د.عبد الكريم بكار
بعد أن وقفنا في المحطة السابقة أمام جلال اسم الله القهار، وما يورثه في النفس من خضوع واستسلام، نقف اليوم أمام اسم يفتح أبواب الأمل، ويغمر القلب بمعاني الكرم الإلهي، وهو اسم الله الوهّاب.
حين يتأمل الإنسان حياته بصدق، يدرك أن أكثر ما يملكه لم يصنعه بيده:
لم يختر عقله، ولا موهبته، ولا أسرته، ولا الفرص التي فُتحت له في الطريق.
هناك عطاءات كثيرة سبقت جهده، ونعماً كثيرة جاءت قبل استحقاقه. هنا يتجلى معنى اسم الله الوهّاب.
معنى الوهّاب
الوهّاب هو الذي يعطي العطاء الواسع المتجدد، تفضلاً وكرماً، لا عن حاجة إلى خلقه، ولا انتظاراً لعوض منهم.فالهبة في أصل اللغة: العطية المجردة عن المقابل.
والله سبحانه يهب لعباده قبل أن يسألوه، ويعطيهم ما لا يخطر لهم على بال، ويجدد نعمه عليهم صباح مساء. ولهذا اقترن اسم الوهّاب في القرآن بالدعاء والرجاء، كما في قول الراسخين في العلم:
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾
الهداية… من أعظم الهبات
ومن أعظم ما يهبه الله لعباده هبة الهداية. فالرزق يحفظ حياة الجسد، أما الهداية فتحفظ مصير الإنسان في الدنيا والآخرة.
ولهذا كان أعظم خوف يخشاه الصالحون: أن تُسلب منهم هذه الهبة بعد أن منَّ الله بها عليهم.
الأثر التربوي للإيمان باسم الوهّاب
1. التحرر من عبودية الأسباب
حين يوقن الإنسان أن الله هو الوهّاب، لا يتعلق قلبه بالمخلوقين تعلقاً مذلاً؛ لأنه يعلم أن الناس أسباب، أما العطاء الحقيقي فمن الله.
2. استدامة النعم بالشكر
النعم عطايا، والعطايا تُصان بالشكر. والشكر ليس كلمة تُقال، بل عمل يُظهر أن العبد استخدم ما وهبه الله فيما يرضيه.
﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
3. التخلق بأثر العطاء
المؤمن حين يعرف ربه الوهّاب، يحاول أن يقتبس من هذا المعنى في حياته. فيهب من علمه، ووقته، وخبرته، وجاهه، لمن حوله. فأكرم الناس في الأرض هم أكثرهم عطاءً بلا انتظار للمقابل.
4. الطمأنينة في الطلب
اسم الوهّاب يفتح للعبد سقف الأمل. فلا يستعظم حاجته على الله، ولا يضيق أمله بعجز الأسباب. وقد علمنا سليمان عليه السلام أن نسأل الله بعزيمة:
﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِن بَعْدِي﴾
خلاصة المعنى
اسم الله الوهّاب يعلّمنا أن ما في أيدينا ليس ملكاً خالصاً لنا، بل هو هبة مؤقتة أودعها الله عندنا ليرى كيف نتصرف فيها. فمن عرف الوهّاب، عاش شاكراً، مطمئناً، كريماً مع الناس؛ لأنه يعلم أن خزائن الله لا تنفد.
اللهم يا وهّاب، هب لنا قلوباً سليمة، وعقولاً مستنيرة، وهب لنا من لدنك رحمة تغنينا بها عن رحمة من سواك.
[ في رحاب الأسماء الحسنى (15): الله… الوهّاب ]
(اخبار سوريا الوطن-صفحة الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
