آخر الأخبار
الرئيسية » من المحافظات » الاستنزاف خارج الإطار الوطني.. لماذا تبقى الدولة ضرورة للسويداء؟

الاستنزاف خارج الإطار الوطني.. لماذا تبقى الدولة ضرورة للسويداء؟

مها سلطان

وضعية الاستنفار الدائم التي تعيشها محافظة السويداء لا تترك مفرا من طرح سؤال مركزي يتجدد مع كل تصعيد داخلي تشهده المحافظة: ماذا بعد؟

السؤال يتعلق بأهل السويداء أكثر من غيرهم، لناحية الاستمرار في ظل أوضاع أمنية واجتماعية منفلتة ومتفلتة من أي معايير أو قواعد للانتظام والانضباط.

بعد اقتحام مديرية التربية في السويداء، الاثنين الماضي، من قبل مجموعات مسلحة خارجة عن القانون تتبع لـ حكمت الهجري، والاعتداء على موظفيها بالضرب والإهانة وإطلاق الرصاص، بدا المشهد الداخلي في حالة تخبط أشد وأعمق، خصوصا أن هذا الاقتحام تلاه قرار من الهجري بحل ما يسمى “اللجنة القانونية”، وتأسيس “مجلس إدارة” تحت مسمى “إدارة أزمة”، وتكليف القاضي المحال للتحقيق، شادي مرشد بتشكيله.

هذا المجلس، كما هو حال “اللجنة القانونية”، طرح الكثير من التساؤلات حول قانونيته ودوره ومهامه، والأهم هو قدرته على ضبط الانفلات الذي يتعمق بصورة متسارعة، بالتوازي مع الجدل القائم حول الشخصيات التي يتم اختيارها، وآخرها شادي مرشد. وهو، للتوضيح، جدل داخلي يتوسع باتجاه تكريس حالة الانقسام والانفلات والفوضى التي تضرب المحافظة، وتنعكس بتداعيات كارثية على أوضاع أهلها. وسبق لأهالي السويداء أن خرجوا مرات عدة في تظاهرات ضد هذه اللجنة، آخرها الأحد الماضي.

ويبدو أن حجم التداعيات وصل إلى المستوى الذي قاد إلى تشكيل “إدارة أزمة”، في اعتراف واضح بحالة الاستعصاء التي تواجه مجموعات الهجري، فما الذي يمكن أن تحققه هذه “الإدارة” في ظل أن من يرأسها لديه سيرة ذاتية لا تحظى بقبول يعول عليه في عملية ضبط عوامل التصعيد والتأزيم؟ والحديث هنا عن القبول الداخلي وليس العام، فهذا له حديث آخر، مع التوضيح بأن مرشد يتولى قيادة الأمن العام في السويداء بقرار من الهجري، خلفا لشكيب نصر الذي أثار تعيينه جدلا واسعا، علما أن كليهما يتشاركان في خلفية سوداء مرتبطة بخدمة النظام السابق واتهامات بالفساد وارتكاب انتهاكات.

وكان الهجري أعلن، في بيان، أن تشكيل “اللجنة القانونية” كان استجابة لظروف استثنائية في مرحلة سابقة، مؤكدا أن حلها يأتي في إطار الانتقال إلى إدارة جديدة هي بمنزلة “إدارة أزمة” تركز على التعامل مع تداعيات المرحلة الراهنة، بما يشمل تأمين سبل العيش وتعزيز الاستقرار الداخلي.

لنوضح أكثر..

في آب الماضي، برز للسوريين اسم شادي مرشد من بين أسماء عدد من القضاة الذين تم كف يدهم وتحويلهم إلى إدارة التفتيش والتحقيق لمخالفتهم الواجبات الملزمة للقاضي بموجب أحكام قانون السلطة القضائية، ولا سيما المواد 78 وما يليها، التي لا تجيز للقاضي الجمع بين الوظائف القضائية وبين مهنة أخرى أو أي عمل تبعي آخر يؤديه بالذات أو بالواسطة، أو الاشتغال بالسياسة. وكان من بين الأسماء مهند أبو فاعور، الذي كان يرأس “اللجنة القانونية”، وأيمن الحرفوش، ومفيد عماشة، وعصام العراوي، ومعتز الصايغ.

