آخر الأخبار
الرئيسية » شكاوى وردود » ازدحام بلا انتعاش تجاري.. ضعف السيولة يقيّد مبيعات رمضان

ازدحام بلا انتعاش تجاري.. ضعف السيولة يقيّد مبيعات رمضان

همام فيض الله

خلال شهر رمضان، تشهد أسواق المحافظات السورية نشاطاً ملحوظاً خلال ساعات ما بعد الإفطار، إلا أن حركة الزبائن في الأسواق لا تعكس بالضرورة واقع المبيعات، فالشوارع تكتظ بالمتسوقين الباحثين عن المواد الغذائية والسلع الأساسية، غير أن هذه الحركة الظاهرية لا تشير إلى انتعاش تجاري حقيقي.

وتشير البيانات والشهادات الميدانية إلى أن هذا الازدحام يكشف عن فجوة متنامية بين الحركة الظاهرية في الأسواق والقدرة الشرائية الفعلية للأهالي، في ظل ارتفاع الأسعار وتزايد الضغوط المعيشية.

وتأتي هذه الظاهرة وسط ظروف اقتصادية ومعيشية ضاغطة ما تزال تلقي بظلالها على حياة السوريين، حيث تواجه كثير من الأسر تحديات متزايدة في موازنة نفقاتها مع دخول شبه ثابتة وارتفاعات سعرية تطال عدداً من السلع الأساسية، ولا سيما مع ازدياد الطلب الموسمي خلال شهر رمضان، وبين مؤشرات التعافي التدريجي للأسواق من جهة، واستمرار الضغوط على القدرة الشرائية من جهة أخرى، برزت مفارقة لافتة تتمثل في ازدحام الأسواق مقابل محدودية المبيعات الفعلية.

مفارقة السوق: حركة كثيفة ومبيعات محدودة

في أسواق حلب وإدلب وغيرها من المحافظات السورية، يمكن ملاحظة تدفق أعداد كبيرة من المتسوقين بعد الإفطار، إلا أن كثيراً منهم يكتفي بالتجول ومقارنة الأسعار دون إتمام عمليات شراء فعلية.

ويقول محمد عبد الله الوراد، تاجر ألبسة أطفال في محافظة حلب، لصحيفة الثورة السورية: “يشهد السوق حركة كبيرة، لكن حجم المبيعات لا يعكس هذا الازدحام”، مشيراً إلى أن المستهلكين أصبحوا يقارنون بين أسعار المنتجات ويقتصرون في مشترياتهم على الحاجات الضرورية فقط.

ويضيف الوراد أن العام السابق كان أفضل من العام الحالي، موضحاً أن الأسواق شهدت آنذاك حركة أكبر، ويرجح أن السبب يعود إلى الانفتاح المباشر بين المحافظات السورية بعد تحرير سوريا وسقوط النظام المخلوع في 8 كانون الأول 2024، ما أسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية.

وفي محافظة إدلب، يروي أحمد العمر، صاحب متجر ألبسة نسائية في مدينة إدلب، لصحيفة الثورة السورية أن الأهالي يأتون إلى الأسواق بعد الإفطار لتفقد الأسعار أكثر من الشراء، مؤكداً أن عمليات الشراء في الوقت الحالي محدودة وتقتصر في معظمها على السلع الأساسية مثل السكر والزيت وغيرها من المواد الغذائية، فيما تظل مشتريات الألبسة والمنسوجات قليلة وفي نطاق ضيق.

تقول نجاح عبد الحليم، باحثة اقتصادية، لصحيفة الثورة السورية: “إن عامل فقدان اليقين يعد من أبرز العوامل المؤثرة في سلوك المستهلك، فالأسعار التي تتبدل بسرعة مع ثبات الدخل تحوّل عملية التسوق إلى جمع معلومات ومقارنة للأسعار أكثر من كونها شراء فعلياً”، وتشير إلى أن انكماش السلة الاستهلاكية والتوجه نحو شراء الأساسيات وتأجيل المشتريات غير الضرورية يؤديان إلى انخفاض عدد عمليات البيع الفعلية، الأمر الذي ينعكس بدوره على حركة المبيعات لدى التجار.

