سيرين المصطفى
تعاني العديد من الفتيات في بعض المجتمعات السورية من حرمانهن من حرية اختيار الزوج، إذ تتولى العائلة مسؤولية القبول أو الرفض نيابة عنهن، وتفرض عليهن الزواج من شخص تعتبره مناسباً من وجهة نظرها، حتى وإن لم تكن الفتاة راضية، مما يعرضها لتداعيات نفسية واجتماعية قاسية.
في بعض الحالات يكون العريس من أفراد العائلة أو ضمن دائرة الأصدقاء والأقارب والمعارف، وأحياناً من خارجها، وتبرر الأسر ذلك بحجّة أنهم الأدرى بمصلحتها، ويزداد الأمر صعوبة على الفتيات، خاصة إذا حُرمن من إكمال تعليمهن أو أُجبرن على الزواج بطريقة قسرية.
تروي علياء عبد الباقي، البالغة من العمر 20 عاماً من ريف حلب، أنها متزوجة منذ أربع سنوات، ورغم سير حياتها الزوجية بشكل طبيعي، إلا أنها لا تزال تشعر بالغصّة عند تذكر اللحظات الأولى لخطوبتها، إذ أجبرها والدها على القبول، ما اضطرها إلى ترك الدراسة في الصف الحادي عشر، لتفقد بذلك حلمها في أن تصبح مهندسة.
وتشير في حديث لصحيفة “الثورة السورية” إلى أنها تنتمي إلى عائلة صارمة في تعاملها مع الفتيات، خصوصاً فيما يتعلق بالخروج، واللباس، والتصرفات اليومية، حيث يميلون إلى تزويج بناتهم قبل بلوغ الثامنة عشرة، ونادراً ما تصل إحداهن إلى سن العشرين دون زواج، موضحة أن هذه التجربة تركت أثراً سلبياً عليها، إذ لم تعش فرحة الخطوبة والزواج كما ينبغي.
“زواج الحيار”
كما ينتشر في بعض البيئات التقليدية والعشائرية في سوريا تقليد اجتماعي يُعرف بـ “زواج الحيار”، حيث تُربط الفتاة بأحد أقاربها منذ طفولتها على أن تتزوّجه بعد أن تكبر، بغضّ النظر عن رغبتها أو خيارها، رغم أن زواج الأقارب في بعض الحالات قد يؤدي إلى ولادة أطفال يعانون من مشكلات صحية.
تروي منى اليوسف، البالغة من العمر 38 عاماً وتقيم في ريف دمشق، أن عائلتها أخبرتها منذ الصغر بأنها ستتزوج ابن عمها عندما تصل إلى سن الزواج، ورغم أنها درست كلية الصيدلة وتخرجت، بينما ابن عمها لم يحصل على الشهادة الثانوية حتى الآن، لم يغيّروا رأيهم، ما جعلها تشعر بنقص واضح نتيجة عدم التكافؤ العلمي بينها وبينه.
وتضيف في حديث لصحيفة “الثورة السورية” أنه بعد الزواج واجهت عدة مشكلات بسبب غياب التفاهم بينهما، كما كان يضربها بشكل متكرر، فاستمر زواجها نحو أربع سنوات فقط، أنجبت خلالها ابنتين، مشيرة إلى أن لفظ الطلاق عنده كان سهلاً، إذ طلقها مرتين، وفي المرة الثالثة عادت إلى منزل أهلها مع بناتها.
يقول الدكتور عماد كنعان، كاتب وباحث، وأستاذ جامعي حاصل على درجة الدكتوراه في التربية من جامعة دمشق، إن ظاهرة تزويج الفتيات قسرياً دون أخذ موافقتهن تعود إلى أن بعض البيئات ما تزال تنظر إلى الفتاة ليس كإنسان كامل الأهلية والكرامة والاختيار، إنما كجزء من “ترتيبات العائلة” أو “سمعة الأسرة” أو “المصلحة الاقتصادية”، ما يحوّلها من شخص له إرادة إلى موضوع يُقرَّر عنه.
ويضيف في تصريح خاص لصحيفة “الثورة السورية” أن الزواج القسري لا ينشأ عادةً من سبب واحد، بل من منظومة ضاغطة تشمل الخوف المفرط من كلام الناس، وانتشار مفاهيم مشوّهة عن الطاعة، وضعف الوعي بحقوق الفتاة، بالإضافة إلى سيطرة العرف على الشرع، وتوهّم بعض الأسر أن القريب أو صديق العائلة هو “الأضمن”، حتى لو كانت الفتاة رافضة.
