نزار نمر
يتزايد التململ ممّا يُسمّى «العهد»، وهو تعبير أدرجه الإعلام اللبناني للإشارة إلى ساكن القصر الجمهوري مهما كان اسمه، بسبب تزايد وتيرة ملاحقة صحافيّين وناشطين على خلفية انتقادهم رأس الجمهورية، منذ بداية العهد. الأمر ليس بجديد، فالدستور اللبناني الذي أصبح معرض «أنتيكا» القوانين الفرنسية البائدة، يجرّم «التطاول» على رئيس الجمهورية في بلد «حرّية التعبير».
إعلام «الكلّ يعرف»
الجديد هو نفاق الإعلام اللبناني، الذي لا يمكن حصره بالمهيمن فقط، رغم وجود استثناءات. فسردية الإعلام المهيمن هي التي تعتمدها غالبية وسائل الإعلام، فيغدو أيّ تغريد خارج هذا السرب بمثابة فرخ البطّ القبيح، ويُنظر إليه بعين الغرابة. هذه السردية يتّفق عليها اليمين والليبراليّون، وهي تلك التي تسبقها عبارة «الكلّ يعرف»، وتُستخدم في الحديث عن تحرّكات تشرين 2019، وانفجار مرفأ بيروت، وحرب الإسناد، وغيرها الكثير من قضايا شغلت بال اللبنانيّين. والحديث يكون بطريقة تبسيطية تفتقد إلى أيّ تحليل أو تمحيص، على طريقة «نصل أوكام» الذي يبشّر بأنّ أبسط تفسير هو الأكثر ترجيحاً.
النقد مباح بحقّ رئيس وممنوع بحقّ آخر
هكذا، وبين ليلة فراغ رئاسي وضحى كرسي محجوز، كشّر الإعلام الذي يشكّل الغالبية عن أنيابه، فبات هو نفسه الذي كان يشتُم رئيس الجمهورية السابق علناً يحاضر بالعفّة بعد مجرّد انتقاد الرئيس الحالي حتّى من دون شتيمة! ونقل هذا الإعلام أنّ هناك «اتّجاهاً إلى مقاضاة الشتّامين إثر حملة ضدّ رئيسَي الجمهورية والحكومة»، رغم ألّا تسويغاً قانونياً يمنح حصانة لرئيس الحكومة من النقد، ورغم أنّ الشتائم أتت من أشخاص عاديّين فيما يُلاحق صحافيّون التزموا بأصول النقد!
ضربني وبكى سبقني واشتكى
والأنكى من ذلك وجود وشاة من الصحافيّين بحقّ زملائهم، فيما هؤلاء الوشاة كانوا من أشدّ الشتّامين في العهد السابق. لغتهم كانت مهينة وأساليبهم كانت وسخة إلى درجة البذاءة والذكورية والتطاول الشخصي حتّى على الأولاد إذا كانوا يمتّون بصِلة إلى رئيس الجمهورية أو أيّ شخص آخر لا يستسيغونه. ينطبق على هؤلاء مثال «ضربني وبكى سبقني واشتكى» الذي يعني أساسًا «الولدنة».
القضاء التمييزي مكان محكمة المطبوعات
هؤلاء كانوا إذا أدلى الرئيس السابق بمجرّد تصريح عن حملاتهم وشتائمهم، كانوا يقيمون الدنيا ويطلقون المواعظ حول «حرّية التعبير». أمّا اليوم، فيحرّضون الادّعاء العام التمييزي الذي تجاوب بالفعل باستدعائه صحافيّين لاستجوابهم حول موادّهم، رغم أنّ ذلك ليس من صلاحيّته بما أنّ الصحافيّين من المفترض أن يمثلوا أمام محكمة المطبوعات فقط، وهنا مخالفة قانونية أخرى.
«بروفة» لسلطة «رام الله 2»
الأمر لا يتعلّق بالاصطفاف مع رئيس مقابل آخر أو معارضة أحدهما دون الآخر. بتشريح الواقع المجرّد، هناك نفاق واضح لدى النسبة الأكبر من الإعلام والصحافيّين في لبنان. أوّلاً، يوشي هؤلاء على زملائهم. ثانيًا، يتّهمونهم زورًا بما لم يقوموا به. ثالثًا، يتّهمونهم بما كانوا يقومون به بأنفسهم وكانوا يتباهون بذلك. رابعًا، يخالفون القوانين أكان بالشكل أو بالمضمون، فيما يرتدون قناع المدافع عن القوانين إيّاها. خامسًا، يعرّضون حرّية التعبير التي يدّعون خوفهم عليها للخطر، فيما لا يشغّلون هذه الأسطوانة إلّا عندما يكون الأمر يمسّهم.
الهدف واضح، وما هذه إلّا «بروفة» لسلطة «رام الله 2» التي تُراد في بيروت. من هنا، يُفهم سبب ملاحقة الصحافيّين البضعة الذين لا يزالون يمثّلون الضمير الحيّ لشعب لم يرتضِ تيك السلطة في السابق، ويتمسّك برفضها اليوم، وسيبقى وجوده حائط سدّ بوجهها إلى أبد الآبدين.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
