الرئيسية » مجتمع » الأعياد الشعبية في الساحل السوري.. هوية لا تنطفئ

الأعياد الشعبية في الساحل السوري.. هوية لا تنطفئ

داليا محمد

 

تشكل الأعياد والمناسبات الشعبية في الساحل السوري جزءاً أصيلاً من الذاكرة الاجتماعية والثقافية، إذ ارتبطت عبر عقود طويلة بطقوس جماعية عكست أنماط العيش، والتكافل الاجتماعي، وعلاقة الإنسان بالأرض والفصول.

 

وبين إشعال النيران، وتحضير الأكلات التراثية، وتوارث العادات بين الأجيال، حافظت هذه المناسبات على حضورها بوصفها تعبيراً عن الهوية المحلية، رغم ما طرأ من تغيرات اقتصادية واجتماعية أثرت في بعض مظاهرها.

 

البربارة: طبق تراثي واحتفال شعبي

في تسعينيات القرن الماضي، كانت فلك، 43 عاماً، تجوب البراري القريبة من منزلها في ريف جبلة مع أصدقائها، بحثاً عن الحطب اليابس وبقايا الإطارات القديمة، تمهيداً لإشعالها ليلة عيد البربارة، حيث كانت النيران تشتعل ويستمر الاحتفال طيلة الليل مهما اشتد البرد.

 

تقول فلك لصحيفة “الثورة السورية” إنهم، كأطفال في تلك الفترة، كانوا ينتظرون هذا اليوم بفارغ الصبر، حيث يشعلون نيرانهم، فيما يقوم أطفال القرية المقابلة بالفعل ذاته، وكأنهم في منافسة غير معلنة، يفوز فيها من تبقى نيرانه مشتعلة لأطول وقت ممكن.

 

هذا الطقس اندثر تقريباً اليوم، وفق ما تشير فلك، مضيفة أنها منذ مطلع الألفية لم تعد تسمع عنه، وبات الحطب اليوم يُستخدم للتدفئة فقط، في ظل الظروف المعيشية الراهنة.

 

ورغم غياب طقس إشعال النيران عن المشهد، إلا أن الطبق التراثي المرتبط بعيد البربارة لم يغب، ولا يزال يحمل الاسم نفسه، إلى جانب تسميات أخرى مثل الهريسة أو القمحية.

 

وتشرح ملكة، فلاحة خمسينية من ريف جبلة، كيف يجتمع أبناؤها لديها ليلة 16 كانون الأول من كل عام، ويحضر كل منهم ما يستطيع من الدجاج، لطهو القمحية على نار الحطب.

 

في صبيحة يوم البربارة قبل أسابيع، استيقظت ملكة مع زوجها لتحضير الموقد، حيث توضَع حبات الحنطة المقشورة في الجرن الحجري، ثم تُطهى مع الدجاج والمياه في القدر فوق النيران، إلى جانب البصل وأوراق الغار، وتُترك حتى تنضج، وهي عملية تستغرق عادة ما بين ثلاث إلى أربع ساعات، بحسب الكمية.

 

وتقول ملكة إنها طهت خلال عيد البربارة الفائت خمسة كيلوغرامات من الحنطة البلدية مع أربع دجاجات، تناولت العائلة وجبتها، وجرى توزيع الكمية المتبقية على الجيران، كما أخذ كل واحد من أبنائها حصة صغيرة لجيرانه.

 

وفي تفسير جذور هذا التقليد، يقول الباحث التراثي حيدر نعيسة لصحيفة “الثورة السورية” إن عيد البربارة في الساحل السوري يرتبط بالقديسة بربارة التي اعتاشت على القمح، مضيفاً أن بعض المصادر تشير إلى تسميته بـ«عيد البر»، أي القمح، كما أن موعده يصادف شهر زراعة القمح.

 

ويضيف نعيسة أن الأعياد الاجتماعية تبدأ بعيد البربارة، وتليه أعياد أخرى هي البشارة، المرتبطة بولادة السيد المسيح، ثم عيد الحلوة، وصولاً إلى القوزلة، التي تمثل رأس السنة وفق التقويم الشرقي، وتصادف يوم 14 كانون الثاني من كل عام.

 

ويشير الباحث إلى أنه إذا صادف عيد البربارة يوم الأربعاء، فإن بقية الأعياد اللاحقة ستقع في اليوم نفسه من الأسبوع، وينطبق الأمر ذاته إذا صادف في أي يوم آخر.