ويتابع أن في بعض الحالات يُستعمل زواج الأقارب كوسيلة للحفاظ على المال داخل العائلة، أو لضبط العلاقات الاجتماعية، أو لحل النزاعات، أو لضمان الولاء بين العائلات، مشيراً إلى أن المشكلة تكمن في أن هذا المنطق يتعامل مع الزواج كصفقة أسرية، بينما هو في حقيقته ميثاق إنساني ونفسي وأخلاقي لا يمكن أن ينجح بالإكراه.
ويردف أن الأسباب الاجتماعية التي تدفع بعض الأسر لإجبار الفتاة على الزواج تتعلق بالخوف من العنوسة، والضغط المجتمعي، وربط “شرف الأسرة” بسرعة تزويج الفتاة، والاعتقاد بأن تزويجها من قريب أو شخص مألوف للعائلة أكثر أماناً.
ويؤكد أن الأزمات الاقتصادية الحادة، والنزوح، والفقر، وضعف فرص التعليم والعمل، تدفع بعض الأسر إلى اعتبار تزويج الفتاة وسيلة “لتخفيف العبء”، إلى جانب وجود موروثات ثقافية ترى أن الأب أو الأخ “أعرف بمصلحة البنت”، أو أن زواج الأقارب واجب اجتماعي، وأن رفض الفتاة لابن العم، مثلاً، قد يُعدّ إهانة للعائلة.
وينوّه إلى أنه عندما تغيب الاستشارات الأسرية، والدعم النفسي، والحماية القانونية، ووسائل التبليغ الآمن، تجد الفتاة نفسها وحدها أمام ضغط عاطفي وأسري هائل، ما قد يدفعها إلى الاستسلام، ليس اقتناعاً بل عجزاً.
تداعيات “الزواج الإجباري” على الفتيات
ويؤكد كنعان أن الزواج القسري يؤثر سلباً على الفتيات من الناحية النفسية، إذ قد يؤدي إلى قلق مزمن وفقدان الثقة بالنفس، ويشير إلى أن منظمة الصحة العالمية ذكرت أن العنف ضد النساء يرتبط بمعدلات أعلى من الاكتئاب والقلق واضطرابات الصحة الإنجابية وسوء الصحة العامة.
ويتابع أن مراجعات بحثية حديثة أظهرت أن الزواج المبكر أو المفروض يرتبط بالعزلة والضيق النفسي وارتفاع احتمال التعرض للعنف داخل العلاقة، بل وزيادة أعراض الاكتئاب لدى الفتيات المتزوجات تحت الضغط.
أما من الناحية الاجتماعية، فينوّه كنعان إلى أن الفتاة تُعزل عن تعليمها وعن فرص نضجها الطبيعي، وقد تُنتزع من شبكتها الاجتماعية الداعمة، منوهاً إلى أن كثيراً من الزيجات القسرية تنتج امرأة صامتة من الخارج لكنها منكسرة من الداخل، إذ لا تدخل الحياة الزوجية كشريكة، بل كمن تم نقلها من وصاية إلى أخرى.
وفيما يتعلق بالناحية الزوجية، فإن الزواج الذي يبدأ بالإكراه غالباً ما يفتقد إلى الثقة والانسجام والتواصل الصحي والرضا العاطفي، فالعلاقة الزوجية لا تُبنى على التهديد أو الابتزاز الأسري، وإذا غاب الرضا من البداية زادت احتمالات النفور والنزاع والعنف، وربما الطلاق أو الانفصال النفسي الطويل.
ويؤكد الدكتور عماد أنه فيما يخص زواج الأقارب، ينبغي التفريق بين أمرين؛ فليس كل زواج أقارب زواجاً فاشلاً، لكنه يصبح خطراً حين يُفرض، أو حين يتم من دون فحص واستشارة ووعي، طبياً، تفيد منظمة الصحة العالمية بأن زواج الأقارب يزيد من احتمال بعض الاضطرابات الوراثية النادرة، ويكاد يضاعف مخاطر بعض المضاعفات المرتبطة بوفيات المواليد والإعاقات والاختلالات الخَلقية، لذلك فالمسألة تحتاج إلى فحص قبل الزواج، وإرشاد وراثي، وقرار حرّ واعٍ، لا إلى ضغط اجتماعي أعمى.
