آخر الأخبار
الرئيسية » مجتمع » احتجاجات سلمية.. هل تغيرت ثقافة التعبير في المجتمع السوري؟

احتجاجات سلمية.. هل تغيرت ثقافة التعبير في المجتمع السوري؟

منال السماك

في مشهد غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة، شهدت سوريا عدة اعتصامات واحتجاجات سلمية نفذتها فئات مهنية متعددة، كان أبرزها إضراب سائقي تكاسي الأجرة في دمشق يوم الإثنين 6 نيسان الحالي، حيث توقفوا عن العمل بالقرب من ساحة الأمويين احتجاجاً على التعدي على مهنتهم من قبل تطبيقات إلكترونية وسيطة بين الراكب وسيارات النقل الخاصة كبديل عن خدمتهم.

وسبق ذلك وقفة احتجاجية لسائقي الشاحنات الكبيرة على طريق حلب اللاذقية في 5 نيسان الحالي، بالإضافة إلى وقفة احتجاجية لأصحاب البسطات أمام مبنى محافظة دمشق رفعوا خلالها شعار “بدنا نأكل.. بدنا نعيش”، كما سبقتها اعتصام لسائقي السرافيس في دمشق وريفها نهاية 2025.

هذه التحركات السلمية، التي جمعت بين الاعتصامات والوقفات، تعكس تحولاً في لغة التعبير والتواصل بين المجتمع والجهات المعنية، لم تكن معهودة سابقاً، وخلافاً لما كان سائداً في زمن النظام المخلوع، حيث كان القمع هو الرد الوحيد على أي احتجاج، لم تقف الجهات المعنية اليوم موقف المتفرج من هذه التحركات، بل شكّل نزول مسؤولين إلى وسط المعتصمين -وفق ما تم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي والاستماع المباشر إلى مطالبهم والوعد بإيجاد حلول جذرية-، تحولاً لافتاً في أسلوب التعامل مع المطالب الشعبية اليومية، وهو ما يؤشر إلى بيئة جديدة تختلف جذرياً عن الماضي.

وسيلة تعبير

في تفاصيل احتجاج سائقي التكاسي، يروي عبد الرزاق حجازي، أحد المشاركين فيه لـ “الثورة السورية”، معاناته هو وغيره من سائقي تكاسي الأجرة قائلاً: “كان مردود مهنتنا جيداً قبل أن تقتحم التطبيقات الحديثة مجال عملنا، ولم يقتصر الأمر عليها، بل أصبح صاحب أي سيارة خاصة يضع فانوس تكسي عليها، إلى جانب الدراجات النارية التي تعمل بتوصيل الركاب بشكل غير مرخص. المردود بات قليلاً جداً، وبالمقابل هناك ضرائب وتأمين إلزامي وبنزين وصيانة، ولم يعد عملنا قادراً على الصرف علينا وعلى بيوتنا”.

أما صهيب السيد، سائق تكسي آخر في دمشق، فيؤكد لـ”الثورة السورية” أن هذا الاحتجاج كان ضرورياً لتوجيه أنظار الجهات المعنية إلى واقعهم الصعب. ويشرح: “تم الاتفاق بين السائقين عبر وسائل التواصل الاجتماعي والعلاقات اليومية المباشرة، وتم الاتفاق على المطالب المحقة، ووضعنا الملصقات على زجاج سياراتنا التي تعبر عن معاناتنا، أملاً باستجابة الجهات المعنية لإنصافنا ومنع التعدي على مهنتنا”.

أما أصحاب البسطات، فرفعوا شعار “بدنا نأكل.. بدنا نعيش” خلال وقفتهم الاحتجاجية أمام مبنى محافظة دمشق في 5 نيسان الجاري، احتجاجاً على قرار إزالتهم من الشوارع والأسواق الرئيسية. ويوضح محمد سيوفي، صاحب بسطة جوارب وقطنيات في سوق الحميدية، لـ “الثورة السورية” أن هذا العمل هو مصدر رزقهم الوحيد، وأن منعهم من العمل ظلم لهم خاصة في ظل الظروف المادية الصعبة، مطالباً بضرورة إيجاد بدائل مناسبة لهم بدلاً من المنع المباشر.

نضج فكري

وفق تسارع الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية في سوريا، يمكن ملاحظة أن ثقافة التعبير قد تغيرت واتخذت منحنى جديداً ببدء ظهور الوقفات الاحتجاجية والاعتصامات المعبرة عن المطالب الحياتية والمعيشية، بحسب الباحثة في علم الاجتماع الدكتورة سلوى شعبان لـ”الثورة السورية” وتضيف: “ذلك دليل إيجابي في المجتمع ويعبر عن حالة صحية بناءة في التعبير والمطالبة بتحسن وتغيير واقع الحياة”.

وبرأيها، فإن هذا التحول سببه النضوج الفكري والسياسي لدى المواطن، الذي عاش تجربة مريرة سابقة أعطته القوة والاندفاع، وكان رد فعل طبيعياً على توالي الأزمات والمتغيرات المرتبطة بضغوطات اجتماعية واقتصادية وحياتية مستمرة، مما جعلها ضرورة إنسانية، وتحولاً سياسياً مجتمعياً صحياً يقي المجتمع ويصحح مساره نحو حياة أفضل.