حينها، أوضح مصدر في وزارة العدل أن القضاة المشمولين بكف اليد، ومنهم مرشد، باشروا عملا سياسيا محضا يتعارض مع المصالح الوطنية ويثير دعوات التفرقة والتقسيم، وقد باشروه بتكليف من جهة غير مجلس القضاء الأعلى، في إشارة إلى “اللجنة القانونية” آنفة الذكر، وتبعا لقرارات الهجري.

وفي السويداء، يتهمون مرشد، الذي ينحدر من قرية تعارة في ريف السويداء الغربي، بأنه أحد أبرز أدوات النظام السابق في المحافظة من خلال دوره قاضي تحقيق وعضوا في نقابة المحامين، وسبق أن تولى التحقيق مع عشرات الناشطين بتهم “النيل من هيبة الدولة والتخابر مع جهات خارجية”، ومن بينهم ناشطون من السويداء.

وعندما قام الهجري باستبدال شكيب نصر بشادي مرشد، ثارت موجة واسعة من الجدل والاعتراضات، ما تزال قائمة، داخل السويداء وخارجها، على خلفية الاستعانة بشخصيات مرتبطة بالنظام السابق، وورد اسمها في شهادات معتقلين سياسيين تحدثوا عن تعرضهم لانتهاكات جسيمة.

الدولة هي الحل

في كل مرة يطرح سؤال “ماذا بعد؟” المتعلق بأهل السويداء، يتم استدعاء سؤال الدولة وحضورها، كونها ضرورة ملحة لمنع الاحتراب والانقسام. فالدولة ضرورة لا يمكن تحييدها، وهنا يركز المحللون على مسألة النفس الطويل الذي تعتمده الدولة السورية في التعامل مع الملفات الداخلية، ويدللون على ذلك بمثال “قسد”، حيث الحلول السياسية دائما حاضرة رغم الحالة العسكرية التي كانت قائمة. والمسألة مسألة وقت قبل أن تتشكل نتيجة نهائية مفادها أن الدولة هي الحل، وليس الكانتونات وحالة الاستنفار الدائم. ويمكن القول هنا إن تسوية ملف “قسد” لم تستغرق الوقت الذي كان مدرجا على جدول التوقعات، التي اتجه بعضها إلى أنه عصي على الحل وأن الحالة الانفصالية ستغلب في النهاية، فهو ملف طويل وشائك ويتداخل فيه العامل الأميركي الأكثر تأثيرا، لكن الملف تمت تسويته في أقل من ثلاثة أشهر.

والأمر نفسه ينسحب على السويداء، وبالنظر إلى حالة الغضب الشعبي التي تتسع حول مجموعات الهجري الخارجة عن القانون، وما تكرسه من حالة انفلات أمني، فإن المسألة قد تكون مسألة وقت فقط.

إن قراءة مستجدات الأحداث في السويداء بهدوء، بعيدا عن التأجيج والانفعال، تكشف، وفق الكاتب والباحث السياسي ياسر محمد السليمان، أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في حادثة بعينها، بل في اتساع الفراغ الذي تتركه الدولة حين تضعف أو تغيب. ففي مثل هذه الظروف، تبدأ القوى المحلية بمحاولة ملء هذا الفراغ، سواء عبر تشكيل لجان أو مجالس أو هياكل بديلة، وهي خطوات قد تبدو ضرورية في لحظة الأزمة، لكنها تحمل في طياتها مخاطر التفكك إذا تحولت إلى بدائل دائمة.

ويشدد السليمان، في حديث لـ”الثورة السورية”، على حقيقة لا يمكن القفز فوقها، وهي أن وجود الدولة ليس ترفا سياسيا، بل هو شرط أساسي لمنع الانزلاق نحو الاحتراب والانقسامات. فالدولة، رغم كل ما قد يعتريها من ضعف أو قصور، تبقى الإطار الجامع الذي يضبط العلاقات ويمنع تضارب السلطات. أما في غيابها، فإن تعدد المرجعيات يفتح الباب أمام صراعات النفوذ، ويحول أي خلاف إلى أزمة قابلة للتصعيد.

ولعل ما يعزز هذه الفكرة هو النظر إلى تجارب قائمة في الجغرافيا السورية، مثل نموذج “قوات سوريا الديمقراطية – قسد”، الذي نجح في بناء إدارة محلية ضمن ظروف خاصة، لكنه في الوقت ذاته واجه تحديات معقدة تتعلق بالاعتراف السياسي والاستقرار طويل الأمد. وهذه التجربة، على خصوصيتها، تظهر أن البدائل المحلية قد تنجح مرحليا، لكنها تبقى محكومة بسياقات استثنائية يصعب تعميمها، ولا يمكن أن تشكل بديلا كاملا عن دولة مركزية ذات شرعية شاملة.