وتقول دانية معتصم حمدوش، أخصائية في طب النساء والتوليد، في تصريح خاص لصحيفة “الثورة السورية”، إن زواج الأقارب قد يؤثر سلباً على صحة الأجنة، إذ يزيد من خطر الإصابة بالأمراض الوراثية المتنحية والعيوب الخَلقية، ويرجع ذلك إلى ارتفاع احتمالية التقاء الجينات المعيبة المشتركة بين الزوجين، ما قد يؤدي إلى ظهور أمراض نادرة أو حدوث حالات إجهاض أو وفيات.
وتضيف أن نسبة خطر إصابة المواليد بهذه الأمراض ترتفع إلى نحو 6 بالمئة مقارنةً بـ 3 بالمئة في حالات الزواج من غير الأقارب، مشيرة إلى أن المشكلات الناتجة عن زواج الأقارب تشمل أمراض الدم الوراثية مثل الثلاسيميا والأنيميا المنجلية، إلى جانب التشوهات الخَلقية، واضطرابات طيف التوحد، والإعاقات الذهنية، بالإضافة إلى ضعف السمع والبصر، وعيوب القلب الخَلقية، والتشوهات الهيكلية، والصمم والعمى الوراثي.
وتردف أنها سبق أن صادفت الكثير من حالات زواج الأقارب التي أدت إلى مشكلات صحية مثل الإجهاضات المتكررة، ووفيات الأجنة، وتشوهات خَلقية، وفقر الدم لدى الجنين، فمثلاً، زارتها في العيادة مريضة تبلغ من العمر 29 عاماً، لديها ولدان أحياء، وتعاني من إجهاضات متكررة بلغت نحو سبع مرات، وبعد إجراء التحاليل اللازمة لها ولزوجها، تبيّن في النهاية أن السبب هو زواجها من ابن عمها.
وتنوّه حمدوش إلى أن ليس كل زواج أقارب يمكن أن يؤدي إلى مشكلات، لكنه يزيد من نسبة المشكلات لدى الأجنة والمولودين حديثاً، وتلفت إلى أنه من باب الاحتياط يجب إجراء تحاليل وفحوصات قبل زواج الأقارب، مثل فحص الدم الشامل للكشف عن فقر الدم وأي مشكلات أخرى في الدم، وفحص الأمراض المعدية مثل التهاب الكبد الوبائي، وفيروس نقص المناعة البشرية (HIV)، إلى جانب فحص الأمراض الوراثية مثل الثلاسيميا وفقر الدم المنجلي، خاصة إذا كان هناك تاريخ عائلي للإصابة بهذه الأمراض.
ويشير كنعان إلى أن مواجهة ظاهرة الزواج القسري في المجتمع السوري تتطلب نهجاً متعدد المستويات، يبدأ بنشر الوعي بأن رضا الفتاة شرط أساسي لأي زواج، والتأكيد على أن الزواج بالإكراه لا يملك أساساً أخلاقياً أو تربوياً أو شرعياً، مع التأكيد على ضرورة إيصال هذه الرسالة بوضوح من خلال الإعلام والمدرسة والجامعة والمسجد ومجالس الصلح والدورات الأسرية.
ويضيف أن دعم تعليم الفتيات واستمرارهن في الدراسة يمثل حجر الزاوية في حماية الفتيات، إذ يعزز وعيهن، ويرفع تقدير الذات، ويقلل احتمال دفعهن إلى زواج غير ناضج، منوهاً إلى أن الدراسات الأممية تربط بين تعطل التعليم والهشاشة الاجتماعية وارتفاع مخاطر الزواج المبكر والقسري.
كما يؤكد كنعان في ختام حديثه على أهمية الإرشاد الأسري قبل الزواج، وتمكين الأسر والفتيات اقتصادياً، نظراً لأن الفقر يدفع بعض الأسر إلى اتخاذ قرارات مؤذية تحت شعار “الستر”، مضيفاً أن الدعم الاقتصادي، والمنح التعليمية، وفرص التدريب والعمل، تمثل عناصر أساسية للوقاية من الزواج القسري، إلى جانب إشراك رجال الدين والمربين والإعلاميين في برامج التوعية المستمرة.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