وتعتبر شعبان أن هذه الاحتجاجات تمثل تحولاً في الوعي المجتمعي لدى السوريين، ونقطة انطلاق قوة حقيقية جديدة نابعة من تجربة تاريخية معقدة ومؤلمة، وتحولات عميقة في بنية المجتمع، وإعادة توثيق علاقة الشعب بالدولة والحكومة، حيث فتح المجال أمام الجميع للتعبير بالصوت والكلمة عن المطلب، والإشارة إلى مكامن الخلل.

وكذلك، فهذه الظاهرة التي تعكس تحولاً في لغة التعبير، هي مؤشر على تغير علاقة المجتمع بالسلطة، لتتحول الساحة السورية إلى حالة ملفتة في الواجهة السياسية والاجتماعية، مما فسح المجال لتنامي المبادرات الحكومية والمجتمعية، والاستجابة السريعة لإدارة الشأن المحلي خارج الأطر التقليدية. وهذا يشير إلى أن المجتمع، حتى في أحلك الظروف، قادر على تطوير آلياته الذاتية للتكيف والتنظيم، والمشاركة مع السلطة والتباحث معها بصوت مسموع.

تفريغ للطاقة

من منظور نفسي، تشرح الباحثة النفسية ليلى زيدان، في حديثها لـ”الثورة السورية”، أن ثقافة الاحتجاج هي آلية دفاع جماعية، حيث يتحول الصمت إلى تعبير عن مشاعر الإحباط الجماعي، والإيمان بالقدرة على التغيير من خلال فعل علني يسعى لإعادة التوازن النفسي وتعزيز الهوية الذاتية.

وتضيف: هناك دوافع نفسية لهذه الظاهرة، فهي تشكل للمشاركين مساحة لتفريغ الطاقة السلبية ومشاعر الغضب والتوتر، وتسهم في تنمية الشعور بالانتماء للمجموعة والتضامن الاجتماعي من خلال الشعارات والهتافات التي اتفقوا عليها. كما تسهم في تقليل مشاعر الإحباط، لشعورهم بالقدرة على تغيير واقعهم، ما يعزز ثقتهم بأنفسهم.

وتلفت زيدان إلى أن ثقافة الاحتجاج التي بدأت تتنامى في المجتمع السوري تعبر عن كسر حواجز الخوف القديمة وفتح المجال أمام حرية التعبير، فتتسم بالاستمرارية والصبر. كما تعتمد على التعبئة العاطفية من خلال تحويل المطالب الفردية إلى جماعية، لاكتساب التعاطف الاجتماعي لنيل التغيير المطلوب.

وعادةً ما يستخدم المشاركون في هذه التحركات السلمية وسائل التواصل الاجتماعي لجمع المشاركين ونشر الوعي بالحقوق والمطالب، والاتفاق على الشعارات التي تعبر عن أهدافهم السلمية. وتتسم هذه التحركات بشعورعالٍ بالفعالية والإيمان بالقدرة على إحداث التغيير.

حق قانوني

يؤكد المحامي عز الدين العقاد في حديثه لـ”الثورة السورية” أن هذه الظاهرة تندرج ضمن الحقوق الأساسية التي كفلتها القوانين والمواثيق الدولية، وأهمها حرية التعبير والتجمع السلمي. واستمرار هذه الاحتجاجات بشكل سلمي ومنظم يمثل دليلاً على تغير تدريجي في ثقافة التعبير داخل المجتمع السوري نحو طرق أكثر وضوحاً ومباشرة في المطالبة بالحقوق.

ويضيف: أهم ما يميز هذه الوقفات الاحتجاجية هو خروجها من الإطار الفردي إلى الجماعي الفاعل والمنظم، ما يعكس تطوراً لافتاً في النضج والوعي لدى الفئات المتضررة بقدرتها على الضغط بطرق سلمية متحضرة لتحقيق مطالبها.

وكانت وزارة الداخلية قد أعلنت في 2026 عن إجراءات تنظيمية جديدة لضبط التحركات الشعبية، أبرزها تقديم طلب قبل خمسة أيام من التظاهر يوضح أهدافه ومكانه وزمانه وشعاراته، مع تعهد بعدم الإضرار بالممتلكات العامة والخاصة، لتنظيم أي اعتصام تحت سقف القانون.

تغير لغة تعبير السوريين هو انعكاس لتحولات اجتماعية وسياسية عاشها المجتمع، فتحول الخوف إلى لغة أكثر حرية وجرأة، في ترجمة للوعي بتأثير التضامن الجماعي في إحداث التغيير، وفتح قنوات جديدة للتواصل بين الشعب والسلطة.

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية

x

‎قد يُعجبك أيضاً

نشاط تفاعلي احتفالي بعيد الفصح في ثقافي صافيتا

    فادية مجد   نظم قسم ثقافة الطفل في المركز الثقافي العربي بصافيتا نشاطاً ترفيهياً وتوعوياً في مركز Bubble Zone، وذلك بمناسبة عيد الفصح ...