يشكل العنوان عتبة دالة، للدخول إلى العالم الإبداعي ولمناخه العام. هنا لا يسّلم الروائي خالد إبراهيم. مفاتيح روايته إلى القارئ بسهولة. فالعنوان بالأساس غامض لمن لا يعرف معناه. كلمة (الأوسلاندر) تعني باللغة الألمانية (الأجانب). ” الجميع أوسلاندر، لاجئون، ومشردون” ص 166. العنوان الفرعي للرواية: تشريع الغربة، اختبار الفقد.
تتحدث رواية الأوسلاندر عن الثورة في سورية، “في صباح 15/3/2011 أعلن ثوّار سورية ثورتهم في وجه الاستبداد والحكم الديكتاتوري”. ص 15.
وتتحدث عن الحب والخيانة، والتشرد على أرصفة العالم، كذلك تتصدى الرواية لمسألة الهوية، التي عانت من التصدع من داخل وخارج الوطن. البحث عن الذات والهوية كذلك تتحدث عن المهجرين من بلادهم وعن لقاءاتهم في أروقة (الكمبات) ودهاليز أرصفة المدن والعواصم. وأغلب تلك الشخصيات هي من سورية، هم فارون من الحرب وويلاتها. “كنا في بلدنا مهجرين، مبعدين، ومنفيين، وها نحن في أوروبا مطرودون، مكلومون، مشردون” ص 52
يستخدم الروائي خالد إبراهيم في سرديته هذه ضمير المخاطب المتكلم وهو من أمتع وأجمل الضمائر في السرد الروائي، ضمير المتكلم في الرواية هو الأداة السردية التي تعتمد على ضميري “أنا” و”نحن” لتقديم الأحداث من وجهة نظر شخصية داخل النص الروائي. يساعد هذا الضمير في بناء علاقة قوية بين القارئ والشخصية، ويعمّق التجربة الشعورية، ويتيح الكشف عن أعماق النفس البشرية بما يحمله من صدق وعمق عاطفي.
فشخصية (شفان) هي الشخصية المحورية في الرواية، وهي التي تخاطب المتلقي وتسرد له الأحداث ومتوالياتها بلغة سردية شاعرية عذبة وجزلة: ” اسمي شفان.. أنا اللا أحد بعد أن انتهكت كرامته وسكت، بعد أن دمر بيته وهاجر. تطاردني الذكريات المريرة مذ كنت طفلاً” ص 9
فالروائي خالد إبراهيم هو شاعر، وهو في هذا المسرود الروائي ينجو من كمين الشعر الذي كثيراً ما كان البعض أسير اللغة الشعرية، على حساب الأحداث الروائية: “تذكَّرتُ كيف نمت هنا ذات يوم وقد أنهكني برد شتاء الغربة، بل نمت في هذه المحطة أكثر من مرة، جائعاً، خائر القوى، بلا ماء، بلا سجائر، بلا نقود، بلا شرف، بلا كرامة، وبلا وجه أمسح به نظرات العابرين بين قطار وآخر” الروائي هو يوظف اللغة كأداة طيعة وشيقة تخدم الحدث الروائي، ولا تتكئ عليه بقدر ما تحقق متعة مزدوجة للقارئ وللسارد، فهي تقرب الحدث عبر تلك اللغة الجزلة، عبر انزياحات متقنة معتمدة على قوة الحدث، منبثقة من مخيال روائي فيه من القدرة على القاء القبض على القارئ، دون الإفراج عنه حتى الصفحة256.
تجمع هذه الرواية بين الرواية الواقعية والحداثوية وبين السيرة الذاتية، التي ليست مجرد سرد لأحداث حياة الكاتب، بل هي مرآة عاكسة للذات الإنسانية في تفاعلها مع محيطها الاجتماعي والسياسي والثقافي والذات الجريحة. وهي تتلاعب بالحدود بين الحقيقة والخيال لخدمة أهداف فنية.
تعدد الأصوات: لا تكتفي برواية صوت البطل، بل تدمج أصوات أخرى (العائلة الأم، الإخوة- الأصدقاء) لتقديم رؤية متعددة الأبعاد للحقيقة، ورواية متعددة الأصوات.
سنجد إلى جانب شفان ( تيسير وخورشيد وبهزاد وجومرد من سورية وياسر من مصر ودانييل من رومانيا، و يوسف ورأفت، والسيدة شهناز وهيفاء وعبير وأم مروان. الخ)، ولكل منهن ومنهم قصته التي شكلت الملمح الأساسي لخيوط حاكها لنا خالد إبراهيم بعناية فائقة، بنت عوالم روايته التي لن ننساها، وسنكون طرفاً فيها أو ظلاً أساسياً فيها. استخدم الروائي تقنيات روائية حديثة لا تلتزم بالسرد الخطي التقليدي. بل تستخدم تيار الوعي واللاوعي بعض الأحايين.
التقطيع الزمني، في الرواية أحد عشر فصلاً بما فيها الفصل الأخير. هي مكثفة استخدم فيها خالد إبراهيم، التكثيف المتقن لتجنب روايته من السرد الممل والساذج، ولمنعها من الترهل. مستخدماً تقنيات السرد الروائي المنتمي لما بعد الحداثة.
برزت في الرواية أصوات مثل صوت الظل، وصوت الأم اللذين شكلا بعداً جمالياً يضاف لجماليات هذه الرواية، وبعداً استراتيجياً جعل للرواية تفردها وتميزها. فقد شكلت الأم رمزاً إنسانياً، ومعادلاً روائياً لهذا النص الروائي المدهش. “كل هذا الحريق، الحزن، الألم والفرح أمّي. المطر، الثلج، حريق الصيف، الغبار، الحنين، الأنين، والذكريات أمّي. أمي رائحة البرية المقدسة. أمّي هذا العالم المزدحم بالأمهات” ص119
وإذا انتقلنا إلى الظل سنجد ذاك المونولوج والديالوج بينه وبين شفان. “ما هو أجمل شعور يا شفان؟ يسألني الظلّ.
أنك تكون بمأمن ولو أخطأت” ص218
“ماتت أمّي دون أن أودعها، ودون أن أهنأ برؤيتها.
الظل: نحن ياشفان نعذّب موتانا بالحزن، أزرع شتلة فرح حول قبرها” ص 239
(الأوسلاندر) صادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بيروت 2024/ 256 صفحة.

الأوسلاندر رواية لـ”خالد إبراهيم” عن الحروب والفقد والحنين
اخبار سورية الوطن 2_وكالات _الحرية