آخر الأخبار
الرئيسية » مجتمع » الأمان بعد الخدمة.. المتقاعدون بين استثناء الزيادة وضغط الواقع

الأمان بعد الخدمة.. المتقاعدون بين استثناء الزيادة وضغط الواقع

ميسون حداد

على إيقاع أخبار زيادة الرواتب، كان محمد عبد الرزاق يترقّب الفرج، قبل أن يُفاجأ باستثناء المتقاعدين منها، وهي لحظة اختزلها عبد الرزاق بـ “الإحباط الثقيل”.

تحوّل راتب عبد الرزاق التقاعدي كما يصفه إلى أزمة يومية مفتوحة تعدت مفهوم “الدخل المحدود”، إذ لم يعد يكفي لتغطية تكلفة الأدوية، في ظل وضع صحي يتراجع مع تقدّم العمر وارتفاع مستمر في الأسعار، فيما تتراكم عليه نفقات المعيشة من غذاء وفواتير كهرباء وغيرها من الالتزامات.

ويروي عبد الرزاق الذي أمضى 30 عاماً في وظيفة حكومية، في حديثه لـ “الثورة السورية“، أن المفارقة الأكثر قسوة، أن المتقاعد يواجه الغلاء ذاته وباحتياجات أكبر دون أي زيادة في الدخل، ويختصر حاله بالقول: “ما في أمان”، في تعبير يعكس واقعاً يتجاوز حالته الفردية إلى شريحة أوسع.

ومنذ عقود، لم يشكّل التقاعد في سوريا فعلياً ضماناً للأمان المالي، بل مرحلة يختبر فيها المتقاعد محدودية دخله، وتراجع قوته الشرائية. ومع التحرير، تفاءل كثيرون بتحسن الرواتب التقاعدية، معتقدين أن سنوات خدمتهم الطويلة ستضمن لهم الاستقرار المالي، خصوصاً مع الحديث الدائم عن رفع الرواتب.

وأعاد استثناء المتقاعدين من أحكام المرسومين الى الواجهة التساؤل عما إذا لا يزال التقاعد يمثل أماناً اقتصادياً واجتماعياً، أم أصبح نقطة تحوّل نحو تآكل الشعور بالأمان؟ وهل باتت مرحلة الاستراحة المفترضة تتحول إلى مواجهة متصاعدة اقتصادياً واجتماعياً لتحديات الحياة اليومية؟

منظومة التقاعد والمعاشات

يبلغ عدد المتقاعدين في سوريا نحو 475,994 متقاعداً ضمن نظام التأمينات الاجتماعية حتى عام 2025، وفق تصريح مدير المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية لوكالة “سانا”. ورغم هذا العدد، لا تزال الفجوة واسعة بين الرواتب الجارية والمعاشات التقاعدية، إذ يتأثر الطرفان بذات الضغوط المعيشية.

الزيادة الأخيرة جاءت عبر مرسومين رئاسيين؛ الأول رقم 68 يقضي بزيادات نوعية متفاوتة تهدف إلى تحسين الأجور في بعض الوظائف كأساتذة الجامعات والأطباء والمدرسين والممرضين والمفتشين الماليين والخبراء في المصرف المركزي، والمرسوم الثاني رقم 67 قضى بزيادة نسبة 50 بالمئة إلى رواتب جميع الموظفين في القطاع العام الذين لم تشملهم الزيادة النوعية.

وعلى خلفية جدل الزيادة، نشر وزير المالية يسر برنية، توضيحاً عبر صفحته الشخصية على “فيسبوك” في 20 آذار 2026، تحدث فيه عن أوضاع المتقاعدين، واصفاً إياهم بـ”كبار القدر”، مؤكداً أن العمل جارٍ على إصلاح منظومة التقاعد والمعاشات برمتها، بهدف ضمان الاستدامة المالية للمؤسسات التأمينية من جهة، وتحسين الخدمة للمتقاعدين من جهة أخرى، مضيفاً: “لا يطول الوقت بعون الله”.

وتتولى المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية إدارة وصرف المعاشات التقاعدية للمدنيين، عبر تنظيم تحويل الاستحقاقات المالية من جهات العمل إلى نظام التأمينات وفق القوانين النافذة. فيما تبقى أي زيادات أو تعديلات على قيمة هذه المعاشات مرتبطة بالسياسات المالية العامة والقرارات المركزية.

الاستقرار إلى التحديات

شهد التقاعد الوظيفي في المجتمع السوري تحولاً جذرياً خلال السنوات الأخيرة بحسب الدكتور طلال مصطفى أستاذ علم الاجتماع في جامعة دمشق، ففي السابق كان يُنظر إليه كمرحلة استقرار مالي ونفسي بعد سنوات طويلة من العمل، حيث يكفي الدخل التقاعدي لتغطية الاحتياجات الأساسية، ويُنظر إلى المتقاعد كشخص ذي مكانة محترمة داخل الأسرة والمجتمع.