والرسالة الأهم في ظل هذه التطورات، يضيف السليمان، هي أن الحلول السياسية، مهما بدت طويلة وشائكة، تظل الخيار الأقل كلفة مقارنة بمسارات التفكك. فالتجارب أثبتت أن ما يبنى في ظل التوتر والسلاح يصعب تثبيته، وأن أي “إدارة أزمة” خارج الإطار الوطني تبقى مؤقتة وقابلة للاهتزاز. ومن هنا، يصبح الحفاظ على مرجعية وطنية جامعة ضرورة ملحة، ليس فقط لضبط الأمن، بل لحماية النسيج الاجتماعي من الانقسام.

وبالمحصلة، يرى السليمان أن السويداء تقف أمام مفترق طرق دقيق: إما الانزلاق نحو نماذج محلية متنازعة تدار تحت ضغط القلق والاستنفار، أو التمسك بخيار الدولة والعمل على إعادة تفعيل دورها عبر مسارات سياسية تدريجية. وقد يكون الطريق الثاني أطول وأكثر تعقيدا، لكنه يظل الطريق الأكثر أمانا للحفاظ على وحدة المجتمع ومنع تحول الأزمات الراهنة إلى واقع دائم. والدليل على ذلك الأحداث الأخيرة في السويداء خلال اليومين الماضيين، فأن يتم اقتحام مؤسسة رسمية، هي مديرية التربية، والاعتداء على موظفيها وصولا إلى اختطاف مديرها وإجباره على التنحي، فهذا يعني أن الأزمة في السويداء تجاوزت البعد الخدمي أو المعيشي إلى منحى أكثر خطورة. أما إعلان الهجري تشكيل “إدارة أزمة”، فهو خطوة تعكس محاولة للتعامل مع الواقع المستجد، لكنها تثير، في الوقت ذاته، تساؤلات عميقة حول المسار الذي تتجه إليه الأوضاع الداخلية في المحافظة.

استنزاف وعزلة

السياقات نفسها يتحدث عنها الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، باسل كويفي، الذي يرى أن التصعيد الحاصل في السويداء سيؤدي إلى شرخ اجتماعي أوسع داخل السويداء نفسها. فالاعتداء على مؤسسة رسمية هو جرس إنذار يشير إلى أن الطريق نحو “الإدارات الذاتية” المنفصلة هو طريق نحو الاستنزاف الدائم وفقدان الهوية الوطنية، فالدولة الموحدة، رغم وجود بعض الثغرات التي من الواجب تلافيها، تبقى المرجعية القانونية والسياسية، والحل دائما يبدأ وينتهي بالحوار والتفاوض، وليس بفوهات البنادق داخل المؤسسات التعليمية أو خارجها.

ويضيف كويفي، في حديث لـ”الثورة السورية”، قائلا: لعل الدرس المستفاد من تجربة “قسد” يمكن اعتباره نموذجا حيا للمخاطر التي تواجه السويداء اليوم، من حيث الاستنزاف الأمني والنزاعات والاصطدام مع المحيط، والتبعية الخارجية وفق مصالح الدول الداعمة والتوازنات الإقليمية والدولية في سياساتها مع الدولة السورية، والعزلة ضمن تقوقع جغرافي محدد، فمهما بلغت قوة “الإدارات المحلية” تظل عاجزة عن تقديم خدمات سيادية، مثل جوازات السفر والاعتراف بالشهادات التعليمية والتجارة الدولية، بمعزل عن المركز والعاصمة دمشق، إلا عبر توافق وطني سوري شامل.

لا شك أن تهميش محافظة السويداء ضمن مركزية حديدية للنظام المخلوع ومنظومته الأمنية العنيفة خلال عقود من الزمن، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وتنمويا، انعكست تأثيراته سلبيا على مسار التقارب والتشاركية مع الحكومة الحالية، وعلى الأخص أن محافظة السويداء وأهلها شاركوا في الثورة السورية ضد النظام المخلوع، ورفضوا التحاق أبنائهم في جيش الأسد، وقاموا باعتصام مدني سلمي في ساحة الكرامة بالسويداء، مطالبين بمطالب الثورة السورية ومنددين بحكم الهارب. ومن هنا تبرز عملية بناء الثقة كضرورة وطنية للحفاظ على سوريا الجديدة، مع ما يوازي ذلك من حوارات مجتمعية وسياسية وتنموية وثقافية تفضي إلى عقد اجتماعي جديد.

