د. سلمان ريا
يوافق الحادي والعشرون من آذار لحظة الاعتدال الربيعي، حيث يتساوى الليل والنهار وتبدأ دورة جديدة من الضوء والحياة. هذه اللحظة لم تكن في تاريخ الإنسان مجرد ظاهرة فلكية، بل تحولت إلى نقطة مركزية أعاد حولها بناء الزمن والطقس والمعنى.
في المجتمعات الزراعية القديمة، لم يكن الربيع فصلًا فحسب، بل كان “بداية العالم” من جديد. الضوء يزداد، الأرض تستجيب، والنبات ينفجر بالحياة. هذا التحول البيئي العميق انعكس مباشرة في الوعي الإنساني، فتمت صياغته عبر طقوس وأعياد تعبّر عن فكرة واحدة: الانبعاث بعد الكمون.
تتكرر هذه البنية في حضارات متباعدة، لكنها متشابهة في جوهرها. يظهر كوكب الزهرة بوصفه علامة كونية على التجدد، مرتبطًا بالأنوثة والخصوبة، فيما تتجسد الأرض كجسد قابل للحياة، والسماء كقوة فاعلة. في هذا السياق، لم تكن آلهة مثل عشتار أو بعل مجرد شخصيات أسطورية، بل تعبيرات رمزية عن تفاعل الطبيعة نفسها.
ومن داخل هذه الرؤية، نشأت فكرة “موت الإله وعودته”، كما في أساطير تموز وأوزوريس، حيث يصبح الشتاء موتًا مؤقتًا، والربيع قيامة كونية. هذه ليست مجرد أساطير، بل محاولات مبكرة لفهم الزمن بوصفه دورة، لا خطًا مستقيمًا.
عندما ننظر إلى الأعياد، نكتشف أن هذا النمط لم يختفِ، بل أعيدت صياغته. عيد النيروز يعلن بداية السنة مع الاعتدال، عيد الفصح يُبنى على معادلة تجمع الشمس والقمر، وحتى عيد الفطر، رغم انفصاله الظاهري عن الدورة الشمسية، يحمل في بنيته فكرة الانقطاع ثم العودة، الصيام ثم الانفراج. أما في رأس السنة الأكادية، فنجد إعادة تمثيل لخلق العالم ذاته مع بداية الربيع.
التحول الأهم لم يكن في اختفاء هذه الرموز، بل في إعادة تأويلها. الطقس الذي كان مرتبطًا مباشرة بالأرض، أصبح جزءًا من نظام ديني، ثم تحول لاحقًا إلى عادة ثقافية. ومع ذلك، بقيت البنية العميقة كما هي: صراع بين الظلام والنور، ثم انتصار الضوء.
حتى الرموز التي تبدو اليوم منفصلة عن جذورها، مثل الهلال والنجمة، تحمل في عمقها هذا الإرث: القمر كدورة زمنية، والنجمة كإشارة إلى الزهرة، أي إلى الخصوبة والتجدد. إنها ذاكرة طويلة تعيش داخل الرمز، حتى حين يُنسى معناها الأصلي.
ما تكشفه هذه الاستمرارية هو أن الإنسان لم ينفصل يومًا عن الطبيعة، بل غيّر لغته في التعبير عنها. من الأسطورة إلى الدين، ومن الدين إلى الثقافة، ظل الربيع لحظة مركزية يعاد فيها تعريف الوجود: ليس كنهاية، بل كبداية متكررة.
في النهاية، ليست الأعياد سوى أشكال مختلفة لقول شيء واحد: الحياة لا تبدأ مرة واحدة، بل تبدأ في كل ربيع.

(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
