يحيى السيد عمر
مع اتّساع نطاق الحرب في إيران، لا يمكن أن تبقى الآثار محصورة في حدود جغرافية محدودة، بل يمكن لها أن تمتدّ لتطال الاقتصادات الضعيفة، وسوريا تأتي في مُقدّمة هذه الاقتصادات؛ بحُكْم موقعها الجغرافي واعتمادها على الاستيراد من الخارج، من الطاقة والوقود إلى السلع الأساسية، وبالتالي فإن التصعيد العسكري الحالي في الخليج قد ينعكس على تفاصيل الحياة اليومية، من فاتورة الكهرباء إلى سعر الخبز.
أُولى آثار الحرب تَظْهر في سوق الطاقة، مع تضرُّر الإمدادات من الخليج وانعكاس ذلك على الأسواق العالمية. ارتفاع أسعار النفط في هذه الحالة يعني تكلفة إضافية تتحمّلها الدول المُستورِدة، وسوريا التي تُعاني بالفعل من ضَعْف الإنتاج المحلي وتراجُع القدرة على تكرير النفط في مصافيها، سوف تكون أمام فاتورة استيراد أعلى للمشتقات النفطية. ومع محدودية الموارد بالعُملة الصعبة، تتحوَّل كل زيادة في السعر العالمي إلى ضغط مباشر على المالية العامة وعلى قدرة الدولة على تأمين الوقود.
تأثير ذلك يَطَال قطاع الكهرباء؛ المحطات تعتمد بدرجة كبيرة على الفيول والغاز المستورَدَين، وأيّ ارتفاع في الكلفة يعني تقليل الإنتاج وانقطاع في التيار أو أعباء مالية إضافية على الخزينة. النقل بدَوْره يتأثر سريعاً، فتكلفة المازوت والبنزين تدخل في حساب كل سلعة من المزرعة إلى السوق. ومع انتقال هذه الزيادة عبر حلقات الإنتاج والتوزيع، تتَّسع دائرة التضخم لتشمل الغذاء والصناعة والخدمات؛ في اقتصاد يعاني بالفعل من تأكُل القوة الشرائية، يصبح هامش التحمُّل محدوداً للغاية.
التأثير يمتدّ إلى الممرات البحرية، أيّ توتر عسكري في الخليج ينعكس مباشرةً على حركة الملاحة ومضيق هرمز الذي أصبح شِبْه مُغلَق، وهو شريان رئيسي لتجارة الطاقة والسلع بين آسيا وأوروبا. كما أنّ ارتفاع مخاطر الشحن يَدْفع شركات النقل إلى زيادة كلفة التأمين والرسوم؛ ما قد يُطِيل زمن الرحلات أو يَفْرض مسارات بديلة أكثر كلفة. الموانئ السورية، التي تعتمد على الاستيراد لتأمين القمح والمواد الأوَّلية والسلع الاستهلاكية، لا تصبح بمنأى عن هذه التطورات.
زيادة تكاليف الشحن تعني ارتفاعاً إضافياً في أسعار السلع عند وصولها إلى السوق المحلية. القمح المُستورَد، والزيوت النباتية، والسكر، والمواد الخام للصناعات، كلها تتأثَّر بكلفة النقل والتأمين. ومع محدودية البدائل المحلية، يصعب امتصاص هذه الزيادات دون انعكاسها على المُستهلِك النهائي، وبالتالي فإن أيّ اختناق بحري طويل الأمد يُهدِّد انتظام الإمدادات، ويُعيد إلى الواجهة مخاوف نقص بعض السلع أو اضطراب توزيعها.
البُعد الإقليمي يساهم في تعقيد المشهد، بعض الدول وجدت نفسها في قلب مواجهة مفتوحة مع إيران، رغم أنها ليست طرفًا، وهو ما قد يُعيد ترتيب الأولويات السياسية والاقتصادية في المنطقة، ويدفع هذه الدول إلى الانشغال بمعالجة تداعيات الأزمة؛ ما قد يُقلِّص الهامش المتاح لدعم ملفات أخرى، ومنها الملف السوري. هذا التحوُّل لا يعني بالضرورة توقفاً كاملاً للدعم أو التعاون، لكنه يَفْرض إعادة الحسابات لدى بعض الأطراف.