 

وفي عيد البشارة، يتناول الناس أكلة «الكبيبات بالسلق»، وهي أكلة تراثية ساحلية تتكون من عجينة أساسها البرغل، شبيهة بعجينة الكبة لكن من دون لحم، فيما يتألف الحشو من السلق والبصل والبهارات، كما توضح سهيلا سليمان، معلمة متقاعدة من ريف جبلة.

 

وتضيف سهيلا أن الجيران يجتمعون ليلة البشارة، وهي الأربعاء الثاني بعد أسبوع من البربارة، لتحضير عجينة الكبيبات وحشوها وسلقها على النار، وتُقدَّم إلى جانب الثوم مع الحامض والزيت ودبس الفليفلة.

 

ومن بين الطقوس المرتبطة بهذا العيد، وضع حبة حمص ترمز إلى السعد، وحبة فاصولياء ترمز إلى النحس، حيث يُعتقد أن من يحصل على حبة الحمص تكون بشارة خير له في سنته الجديدة، فيما يُطلب ممن يحصل على حبة الفاصولياء توخي الحذر، مع التأكيد أن الأمر لا يتعدى كونه لعبة شعبية للتسلية.

 

وبعد أسبوع من البشارة يأتي عيد الحلوة، وهو أيضاً مناسبة اجتماعية قلّما يتذكرها كثيرون اليوم، وكان الناس قديماً يتناولون خلالها حلاوة السمسم.

 

القوزلة: طقوس رأس السنة الشرقية

يرتبط عيد القوزلة بشيّ اللحوم الحمراء، ويُعد هذا الطقس، إلى جانب إشعال النيران، جوهر الاحتفال بيوم 14 كانون الثاني من كل عام، حيث تجتمع العائلات والأسر حول مائدة الطعام، في مناسبة تحمل طابعاً اجتماعياً يعكس روح المشاركة ولمّة العائلة.

 

أبو علاء، موظف سبعيني متقاعد من مصفاة بانياس ويقيم في ريف المدينة، قال لصحيفة “الثورة السورية” إنه اعتاد في السابق جمع أبنائه في هذا اليوم، وكان يذبح خروفاً صغيراً، يتناولون قسماً منه ويوزعون الباقي على الجيران، إلا أن هذا الطقس غاب خلال السنوات الأخيرة نتيجة الظروف المعيشية الصعبة.

 

واليوم يكتفي أبو علاء بشراء كيلوغرامين من اللحم، يدخر ثمنهما من راتبه التقاعدي الذي ارتفع إلى نحو 900 ألف ليرة، بعد أن كان قبل الزيادة الأخيرة لا يتجاوز 290 ألف ليرة.

 

ويقول الباحث نعيسة إن عيد القوزلة ذو طابع اجتماعي وثقافي، ولا يرتبط بأي دلالة دينية، حيث تُشعل النيران خلاله وتُقام طقوس ذبح الأضاحي.

 

وفي سياق الممارسات المرتبطة بهذا العيد، يوضح نعيسة أن سكان القرى في السابق كانوا يحتفظون برماد النيران، لينثروه لاحقاً في الأراضي الزراعية، اعتقاداً منهم بأن ذلك يعزز بركة الأرض ويحسّن مواسمها الزراعية.

وتعود تسمية «القوزلة»، وفق الباحث، إلى جذور لغوية متعددة، إذ تحمل في اللغة الآرامية معنى البداية، بينما تدل في الكنعانية على نهاية مرحلة وبداية أخرى، في حين يُستخدم المصطلح في اللغة الآشورية للدلالة على إشعال النيران.

 

ورغم تراجع حضور كثير من طقوس الأعياد الشعبية في الساحل السوري بفعل التحولات المعيشية وتغير أنماط الحياة، إلا أن جوهرها الاجتماعي لا يزال حاضراً في الذاكرة الجمعية، من خلال الأكلات التراثية، ولمّة العائلة، ومعاني المشاركة.

 

أخبار سوريا الوطن١-الثورة

 

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أردني يطلق رابطة دفاع عن الرجال للحماية من “الاضطهاد النسوي”!

في مبادرة لافتة، أعلن رجل أردني عن إطلاق “رابطة دفاع عن الرجال” في البلاد، مطالبا بإنهاء عمل النساء واستعادة الحقوق الزوجية وحماية الرجال من “الاضطهاد ...