ويتابع كويفي: إن منع الانزلاق نحو التفتيت يتطلب وجودا مركزيا للدولة، فغياب مؤسساتها يعني غياب “الناظم” للعلاقات بين الأفراد والجماعات، مما يفتح الباب أمام الاحتراب الداخلي وتصفيات الحسابات الشخصية تحت مبررات متعددة خارجة عن القانون ومنظومة حقوق الإنسان.

فرص تراكمية

هناك مجموعة من الحقائق التي لا بد من الوعي بها، خاصة من أهل السويداء، وعموم السوريين بقواهم الأهلية والمدنية والدينية الفاعلة، وهي، كما يقول الباحث والمحلل السياسي نورس عبد الله، تدور حول مسألة أن الحلول العملية وتجنب كل المخاطر المحتملة يرتبطان بفكرة الدولة نفسها بوصفها مرجعا وطنيا لا يوجد بديل عنه، وأن المشاريع الأخرى تحمل في طياتها الضرر على السويداء، لأن المؤسسات العامة هي القادرة على خدمة الناس بشكل صحيح، ومنع تحويل سوريا إلى كانتونات على أسس عرقية أو طائفية تخضع لأهواء أفراد وميليشيات. كذلك فإن الشرعية القانونية الداخلية والدولية ترتبط بالمؤسسات الرسمية، وهي بذلك القادرة على تقديم الخدمات المستمرة.

ويضيف عبد الله، في حديث لـ”الثورة السورية”، بأن الحلول السياسية الوطنية، حتى وإن كانت بطيئة، واستمرار الجهود لمواجهة مشروع العزل والانعزال، إن صح التعبير، والحفاظ على كل التسهيلات الممكنة لربط أهالي السويداء مع دمشق، هي ضرورة وخيار عقلاني، وتعطي فرصة تراكمية لمعالجة الصدع الحاصل، كما أن نهج التسلط وفرض الخيارات بالقوة، المتبع من هذا التيار في السويداء، تيار الهجري، سيخسر مؤيديه أو المترددين حياله تدريجيا.

ويعتقد عبد الله أن المشهد في السويداء ربما بات أكثر تعقيدا مما كان عليه ملف “قسد”، بفعل مسار استمرار لسياسات “الهجري والحرس الوطني” بتعطيل أي أدوار للمؤسسات العامة، والتصعيد ضد محاولات تنظيم بعض الملفات التي تمس المواطنين في السويداء، كملف التعليم بوصفه ملفا حساسا، وكل ذلك تحت إطار عام وهدف معلن هو ترسيخ فكرة المشروع الانفصالي الذاتي بعيدا عن دمشق، وترسيخا لفكرة القطيعة الكاملة مع محاولات وجهود رسمية وغير رسمية لإبقاء الارتباط النفسي أولا، والخدمي والقانوني للمواطنين، مع الإدارة الحكومية الرسمية.

لكن، في الوقت نفسه، يضيف عبد الله، إن الخطوات المتبعة بالطريقة التي شاهدناها في اقتحام مديرية التربية وإرهاب العاملين فيها تجسد حالة فرض نهج بالقوة، وإخضاع بالقهر لكل الأصوات التي تتعالى بين الحين والآخر في السويداء من المجتمع بضرورة إيجاد حلول وطنية تطوي صفحة الأحداث السابقة وتسمح بتحقيق مصالحة واندماج فعلي للمنطقة وأبنائها، وهي خطوة جديدة في ظل ظروف معقدة تهدف إلى عزل المنطقة اقتصاديا واجتماعيا عن محيطها الوطني.

وعليه، فإن ما أعلنه الهجري من تأسيس مجلس “إدارة أزمة” يخدم الغرض نفسه والسياسة نفسها، وبما يقود إلى نتائج خطيرة، أهمها ترسيخ عملية فرض الإرادة بالقوة، وهو أمر سينعكس في مزيد من الاضطرابات في السويداء نفسها، وسيرفع مخاطر الانتهاكات بحق كل من يريد أن يخالف هذا النهج المفروض.

 

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وفاة امرأة وإصابة 11 آخرين بحوادث سير خلال الساعات الـ 24 الماضية في سوريا

    توفيت امرأة وأصيب 11 آخرون جراء حوادث سير في عموم سوريا، استجابت لها فرق الدفاع المدني في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث خلال الساعات ...