هلال عون
في ظلّ مؤشّرات نقدية متذبذبة وضغوط معيشية متصاعدة، يعود الجدل حول أولويات المرحلة الاقتصادية: هل يكفي ضبط سعر الصرف وكبح التضخّم لتحقيق الاستقرار؟ أم أنّ التعافي الحقيقي يبدأ من إعادة بناء قاعدة إنتاجية صلبة؟
خبراء اقتصاديون يرون أنّ أيّ تحسّن نقدي يبقى هشّاً ما لم يستند إلى دعم فعلي للقطّاعات الإنتاجية، معتبرين أنّ الصناعة والزراعة والطاقة تمثّل المفاتيح الأساسية للانتقال من إدارة الأزمة إلى مسار تنموي مستدام.
ترتيب الأولويات
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور حسام عايش، أنّ الاقتصاد السوري بحاجة ملحّة إلى إعادة ترتيب أولوياته، وأن يكون دعم الإنتاج المحليّ في مقدّمة السياسات الاقتصادية، مؤكّداً أنّ أيّ تحسّن في سعر الصرف أو تراجع التضخّم لا يمكن أن يكون مستداماً دون قاعدة إنتاجية حقيقية.
ويقول عايش لصحيفة “الثورة السورية” إنّ التحسّن النقدي بمعزل عن الإنتاج يبقى شكلياً وقابلاً للاهتزاز أمام الصدمات الداخلية أو الخارجية.
ويضيف أنّ مرحلة التعافي، لا سيّما في بلد يخرج من حرب طويلة ويدخل مرحلة إعادة الإعمار، تتطلّب إعطاء الأولوية لإعادة تشغيل عجلة الإنتاج في القطّاعات الأساسية، مثل الزراعة والصناعة والأمن الغذائي والدواء ومواد البناء والخدمات الإنتاجية، بما يسهم في إعادة توطين السكان وتحسين ظروف العيش.
التعافي الصناعي
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور جمعة حجازي، أنّ التعافي الصناعي لا يزال ممكناً نظرياً، إلا أنّ المؤشّرات الرقمية الحالية – لا سيما تنفيذ نحو 16.7 بالمئة فقط من المشاريع المرخّصة، وهيمنة المشاريع الصغيرة بنسبة تقارب 72.8 بالمئة – تُظهر بوضوح أنّ القطّاع يعمل اليوم في نمط “البقاء” أكثر من “التنمية”، في ظلّ فجوة واسعة بين الطموحات المعلنة والواقع التنفيذي.
ويؤكّد حجازي أنّ أيّ تعافٍ صناعي حقيقي يبدأ من خارج القطّاع نفسه، موضّحاً أنّ الصناعة لا يمكن أن تنهض في بيئة اقتصادية كليّة مختلّة، وأنّ الشرط الأول يتمثّل في كبح التضخّم ووقف تدهور سعر الصرف، وتوفير سيولة حقيقية موجّهة للاستثمار الإنتاجي طويل الأجل، بعيداً عن اقتصاد المضاربة والأنشطة الريعية.
ويرى أنّ إعادة إعمار البنى التحتية، لا سيّما قطّاع الطاقة، بشكل منتظم وكافٍ وبأسعار مدروسة، تمثّل أحد الشروط الحاسمة لانتقال الصناعة من حالة “البقاء” إلى مسار التنمية.
السياسة النقدية
يُعدّ استقرار سعر الصرف من أبرز التحدّيات الاقتصادية، نظراً لتأثيره المباشر على مستويات التضخّم والأسعار. فقد أدى تذبذب قيمة العملة الوطنية إلى حالة من عدم اليقين في الأسواق، انعكست ارتفاعاً مستمراً في أسعار السلع الأساسية والخدمات.
وقد يسهم الاعتماد المفرط على الأدوات النقدية دون دعم حقيقي للإنتاج في تعميق الفجوة بين العرض والطلب، كما أنّ تعدّد أسعار الصرف يشكّل عبئاً إضافياً على النشاط الاقتصادي ويحدّ من فعالية السياسات النقدية.
ويشدّد عايش على أنّ السياسات النقدية وسعر الصرف يجب أن تكون أدوات تخدم هدف إعادة تنشيط الإنتاج، لا غايات بحدّ ذاتها. ويعتبر أنّ استقرار سعر صرف الليرة مهمّ لتأمين بيئة نقدية أكثر استقراراً تسمح بالتخطيط، إلا أنّ الإنتاج والعمل يجب أن يكونا في الصدارة، لأنّ استقرار سعر الصرف والتضخّم يأتيان كنتيجة لاحقة للنشاط الإنتاجي، لا العكس.
ويتقاطع هذا الطرح مع رؤية حجازي، الذي يشدّد على أنّ كبح التضخّم ووقف تدهور سعر الصرف شرطان يمهدان لأيّ مسار تعافٍ، على أن يقترنا بسياسات نقدية ومالية تؤمّن سيولة حقيقية موجّهة للإنتاج، لا أن تُستنزف في أنشطة ريعية أو مضاربات قصيرة الأجل.