وحذرت عبد الحليم من أن استمرار هذه الظاهرة قد يؤدي إلى انكماش الطلب على الكماليات والخدمات، ما يفرض ضغوطاً إضافية على صغار التجار وقد يدفع بعضهم إلى الخروج من السوق، الأمر الذي قد يؤدي في النهاية إلى تركز النشاط التجاري بيد من يمتلك سيولة أكبر وشبكات توريد أوسع.

الأسباب الاقتصادية والمعيشية وراء الظاهرة

يقول نشأت صباغ، صاحب متجر أحذية نسائية في حلب، لصحيفة الثورة السورية: “إن حركة الأسواق في شهر رمضان مقبولة إلى حد ما، لكنها تبقى ضعيفة مقارنة بالعام السابق”.

ويضيف أنه على الرغم من حالة الجمود التي يعيشها السوق خلال شهر رمضان، فإن بعض المؤشرات توحي بإمكانية تحسن الوضع مستقبلاً، موضحاً أن ضعف القوة الشرائية لدى الزبائن يعود أساساً إلى نقص السيولة لدى المواطنين، إضافة إلى ارتفاع أسعار بعض السلع في الفترة الحالية.

بدوره، يقول بشر مشهدي، صاحب متجر ألبسة أطفال في حلب، لصحيفة الثورة السورية: “إن الأسواق تشهد حالياً حالة من الركود وضعفاً في المبيعات”، مؤكداً أن ضعف السيولة وارتفاع أسعار بعض السلع دفعا كثيراً من المواطنين إلى الاكتفاء بشراء الأساسيات فقط.

ويعتبر أن الحل يكمن في خفض أسعار بعض السلع عبر تقليل تكاليف الإنتاج أو دعمها، ولا سيما فيما يتعلق بالمحروقات.

من جانبه، يقول منهل عثمان، خبير اقتصادي، لصحيفة الثورة السورية: “إن العلاقة بين ارتفاع الأسعار والقدرة الشرائية علاقة عكسية، فكلما ارتفعت الأسعار تراجعت القدرة الشرائية للمستهلكين”، ويشير إلى أن شريحة واسعة من المستهلكين تتجه في شهر رمضان إلى شراء المواد الغذائية والاستهلاكية، مع الاستغناء عن الكماليات.

ويرى أن زيادة معدلات التضخم مع ثبات الدخل تدفع كثيراً من المستهلكين إلى الاستغناء عن بعض السلع أو تأجيل شرائها إلى حين استقرار السوق وخفض معدلات التضخم.

بدوره، قال زكي المحشي، باحث اقتصادي، لصحيفة الثورة السورية: “إن السبب الرئيس في تراجع القدرة الشرائية يعود إلى ارتفاع أسعار الطاقة، حيث تتجه الأسر إلى ادخار نسبة كبيرة من دخلها لتسديد فواتير الكهرباء بدلاً من إنفاقها على شراء الحاجات الأساسية”.

ويضيف أن التدهور المستمر في القدرة الشرائية يرتبط أيضاً بسياسات اقتصادية غير مدروسة بشكل كافٍ، تتجه نحو تحرير الأسعار والانفتاح على السوق، في حين أن كثيراً من الأسر السورية غير مهيأة بعد لمثل هذا الانفتاح.

ويرى أن ارتفاع أسعار الطاقة أدى إلى زيادة تكاليف الإنتاج، وبالتالي ارتفاع أسعار السلع المصنعة محلياً، الأمر الذي ينعكس بصورة غير مباشرة على إضعاف القدرة الشرائية، كما يشير إلى أن احتكار بعض المنتجات الأجنبية وبيعها بأسعار مرتفعة يسهم أيضاً في تقليص القدرة الشرائية لدى المواطنين.

وحذر عثمان من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى تداعيات كبيرة على المدى الطويل، من أبرزها تراجع جودة المنتجات وارتفاع معدلات الغش في الأسواق، إضافة إلى انتشار السلع المقلدة التي قد تلحق أضراراً بصحة المستهلك مستقبلاً، مثل أغذية الأطفال أو اللحوم المصنعة وغيرها.

وأكد أيضاً أن عدم توازن السوق قد يؤدي إلى خروج عدد من التجار من النشاط التجاري، ما ينعكس سلباً على الحركة الاقتصادية بشكل عام.

ونوّه العثمان إلى أن الدولة في الاقتصاد الكلاسيكي لا تتدخل عادة في عمليات التسعير، بل يقتصر دورها على التدخل في بعض القطاعات التي تواجه حالات احتكار، سواء الاحتكار التام أو احتكار القلة، مثل الخبز أو الاتصالات أو غيرها من القطاعات الحيوية.

