غالباً ما يُنظر إلى الإفراط في التفكير باعتباره عائقاً نفسياً يستهلك الطاقة الذهنية ويزيد القلق. لكن أبحاثاً نفسية حديثة تشير إلى أن هذا النمط الذهني قد يؤدي وظيفة مهمة إذا تم توجيهه بطريقة صحيحة، بدلاً من محاولة إيقافه تماماً.
وبحسب تحليل نشرته «فوربس»، فإن الإفراط في التفكير يرتبط بغريزة البقاء لدى الإنسان، إذ يحاول الدماغ من خلاله تقليل المخاطر والاستعداد لعدم اليقين. إلا أن المشكلة تظهر عندما يتحول هذا النمط إلى دائرة مستمرة من الاجترار الذهني تستنزف الطاقة النفسية.
لماذا يميل الدماغ إلى الإفراط في التفكير؟
يرتبط الإفراط في التفكير غالباً بمحاولتين ذهنيتين متكررتين: إعادة تحليل الماضي والتخطيط المفرط للمستقبل. وينتج هذا النمط من جهاز عصبي لا يستطيع الاسترخاء إلا عند الشعور باليقين، ما يدفع العقل إلى الاستمرار في التحليل حتى بعد انتهاء الحدث.
وغالباً ما يرتبط هذا النمط بشعور داخلي بوجود أمر غير مكتمل أو غير محسوم. وعندما يكون الشعور غير واضح أو مزعجاً، يبدو التفكير أكثر أماناً من مواجهة المشاعر مباشرة. ومع الوقت، قد يتحول هذا السلوك من آلية حماية إلى أسلوب تكيّف غير صحي.
كما تشير التحليلات النفسية إلى أن الأشخاص الذين نشأوا في بيئات كان فيها الخطأ مكلفاً أو كان عدم اليقين فيها مخيفاً، قد يطوّرون ميلاً إلى الاستعداد الذهني لكل السيناريوهات الممكنة، ما قد يتحول لاحقاً إلى عادة «اجترار ذهني» مستمرة.
أنماط شائعة للإفراط في التفكير
يظهر الإفراط في التفكير بأشكال مختلفة، لكن هناك ثلاثة أنماط شائعة:
* المُصلِح: يعيد تحليل الأحداث لتجنب تكرار الأخطاء.
* القلِق: يتخيل أسوأ السيناريوهات للاستعداد لها.
* المُحلِّل المفرط: يراجع كل الخيارات قبل اتخاذ القرار.
ويمتلك كل نمط نقاط قوة وضعفاً. فالمُصلِح استباقي، والقلق دقيق التفاصيل، والمحلل عميق التفكير. والهدف ليس التخلص من هذه الأنماط، بل توجيهها نحو الوضوح والعمل.
ثلاث طرق علمية لتحويل الإفراط في التفكير إلى أداة مفيدة
1. تحويل التفكير إلى تنظيم عملي للأفكار
عندما تدخل الأفكار في حلقة متكررة، فإن إخراجها إلى الخارج يساعد على تقليل شدتها. ويمكن تحقيق ذلك عبر كتابتها أو تحويلها إلى أسئلة بسيطة مثل:
* ما الذي أحاول فهمه الآن؟
* ما الخطوة الصغيرة التي يمكنني اتخاذها؟
تُعرف هذه الطريقة باسم «فصل الأفكار معرفياً»، حيث يخلق الشخص مسافة بينه وبين أفكاره، ما يساعده على رؤيتها كمعلومات وليس كأوامر.
وأظهرت دراسات أن الأشخاص الذين يستطيعون الابتعاد ذهنياً عن أفكارهم يكونون أفضل في استخدام الذاكرة والوعي الذاتي لحل المشكلات.
2. استبدال سؤال «ماذا لو» بسؤال «وماذا بعد؟»
الأسئلة الافتراضية المستمرة تغذي القلق والشك الذاتي. لكن استكمال السيناريو حتى نهايته قد يساعد في كسر هذه الدائرة.
فبدلاً من التفكير في «ماذا لو فشلت؟»، يمكن طرح سؤال «وماذا سأفعل بعد ذلك؟».
هذا التحول يساعد الدماغ على الانتقال من التركيز على الخوف إلى البحث عن حلول عملية.
وأظهرت دراسة حديثة أن لحظة اتخاذ القرار لا ترتبط دائماً بالوصول إلى يقين كامل، بل بقرار واعٍ بالتوقف عن التفكير المفرط والمضي قدماً رغم عدم اليقين.
3. استخدام الإفراط في التفكير كأداة للتخطيط المستقبلي
يصبح الإفراط في التفكير مفيداً عندما يتحول من إعادة تدوير الخوف إلى التخطيط للمستقبل.
ويُعرف هذا في علم النفس باسم «التفكير الاستباقي»، حيث يحاكي الدماغ سيناريوهات مستقبلية للاستعداد لها، مثل رؤية غيوم المطر والاستعداد له مسبقاً.
السؤال الأساسي هنا هو:
هل يساعدني هذا التفكير على الاستعداد، أم يزيد خوفي فقط؟
الفرق بين الإفراط الضار والمفيد في التفكير
يكمن الفرق الأساسي في الهدف. فإذا كان الهدف السيطرة على كل الاحتمالات، فقد يتحول التفكير إلى مصدر فوضى ذهنية.
أما إذا كان الهدف الفهم والاستعداد، فقد يصبح أداة للوضوح واتخاذ القرار.
وغالباً ما يستطيع الأشخاص الذين يوظفون الإفراط في التفكير بشكل إيجابي التمييز بين الإشارات المهمة والضجيج الذهني، والتعامل مع أفكارهم بتعاطف بدلاً من مقاومتها.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