كما يؤكّد عايش أنّ دعم الإنتاج لا يعني الاكتفاء الذاتي فقط، بل يتطلّب سياسات عملية، أبرزها توفير الكهرباء والمياه والاتصالات بأسعار وجودة مناسبة، وتسهيل استيراد المواد الأولية عبر سياسات جمركية مرنة، إضافة إلى التركيز على التمويل الصغير والمتوسّط لدعم المزارعين وأصحاب الورش والمشاريع الصغيرة، لا الاكتفاء بتمويل كبار المستثمرين.
التضخّم ومستوى المعيشة
أسهم ارتفاع معدلات التضخّم في تآكل الدخل الحقيقي للأسر السورية، لا سيّما أصحاب الدخل المحدود، ما أدّى إلى تراجع القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية.
ورغم رفع الرواتب بنسبة 200 بالمئة، إلا أنّ هذه الإجراءات غالباً ما تفقد فعاليتها سريعاً أمام موجات الغلاء المتلاحقة.
وفي هذا السياق، يؤكّد عايش أنّ تحسين مستوى معيشة المواطنين يجب أن يكون الهدف المركزي للسياسات الاقتصادية، لأنّ الاقتصاد وُجد لخدمة الناس، محذّراً من أنّ غياب العدالة والحماية الاجتماعية قد يقوّض أيّ إنجاز اقتصادي محقّق، مهما كانت مؤشّرات النمو إيجابية.
ويرى حجازي أنّ استمرار ضعف الإنتاج، وبقاءه محصوراً في مشاريع صغيرة ذات طابع معيشي أو دفاعي، يحدّ من قدرته على خلق فرص عمل كافية ومستقرة، ويُبقي أثر أيّ نمو محتمل محدوداً على مستوى المعيشة، مؤكّداً أنّ تحسين الدخل لا يمكن فصله عن إعادة إحياء الصناعات المتوسطة والكبيرة القادرة على توليد قيمة مضافة مرتفعة.
ويحدّد الخبيران ثلاثة محاور أساسية يجب أن ينعكس عليها تحسين المعيشة:
الدخل والعمل عبر توفير فرص عمل حقيقية ودخل مستقر.
الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والصحة والتعليم والنقل.
الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر هشاشة.
الاستثمار والبيئة التشريعية
يُنظر إلى الاستثمار بوصفه أحد المفاتيح الأساسية لإعادة تحريك الاقتصاد السوري، غير أنّ البيئة الاستثمارية لا تزال تواجه تحدّيات، أبرزها ضعف البنية التحتية، وتعقيد الإجراءات الإدارية، وعدم الاستقرار التشريعي.
ويرى عايش أنّ مرحلة التعافي تتطلّب شراكة حقيقية لا شكلية بين القطّاعين العام والخاص، تقوم على دور الدولة كمنظّم ومراقب وحامٍ للمنافسة ومانع للاحتكار، لا كشريك خفي مع مجموعات محدّدة.
كما يؤكّد ضرورة إتاحة الفرص الاستثمارية بشكل عادل وشفّاف لجميع المستثمرين، مع عقود واضحة وبيئة قانونية مستقرة، وقضاء مستقل يحمي الملكية والعقود، بما يشجّع عودة رأس المال السوري من الداخل والخارج.
وفي السياق نفسه، يشدّد حجازي على أنّ توفير بيئة قانونية وتنظيمية جاذبة يتطلّب إصلاحاً جذرياً للإجراءات البيروقراطية، واستقراراً تشريعياً واضحاً، ووضع قوانين تحمي الاستثمارات الوطنية وتشجّع الاستثمار طويل الأمد.
ويعتبر عايش أنّ نجاح إعادة الإعمار مرهون بثلاثة شروط أساسية: الشفافية، وسيادة القانون، وبناء الثقة، مشيراً إلى أهمية ربط الاقتصاد السوري بسلاسل قيمة إقليمية مع دول الجوار لتعزيز فرص التعافي الاقتصادي.
بينما يرى حجازي أنّ إعادة الاندماج مع الاقتصادين الإقليمي والدولي تبقى شرطاً مكمّلاً للتعافي.
آفاق المرحلة المقبلة
ترتبط آفاق الاقتصاد السوري بعوامل متداخلة، من بينها تطوّرات المشهد السياسي، ومستوى الانفتاح الاقتصادي الإقليمي، وقدرة الدولة على تنفيذ إصلاحات إدارية واقتصادية حقيقية.
وفي حال التركيز على دعم القطّاعات الإنتاجية، وتحسين إدارة الموارد، وتعزيز الثقة بالبيئة الاقتصادية، يمكن تحقيق تعافٍ تدريجي، وإن كان بطيئاً.
غير أنّ عايش وحجازي يحذّران من أنّ غياب الشروط البنيوية للتعافي – لا سيّما الاستقرار الاقتصادي الكليّ، والطاقة، والبيئة القانونية، والانفتاح الإقليمي – سيُبقي الاقتصاد في دائرة إدارة الأزمة، مع تحسّنات جزئية وهشّة سرعان ما تتبدّد أمام أيّ صدمة داخلية أو خارجية.
أخبار سوريا الوطن-الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
