عسكريا.

 

إذ ترى الحكومة أن المسار السياسي والحوار هو الطريق الأسلم للحفاظ على التماسك المجتمعي، والأقل كلفة على المدنيين، ناهيك عن الدمار الذي ستلحقه المعارك بالبنى التحتية والممتلكات العامة والخاصة، ما دفع دمشق إلى توقيع اتفاق 18 كانون الثاني بعد آخر جولة مفاوضات مع وفد تنظيم “قسد”.

 

تضمن الاتفاق 14 بندا تنص في مجملها على وقف العمليات العسكرية بشكل فوري، والبدء بمسار الاندماج، مع منح المناطق ذات الأغلبية الكردية خصوصية إدارية بما يحافظ على حقوق المجتمع المحلي، بينما يفتح المجال أمام الجيش السوري لتأمين الحدود، ودخول قوى الأمن الداخلي إلى بعض المناطق لبسط الأمن والاستقرار فقط.

 

إذ نص الاتفاق على دمج كل المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن مؤسسات الدولة السورية وهياكلها الإدارية، واستلام الحكومة السورية كامل المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز في المنطقة، وتأمين حمايتها من قبل القوات النظامية لضمان عودة الموارد إلى الدولة السورية. ويضمن الاتفاق المشاركة السياسية للكرد والتمثيل المحلي، إذ أكد إصدار مرسوم رئاسي بتعيين مرشح ليشغل منصب محافظ الحسكة، إلى جانب اعتماد قائمة قيادات مرشحة مقدمة من قيادة “قسد” لشغل مناصب عسكرية وأمنية ومدنية عليا في هيكلية الدولة المركزية لضمان الشراكة الوطنية.

 

أما فيما يتعلق بقوات “قسد”، فنص الاتفاق على دمج كل العناصر العسكرية والأمنية لـ”قسد” ضمن هيكلية وزارتي الدفاع والداخلية السورية بشكل “فردي” بعد إجراء التدقيق الأمني اللازم، مع منحهم الرتب العسكرية والمستحقات المادية واللوجستية أصولا، مع حماية خصوصية المناطق الكردية. في حين نص على إخلاء مدينة “عين العرب/كوباني” من المظاهر العسكرية الثقيلة، وتشكيل قوة أمنية من أبناء المدينة، والإبقاء على قوة شرطة محلية تتبع إداريا لوزارة الداخلية السورية.

 

هذا الاتفاق انبثق من بنود اتفاق 10 آذار، إذ يهدف إلى الحفاظ على وحدة الأراضي السورية مع منح المكون الكردي حقوقا ثقافية وإدارية ضمن إطار الدولة، وتجنيب المنطقة مواجهة عسكرية شاملة. وينظر إليه على أنه تحول جذري في مسار الأحداث، حيث كان الجيش السوري قادرا على السيطرة على ما تبقى من المناطق الواقعة تحت سيطرة التنظيم خلال وقت قصير، لكن دمشق ما تزال متمسكة بالحلول السلمية.

 

“قسد” يتنصل من تنفيذه

منذ الساعات الأولى لتوقيع الاتفاق، لم يلتزم تنظيم “قسد” ببنوده، بل حاول الالتفاف على التزاماته التي تعهد بها، بينما دعا الكرد إلى التسلح لمواجهة الجيش السوري، عبر إطلاق بروباغندا قائمة على إقناعهم بأن التنظيم يحافظ على حقوقهم ومكتسباتهم، في حين أنه يضعهم في مواجهة الحكومة التي كفلت حقوقهم قانونيا.

 

إذ ترجمت الحكومة السورية والجيش العربي السوري تعهداتهما والتزاماتهما إلى أفعال خلال العملية الأمنية في مدينة حلب، حيث عملا على حماية المدنيين بجميع انتماءاتهم، وفتحا لهم معابر للخروج من حيي الشيخ مقصود والأشرفية ونقلهم إلى مراكز إيواء مؤقتة، وأعاداهم إلى منازلهم بعد انتهاء العملية وتأمين المنطقة بالكامل.

 

إلى جانب ذلك، سيرت الحكومة قوافل للمدنيين النازحين إلى مدينة عفرين، حيث أعادت الكرد السوريين بعد دخول الجيش السوري إلى محافظة الرقة، التزاما بالبند الرابع عشر من اتفاق 18 كانون الثاني، الذي ينص على “العمل للوصول إلى تفاهمات تخص العودة الآمنة والكريمة لأهالي منطقة عفرين والشيخ مقصود إلى مناطقهم”.

 

هذا الاتفاق لاقى ترحيبا محليا وإقليميا ودوليا وأمميا، باعتباره خطوة محورية تعزز وحدة سوريا واستقرارها، لكن نجاحه ما يزال مرهونا بقدرة تنظيم “قسد” على الالتزام ببنوده وتنفيذها على أرض الواقع، لا المراوغة. إذ تشير أفعال التنظيم وتصريحات مسؤوليه إلى محاولة الالتفاف والتنصل من تنفيذه، رغم التزام الحكومة بتعهداتها وتنفيذها على أرض الواقع.