سوريا، التي تعتمد في جزء من علاقاتها الاقتصادية على تفاهمات إقليمية، قد تَجِد نفسها أمام واقع أكثر حذراً في الاستثمارات والمبادلات التجارية. الشركات الإقليمية تَمِيل في أوقات الاضطراب إلى تقليص المخاطر وتأجيل التوسُّع، مع تعطُّل ولو قصير لحركة التحويلات المالية والتجارة العابرة للحدود.
العملات بطبيعتها تتأثر بالأحداث، تبقى الليرة السورية حساسة تجاه أيّ توتر إقليمي واسع، خاصةً إذا ترافق مع ارتفاع في أسعار الطاقة وزيادة الحاجة إلى العملات الأجنبية لتمويل الاستيراد. الضغط على الاحتياطي النقدي يتصاعد مع ارتفاع فاتورة استيراد النفط، ما يفتح الباب أمام تقلّبات في سعر الصرف. هذه التقلّبات تُغذّي بدَوْرها موجات جديدة من ارتفاع الأسعار، في حلقة يَصْعب كسرها من دون موارد إضافية أو إجراءات نقدية ومالية دقيقة.
وسط التوترات، تنشط أيضاً المُضارَبات، ويزداد الميل إلى تحويل المدَّخرات نحو الدولار أو الذهب. هذا السلوك الدفاعي مفهوم في اقتصاد عانى سنوات طويلة من عدم الاستقرار، لكنه يُضِيف عبئاً إضافياً إلى العُملة المحلية. كلّ تراجُع في سعر الصرف ينعكس سريعاً على أسعار السلع المُستورَدة، التي تُشكّل نسبة كبيرة من الاستهلاك المحلي.
الأمن الغذائي يقف في قلب هذه المعادلة؛ لأن ارتفاع تكاليف النقل والطاقة يرفعان من تكلفة الإنتاج الزراعي المحلي أيضاً، من تشغيل مضخات الريّ إلى نقل المحاصيل. وعندما تجتمع زيادة التكلفة المحلية مع ارتفاع أسعار السلع المُستورَدة، تتآكَل قدرة الأُسَر على تأمين احتياجاتها الأساسية، وتصبح الفئات ذات الدَّخل المحدود الأكثر تأثراً؛ لأن الجزء الأكبر من إنفاقها يذهب للغذاء والطاقة.
الأخطر أن زيادة أَمَد هذه الأزمة يؤدي إلى اتّساع مستوى الفقر وزيادة العبء على شبكات الدعم الاجتماعي، وبالتالي فإن الاستقرار الاجتماعي يصبح مرتبطًا بشكل وثيق بقدرة الدولة على إدارة هذه الصدمات، سواء عبر سياسات دعم موجّهة أو عبر تأمين مخزونات إستراتيجية تُخفّف أثر التقلّبات الخارجية.
مع ذلك، لا تخلو الصورة من هوامش يمكن التحرُّك ضمنها. التحولات في مسارات التجارة الإقليمية قد تَخْلق فرصاً محدودة لإعادة تموضع اقتصادي. بعض الدول تسعى في أوقات الأزمات إلى تنويع طرق الإمداد وتوسيع شبكة شركائها، وإذا نجحت سوريا في الحفاظ على قَدْر من الاستقرار الداخلي وتَبَنّي نهج عملي في علاقاتها الاقتصادية، فقد تتمكَّن من جذب شراكات بديلة أو تعزيز دَوْرها كممرّ تجاري في بعض القطاعات.
تحقيق ذلك يتطلّب إدارة دقيقة للمخاطر وتخفيف الاعتماد المُفْرط على مصدر واحد للطاقة أو التمويل؛ من خلال تنويع الشركاء، وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي كلّما أمكن، وتحسين بيئة الأعمال، وهي أدوات ضرورية لزيادة القدرة على الصمود. في عالم يتغيَّر بسرعة تحت ضغط الصراعات، الاقتصادات التي تمتلك مرونة أعلى تكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمات.
الحرب في إيران، إذا اتَّسعت أكثر، لن تكون حدثًا بعيدًا عن سوريا. خيوط الطاقة والتجارة والتحالفات تجعل المنطقة شبكة مترابطة يصعب عزل أيّ جزء منها عن الآخر، وإدارة المرحلة تتطلّب تعاملًا هادئًا مع المتغيّرات، وتركيزًا على تقليل التكلفة الداخلية قَدْر الإمكان. في النهاية، معيار النجاح لن يكون في تجنُّب التأثر كليّاً، بل في تقليص حجم الخسائر والحفاظ على الحدّ الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