واعتبر أن تدخل الدولة في الحالة التي يعيشها السوق السوري حالياً ينبغي أن يركز على زيادة المعروض من المنتجات وفتح باب الاستيراد بشكل عاجل، لما لذلك من دور في خفض أسعار بعض السلع، كما دعا الجهات الرقابية إلى مراقبة سلسلة الإمداد، بما يسهم في تخفيف الأسعار وتعزيز القدرة الشرائية، إضافة إلى ضرورة مراقبة مخزون كبار التجار لمنع احتكار المواد، إلى جانب افتتاح أسواق شعبية يمكن أن تسهم في تخفيض الأسعار.

وشدد العثمان على أهمية تدخل الدولة من خلال توفير التراخيص اللازمة لافتتاح سلاسل متاجر كبيرة على غرار ما هو قائم في دول الجوار مثل تركيا، التي تضم متاجر مثل “بيم” و”101″ وغيرها، نظراً لقدرتها على شراء كميات كبيرة من المنتجات وضبط سلاسل الإمداد والحد من الاحتكار في السوق، فضلاً عن توفير منتجات بأسعار تناسب شريحة واسعة من المواطنين.

وختم العثمان بالقول: “إن زيادة الدخل تعد من أنسب الحلول للمواطن”، مؤكداً أهمية رفع الأجور في القطاع العام والقطاع المشترك ولدى المتقاعدين بطريقة مدروسة وتدريجية، بما لا يسهم في زيادة معدلات التضخم.

من جهتها، اعتبرت نجاح عبد الحليم أن الحلول الممكنة تتمثل في خفض كلفة السلة الأساسية عبر أدوات قابلة للتطبيق، مثل تقديم دعم موجّه من خلال قسائم غذائية للفئات الأكثر ضعفاً بدلاً من الدعم العام.

وأكدت أهمية ضبط رسوم الاستيراد على بعض المواد خلال شهر رمضان، وتأمين تمويل قصير الأجل يضمن انسياب السلع الأساسية في الأسواق ويمنع القفزات السعرية.

وأشارت إلى أن العروض المدروسة وتوفير عبوات أصغر بأسعار مرنة تتناسب مع القدرة الشرائية الحالية يمكن أن يساهما في إعادة التوازن التدريجي بين حركة السوق وحجم المبيعات.

وختمت حديثها بالقول: “إن أي تحسن نقدي سريع في الدخل سينعكس مباشرة على الطلب”، مشيرة إلى أهمية المنح المؤقتة في المرحلة الراهنة، لما توفره من دعم لأجور العاملين في القطاع العام، وما تسهم به فعلياً في تعزيز القدرة الشرائية لدى المواطنين.

أما زكي المحشي فاعتبر أن هناك حلقة مترابطة بين ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، مؤكداً ضرورة تدخل الدولة لكسر هذه الحلقة من خلال إجراءات متعددة، منها تبني سياسات اقتصادية شفافة، ولا سيما فيما يتعلق بمؤسسات القطاع العام وسياسات تحرير الأسعار مثل أسعار الكهرباء، إضافة إلى تفعيل المؤسسات التموينية بصورة واضحة وشفافة.

وشدد المحشي على أهمية دعم الإنتاج المحلي، معتبراً أن تحقيق نهضة اقتصادية حقيقية يتطلب تبني سياسات مدروسة ومستدامة تقوم على أسس علمية واضحة.

وختم بالتأكيد على ضرورة تدخل الدولة بإجراءات إسعافية لكسر حالات الاحتكار لدى بعض التجار، واعتماد سياسات مالية ونقدية واضحة وشفافة لضبط الأسعار والاستثمارات، مع الحفاظ في الوقت ذاته على حرية الأسواق.

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الأسعار تواصل صعودها…اسمندر:الواقع يعرّض 90 بالمئة من الشعب لخطر الحرمان من الغذاء والرعاية الصحية وتراجع شروط الحياة الكريمة

    فادية مجد ‏ ‏تتصاعد موجة الغلاء في الأسواق السورية رغم استقرار سعر الصرف، في مفارقة باتت تشكل عبئاً يومياً على المواطنين الذين يواجهون ...