ويضيف مصطفى خلال حديثه لـ “الثورة السورية” أن هذا التصور تغيّر مع تفاقم الأزمات الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم، إذ لم يعد التقاعد يشكّل ضماناً مالياً حتى بحدوده الدنيا، وبات كثير من المتقاعدين يعتمدون على دعم الأسرة أو أعمال إضافية لتغطية نفقاتهم، ما انعكس على مكانته الاجتماعية التي لم تعد مرتبطة بالاستقرار بقدر ما أصبحت مرتبطة بالتحديات.

وهذا التحول لا يقتصر على البعد الاجتماعي، بل يمتد إلى بنية الاقتصاد نفسه، بحسب المستشار الاقتصادي الدكتور زياد عربش فالمتقاعدون في سوريا لم يعودوا يشكلون شريحة مستقرة تدعم الطلب والتوازن الاجتماعي، بل تحولوا إلى جزء من أزمة هيكلية تمس التماسك الاجتماعي. ويشير خلال حديثه لـ “الثورة السورية” إلى أن إعادة الاعتبار لنظام التقاعد يتطلب سياسات متكاملة، تشمل ربط الرواتب التقاعدية بالتضخم، وتعزيز قدرات المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية استثمارياً وإدارياً، إضافة إلى إعادة النظر في العقد الاجتماعي بين الدولة والمتقاعدين.

ضغوط متزايدة

في هذا السياق، يوضح المصطفى أن استثناء المتقاعدين من زيادات الرواتب الأخيرة يترك أثراً عميقاً على شعورهم بالعدالة والانتماء، ويولّد ذلك إحساساً بالتهميش رغم سنوات العمل، وينعكس على مستوى التقدير المعنوي، ما قد يؤدي إلى تراجع الشعور بالولاء، بل يصل لدى البعض إلى الإحساس بأن الدولة تخلّت عنهم.

ومن زاوية اقتصادية، يلفت عربش إلى أن هذا الواقع يدفع المتقاعد إلى التحول نحو سلوك استهلاكي أكثر حذراً نتيجة تراجع قدرته الشرائية، ما ينعكس على السوق عبر تراجع الطلب، وخاصة على السلع غير الأساسية، واتجاه الأسر إلى تقليص الإنفاق والاعتماد على أشكال دعم غير رسمية، وهو مسار يسهم تدريجياً في تآكل الطبقة الوسطى وتوسيع الفجوات الاجتماعية.

يوضح المصطفى أن تجمّد الدخل التقاعدي في ظل التضخم يخلق ضغطاً نفسياً واجتماعياً متزايداً، يرتبط أساساً بـ “الخوف من عدم القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية”، لافتاً إلى ارتفاع مستويات التوتر، واضطرار المتقاعدين إلى تقليص أنشطتهم الاجتماعية أو نفقاتهم الأساسية، ما ينعكس مباشرة على جودة حياتهم.

وفي توصيف أوسع، يرى عربش أن ما يحدث يتجاوز كونه ضغطاً مؤقتاً، قائلاً: “الأزمة الاقتصادية هي أزمة هيكلية (تراكمية) وليست دورة اقتصادية”، موضحاً أن تآكل قيمة الرواتب التقاعدية بلغ مستوى لم يعد معه الراتب قادراً على تأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة.

الآمان بعد الخدمة

ضمن هذا السياق، يشير المصطفى إلى تآكل تدريجي لفكرة “الأمان بعد الخدمة” في الوعي الاجتماعي، حيث لم يعد التقاعد يمثل رمزاً للاستقرار كما كان سابقاً، بل باتت هذه الصورة تتراجع، مع تزايد شكوك الأجيال الشابة بقدرة الوظيفة العامة على تأمين مستقبل مستقر.

وفي الإطار المؤسسي، يوضح عربش أن المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية تمثل أحد أعمدة التماسك الاجتماعي من خلال ضمان استمرارية الدخل، إلا أن أي خلل في قدرتها على الوفاء بالتزاماتها سينعكس مباشرة على استقرار شريحة واسعة. ويضيف أن سياسات الرواتب، عندما تنفصل عن تكاليف المعيشة، تتحول من أداة لتحقيق العدالة إلى مصدر للإحباط، محذراً من أن أي تراجع في هذا الدور سينقل العبء إلى الأسرة والمجتمع، بما يفاقم الضغوط ويضعف التماسك الاجتماعي.

أين تمضي هذه الشريحة التي يفترض أنها أنهت مسارها المهني على أعتاب الاستقرار لا القلق؟ ومع تآكل الأمان وتزايد الضغوط، هل يجد المتقاعد نفسه تدريجياً في موقع العبء داخل أسرته ومجتمعه، أم إن هناك مساراً فعلياً يعيد إنصافه ويستعيد معنى التقاعد كمرحلة كرامة واستقرار؟

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عندما لا يهدأ الفقد… «اضطراب الحزن المطوّل» تحت المجهر!

    يمرّ معظم الناس بالحزن على شكل موجات من الألم أو الغضب أو الخدر، ثم تبدأ هذه المشاعر بالتغيّر تدريجياً مع مرور الوقت. لكن ...