آخر الأخبار
الرئيسية » مجتمع » الأجور المتدنية وتآكل الطبقة الوسطى.. تداعيات اجتماعية ووعود بتعديل قانون العمل

الأجور المتدنية وتآكل الطبقة الوسطى.. تداعيات اجتماعية ووعود بتعديل قانون العمل

مريم طاهر

تحتل قضية الأجور غير العادلة مساحة واسعة من حياة السوريين اليومية، فهي حاضرة في منشورات مواقع التواصل الاجتماعي، وفي أحاديث العائلة، كما في النقاشات المتكررة داخل وسائل النقل وأماكن العمل، ومع رواتب لا تتجاوز لدى شريحة واسعة نحو 100 دولار شهرياً، يصبح إيجار منزل بسيط أعلى من هذا المبلغ بكثير، لتغدو حياة العامل أقرب إلى معادلة صعبة عنوانها الدائم: البحث عن الحد الأدنى من متطلبات العيش.

هذا الواقع أعاد ملف الحد الأدنى للأجور إلى واجهة النقاش العام بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية، فالقضية تتعلق بتنظيم سوق العمل وحماية العامل، كما ترتبط بقدرة الاقتصاد والإمكانات المالية للدولة على الاستجابة لهذه المطالب.

ولم يعد الجدل يدور حول ضرورة رفع الأجور، فذلك بات مطلباً شبه محسوم لدى معظم السوريين، وإنما حول الكيفية التي يمكن من خلالها تحديد حد أدنى للأجور يخفف فجوة الدخل والمعيشة ويمنح العامل قدرة أفضل على تأمين احتياجاته الأساسية، من دون أن تتحول الزيادة إلى أثر مؤقت تلتهمه الأسعار سريعاً، أو إلى عبء إضافي على سوق العمل والقدرة الإنتاجية للاقتصاد.

انعكاسات اجتماعية

لا يقتصر أثر تدني الأجور على تراجع القدرة الشرائية، بل يمتد إلى استقرار الأسرة والمجتمع، وفي هذا السياق يرى الباحث الاجتماعي أيمن الدسوقي أن الاقتصاد غير الرسمي، وما يرتبط به من سوق عمل غير منظم، يشكل منذ عقود إحدى السمات البارزة للاقتصاد السوري، بما يرافقه من ضعف في منظومة حماية حقوق العاملين، إضافة إلى خسارة الدولة لإيرادات ضريبية كبيرة.

ويقول الدسوقي إن انخفاض الأجور يرتبط جزئياً بمحاولات بعض أصحاب العمل تقليل التكاليف المرتبطة بالعمل الرسمي، مثل التأمينات والضرائب، بهدف تعزيز القدرة التنافسية أو زيادة الأرباح، وأحياناً لتجنب أعباء يرونها مرتفعة، خصوصاً خلال الأزمات الاقتصادية المتكررة التي يمر بها الواقع السوري.

ويضيف أن تشغيل العمال من دون عقود رسمية تضمن حقوقهم يدفع كثيرين إلى العمل في أكثر من وظيفة، أو إشراك أفراد من أسرهم في سوق العمل لتأمين متطلبات المعيشة المرتفعة، ويؤدي ذلك إلى توسيع دائرة الاستغلال وظروف العمل غير العادلة، ولا سيما بالنسبة للنساء، إضافة إلى تفاقم ظاهرة عمالة الأطفال.

ويشير الدسوقي إلى أن تراجع الأجور في سوريا كان ولا يزال عاملاً محفزاً للهجرة الخارجية، كما يفسر محدودية عودة المغتربين السوريين للاستقرار في البلاد، فضعف الدخل وغياب الاستقرار الاقتصادي يدفعان كثيرين إلى البحث عن فرص خارجية، حتى وإن كانت محفوفة بالمخاطر، ويترك ذلك انعكاسات اجتماعية واضحة، من بينها توسع الهجرة غير النظامية، وازدياد بعض الظواهر الاجتماعية السلبية مثل الإدمان والسرقة، إضافة إلى اتساع قاعدة الفئات المهمشة المنخرطة في سوق العمل غير الرسمي.

قراءة اقتصادية بين العدالة والتضخم

في المقابل، يقدم الخبير الاقتصادي حيان حبابة قراءة اقتصادية لملف الحد الأدنى للأجور، موضحاً أنه يمثل الحد الأدنى للأجر الذي يجب أن يتقاضاه العامل، بغض النظر عن صفته أو طبيعة المؤسسة التي يعمل فيها، ويعد هذا الحد أحد أدوات الحماية الاجتماعية التي تهدف إلى تمكين العامل من تغطية احتياجاته الأساسية، مثل الغذاء والمسكن والرعاية الصحية، ومنع انزلاقه تحت خط الفقر.

ويشير حبابة إلى أن التحدي الاقتصادي الأبرز في هذا الملف يتمثل في أن زيادة الأجور غالباً ما يتبعها ارتفاع سريع في أسعار السلع، ما يؤدي إلى امتصاص أثر الزيادة قبل أن تنعكس فعلياً على حياة المواطنين، وبهذا المعنى قد تتحول الزيادة إلى عامل تضخمي بدلاً من أن تسهم في تعزيز القدرة الشرائية، خصوصاً إذا لم تترافق مع نمو حقيقي في الإنتاج، الأمر الذي قد يضيف أعباء مالية إضافية على الاقتصاد.

