نضال رشيد بكور
في يوم ميلادي ، لا أسأل كم مضى من العمر بل كم بقي من العمل
فالسنوات في حياة الصناعي لا تُقاس بعددها بل بما تحمله من محاولات وصبر وتجارب …
قبل أكثر من أربعين عاماً ، وتحديدًا في عام 1984 ، بدأت رحلتي مع الصناعة …
لم تكن البداية كبيرة ولا لافتة ، كانت حرفة صغيرة في ورشة متواضعة لتحضير وتحميص البن ، ومحلاً لتصنيع الحلويات وأدوات بسيطة ، وإمكانات محدودة … لم يكن هناك مشروع ضخم ينتظر أن يولد ، ولا مصانع تلوح في الأفق ، كان هناك فقط شاب يؤمن أن العمل الحقيقي ، مهما كان صغيراً ، يمكن أن يكبر إذا وجد من يصبر عليه …
تلك البداية كانت المدرسة الأولى …
هناك تعلمت أن الصناعة ليست مجرد مهارة بل أخلاق عمل
هي احترام للوقت وللتعب ، وللقيمة التي يضيفها الإنسان بيديه وعقله …
الصناعة طريق طويل ، لا يشبه الطرق السريعة. فيه صعود وهبوط وفيه أيام تشعر فيها أنك اقتربت من الهدف ، وأيام أخرى يبدو فيها الطريق أطول مما توقعت …
مرّت عليّ في هذه الرحلة تجارب كثيرة :
تجارب صناعية في خطوط الإنتاج ،
وتجارب تجارية في الأسواق ،
وتجارب إدارية في إدارة العمل والناس .
نجاحاتٌ منحتني الثقة ،
وصعوباتٌ منحتني الحكمة .
تعلمت أن السوق مدرسة لا تجامل أحداً .
وأن الخسارة ، مهما كانت مؤلمة ، قد تكون أصدق معلم للإنسان إذا أراد أن يفهم الواقع …
شيئاً فشيئاً بدأت تلك الحرف الصغيرة تكبر .
فكرة تتحول إلى مشروع
ومشروع يتحول إلى معامل
ومحاولة تتكرر حتى تصبح تجربة …
لكنني اكتشفت مع مرور السنوات حقيقة مهمة :
الصناعة لا تكافئ الذكاء وحده ، ولا تكافئ المال وحده …
إنها تكافئ الصبر قبل أي شيء آخر …
الصبر على التفاصيل الصغيرة ،
والصبر على الأزمات ،
والصبر على الطريق الطويل الذي لا يظهر في بدايته إلى أين سيصل …
الصناعي يعيش دائماً بين القلق والأمل …
القلق من أن يتعثر العمل ،
والأمل بأن الفكرة التي يعمل عليها اليوم يمكن أن تصبح واقعاً غداً …
ومع الزمن أدركت أن المصنع ليس مجرد آلات وجدران …
المصنع مجتمع صغير :
فيه جهد العمال ،
ومسؤولية الإدارة ،
وأحلام كثيرة تتعلق بنجاح العمل واستمراره …
اليوم بعد أكثر من أربعة عقود من العمل ، قد يرى البعض المصانع والمشاريع والنتائج …
أما أنا فعندما أنظر إلى الماضي أرى شيئاً مختلفاً …
أرى الطريق الطويل الذي بدأ بحرف صغيرة …
أرى التعب الذي تحول إلى خبرة …
وأرى ذلك العناد الهادئ الذي كان يقول لي كل مرة : حاول مرة أخرى …
لقد علمتني هذه الرحلة أن الإنسان لا يُقاس بما يملك …
بل بما يستطيع أن يبنيه بجهده …
وأن الإنجاز الحقيقي ليس في الوصول فقط بل في القدرة على الاستمرار …
وفي يوم ميلادي هذا لا أشعر أنني وصلت إلى نهاية الطريق …
بل أشعر أنني ما زلت في قلب الرحلة …
فالعمل الذي بدأ قبل أربعين عاماً لم يكن مجرد حرف تحولت إلى صناعة
بل كان أسلوب حياة …
وما زلت أؤمن أن الفكرة الصغيرة إذا وجدت من يؤمن بها
ويصبر عليها
ويعمل لأجلها كل يوم …
يمكن أن تتحول يوماً ما إلى مصنع
وإلى تجربة وإلى قصة حياة كاملة.
10/3/2026
المهندس نضال رشيد بكور
خبير في الاقتصاد الصناعي
من أرض المصنع… حيث تتحول الفكرة إلى إنتاج
(موقع:أخبار سوريا الوطن2)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