 

يأتي ذلك في حين انتهك تنظيم “قسد” الاتفاق من خلال استهداف الجيش السوري والمدنيين في القرى المحيطة بما تبقى من مناطق سيطرته، بينما ارتكب مقاتلوه مجزرة أودت بحياة 21 مدنيا في محيط قرية خروص جنوبي مدينة عين العرب، بريف حلب الشرقي، بينما وثقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” مقتل لا يقل عن 22 مدنيا، بينهم 3 أطفال، على يد قوات “قسد” في محافظة الرقة، وذلك خلال الأحداث التي شهدتها المحافظة يوم الأحد 18 كانون الثاني.

 

هذه الانتهاكات ما زالت مستمرة، ما يرجح أن تضطر الحكومة السورية إلى اتخاذ قرار بإنهاء التنظيم عسكريا، كون التنظيم بات عبئا ثقيلا على أهالي المنطقة ويهدد حياتهم، خاصة مع ورود أنباء تتحدث عن استمرار الانتهاكات في الحسكة، من اعتقالات وقتل واختطاف أطفال لتجنيدهم في صفوفه.

 

المرسوم (13): يكرس الحقوق ويعزز الوحدة الوطنية

انطلاقا من إدراك الحكومة السورية لأهداف تنظيم “قسد” وارتباطاته الخارجية، بدأت الحكومة بالمضي قدما في إقرار حقوق الكرد، إذ جاء ذلك عبر المرسوم التشريعي رقم (13) الذي صدر عن الرئيس أحمد الشرع في 16 كانون الثاني الجاري، في خطوة تكرس حقوق السوريين الكرد وتعزز الوحدة الوطنية، بما يسرع مسار انخراطهم في مؤسسات الدولة السورية، ودمجهم في عملية البناء.

 

إذ نص المرسوم على الحقوق الثقافية واللغوية للكرد السوريين، وعلى معالجة القضايا الحقوقية والمدنية لمكتومي القيد، واستعادة حقوق الملكية المتراكمة من العقود السابقة، وهو ما أكدت عليه الحكومة السورية، على رأسها الرئيس أحمد الشرع، منذ الأيام الأولى للتحرير.

 

مضمون المرسوم وبنوده أكد منح المكون الكردي حقوقه كمواطنين سوريين، مع الفصل بينهم وبين تنظيم “قسد” الذي يستغل الكرد في تنفيذ أجنداته الخارجية المرتبطة بـ”حزب العمال الكردستاني”، الأمر الذي دفع الحكومة إلى كسب الوقت والبدء عمليا بالإجراءات على أرض الواقع وعدم انتظار حل تنظيم “قسد”.

 

إذ تعمل الحكومة السورية على تنفيذ بنود المرسوم (13) من خلال إصدار التعليمات التنفيذية للبدء بتطبيقه. وقد أصدرت وزارة التربية والتعليم التعليمات التنفيذية التي شملت كل الإجراءات اللازمة لتفعيل المرسوم، سواء فيما يتعلق بإعداد المناهج التربوية للغة الكردية وفق معايير علمية وتربوية دقيقة، أو توفير الكوادر التعليمية المؤهلة وتدريبها، أو تعديل الخطة الدراسية بما ينسجم مع الخطة الوطنية، إضافة إلى آلية تحديد المدارس التي ستقوم بتدريس مادة اللغة الكردية في المناطق التي يشكل فيها المواطنون الكرد نسبة ملحوظة من السكان.

 

وأشار وزير التربية والتعليم محمد تركو إلى تشكيل لجنة متابعة وإشراف مركزية دائمة برئاسته وإشرافه المباشر، مهمتها متابعة تنفيذ هذه التعليمات ومعالجة أي معوقات فنية أو تنظيمية أو لوجستية قد تطرأ، بما يضمن انتظام سير العملية التعليمية وتحقيق الأهداف المرسومة بدقة متناهية. وأكد تركو أن المرسوم يمثل تجسيدا للحرص الوطني على حماية حقوق أبنائه جميعا، بما يعكس التزام الدولة بالحفاظ على الوحدة الوطنية وتعزيز الهوية الثقافية السورية متعددة الأبعاد.

 

أخيرا، فإن الحكومة السورية لا تستطيع الانتظار لوقت أطول، في حين أن تنظيم “قسد” بات يعرقل النهوض بالبلاد والبدء بمرحلة إعادة الإعمار، نتيجة ارتباطه المباشر بـ”حزب العمال الكردستاني” الموضوع على قوائم الإرهاب، إلى جانب وجود علاقات مع إيران تستخدم التنظيم لبقاء سوريا في مرحلة عدم استقرار دائم. الأمر الذي تدركه دمشق منذ الأشهر الأولى لسقوط نظام الأسد، لكنها كانت تحاول عبر الطرق الدبلوماسية والسياسية حل ذلك سلميا.

 

أخبار سوريا الوطن١-الثورة

 

x

‎قد يُعجبك أيضاً

10 عبارات تجنّب قولها للمكتئب!

    الاكتئاب لا يبدو دائماً مثل الحزن الذي نراه في الأفلام، ولا يأتي دائماً على هيئة دموع أو انعزال كامل. أحياناً يكون الاكتئاب أكثر ...