ويضيف حبابة حول الحلول المقترحة أن اتساع الفجوة بين تكاليف المعيشة ومستوى الأجور، إلى جانب تآكل الطبقة الوسطى، يجعل معالجة هذا الملف مرتبطة بحزمة سياسات اقتصادية متكاملة، ويشير إلى أن الحد من هذه التحديات يتطلب توجيه الاقتصاد نحو الإنتاج الفعلي وتعزيز النمو والاستثمار، وربط الأجور بمؤشر تضخم دوري، إلى جانب تفعيل الرقابة الصارمة على الأسواق، كما يؤكد أهمية دعم الأجور غير المباشرة عبر توسيع الخدمات المدعومة، مثل الدعم التمويني، وخفض تكاليف النقل، وتعزيز الخدمات الصحية، بما يخفف الضغط عن الأجر النقدي.

النص القانوني موجود والتنفيذ محل اختبار

من الناحية القانونية، تؤكد المحامية أسماء النعسان أن الإطار التشريعي المنظم للأجور قائم وملزم، غير أن التحدي الرئيسي يكمن في ضعف آليات التطبيق والرقابة، وتقول: يمثل القانون المرجعية الأساسية التي يستند إليها العامل عند تعرضه للاستغلال أو عند رغبته في تقديم شكوى، إلا أن الإجراءات أمام المحاكم العمالية قد تستغرق بين سنتين إلى ثلاث سنوات، مع تكاليف مرتفعة، الأمر الذي يدفع كثيراً من العمال إلى العزوف عن المطالبة بحقوقهم.

وتضيف أن المرسوم الذي حدد الحد الأدنى للأجور بمبلغ 750 ألف ليرة سورية لم يحقق أثره المتوقع بسبب ضعف الرقابة، فضلاً عن أن قيمته تراجعت بفعل التضخم، ما يستدعي مراجعة أوسع تأخذ بعين الاعتبار الواقع المعيشي الراهن.

وتلفت النعسان إلى أن تجارب بعض الدول، مثل الأردن، أظهرت أهمية وجود لجان مختصة تتولى مراجعة الحد الأدنى للأجور بشكل دوري استناداً إلى دراسات اقتصادية، إضافة إلى تنفيذ زيارات تفتيش مفاجئة وفرض عقوبات واضحة على المخالفين، بما يعزز الالتزام بالقانون ويحد من الانتهاكات.

وعود بتعديل مرتقب وآليات تطوير

من جهته، يوضح مدير مديرية تنظيم العمل في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل خليل عواد أن قانون العمل رقم (17) لعام 2010 لا يمنح الوزارة صلاحية إصدار قرارات مباشرة بزيادة أجور العاملين في القطاع الخاص، إذ ينص القانون على الزيادة الدورية كل سنتين، إضافة إلى الترفيع المرتبط بجهود العامل وأدائه.

ويشير عواد إلى أن تعديل الحد الأدنى للأجور يفترض أن يتم عبر اللجنة الوطنية المختصة، إلا أن المراسيم التشريعية الصادرة منذ عام 2011 تضمنت زيادات مباشرة، الأمر الذي أدى إلى تعطيل دور هذه اللجنة.

ويضيف أن الوزارة تعمل حالياً على تعديل قانون العمل بما يضمن نصوصاً واضحة تكفل حصول العمال على أجور عادلة تتناسب مع طبيعة أعمالهم، إلى جانب وضع آلية قانونية لمراجعة الحد الأدنى للأجور بشكل دوري وفق معدلات التضخم وارتفاع الأسعار.

وفيما يتعلق بالتطبيق، يبين عواد أن الوزارة تسعى إلى تعزيز الالتزام بقانون العمل من خلال رفع مستوى الوعي، وتشجيع الانتقال من الاقتصاد غير المنظم إلى الاقتصاد المنظم، وتطوير أجهزة التفتيش، والاستفادة من أدوات الحوكمة والتحول الرقمي، إضافة إلى فرض عقوبات رادعة على المخالفين، ويؤكد أن أحكام القانون تسري على جميع المنشآت، سواء كانت مرخصة أم غير مرخصة.

وفي المحصلة، لا يُختزل الحد الأدنى للأجور في رقم يصدر بقرار إداري، فعندما يعجز الراتب عن تأمين أبسط مقومات الحياة، فإن المشكلة تتجاوز الظرف المؤقت لتكشف خللاً بنيوياً تراكم عبر سنوات، وقد أسهم اتساع فجوة الدخل في دفع كثير من السوريين نحو الفقر والهجرة، كما عمّق الهشاشة الاجتماعية وفتح المجال أمام أشكال مختلفة من الاستغلال في سوق العمل.

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جمعية مزرعة الحنفية الخيرية في طرطوس تحدث صندوقاً للتكافل الاجتماعي لصالح أهالي القرية و13 قرية مجاورة وتفتح باب التبرّع له بأي مبلغ كان

  طرطوس:أخبار سوريا الوطن أحدثت جمعية مزرعة الحنفية الخيرية في محافظة طرطوس الشهر الماضي صندوقاً للتكافل الاجتماعي وشكلت لجنة ادارية لهذا الصندوق وبعد ذلك خاطبت ...