آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » الاقتصاد يطرق باب السياسة

الاقتصاد يطرق باب السياسة

 

 

د. سلمان ريا

 

لم يعد المشهد السوري محكوماً بأزمات الأسعار أو تقلّبات الدعم فحسب؛ فالتوتر الذي يخيّم على الشارع اليوم هو صدى لتحوّل أعمق يتجاوز الإجراءات المالية إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدولة ومجتمعها. فالاقتصاد الذي كان يوماً أداةً في هندسة الاستقرار السياسي، يعود اليوم ليطالب بدوره الطبيعي: أن يكون مرآةً للواقع لا امتداداً للسلطة.

 

لأكثر من ستة عقود، نشأت منظومة اقتصادية لا تخضع لمنطق السوق، بل لمنطق السياسة. تحوّل الأجر في القطاع العام إلى ضمانة ولاء، لا إلى مكافأة إنتاج. وغدت الأسعار وسيلة لطمأنة المجتمع لا انعكاساً للكلفة. وفي ظل هذا البناء، تشكّل وعيٌ جمعي يرى في «السعر المعقول» التزاماً أبوياً أكثر منه قاعدة اقتصادية. كان الاستقرار، في جوهره، استقراراً مُداراً سياسياً، اشتُري بالجمود، ودُفع ثمنه من نمو مؤجَّل واقتصاد مُنهك.

 

اليوم، ومع تفكّك هذا النموذج، يجد السوريون أنفسهم في مواجهة انتقال قاسٍ من اقتصاد رعائي مألوف إلى سوق مفتوحة بلا ضمانات مؤسسية. ليس الحنين إلى الاشتراكية هو ما يحرّك الشارع، بل القلق من قفزةٍ غير مهيّأة، ومن فراغٍ بين نظامٍ يجري تفكيكه وآخر لم تُبْنَ هياكله بعد. إن الانتقال من حقوق مؤكّدة حتى لو كانت متآكلة إلى فرص مفتوحة دون شبكة أمان، يشبه المشي في أرض جديدة من دون خرائط.

 

تتجاهل السياسات الاقتصادية الراهنة أن التغيير ليس تقنياً فقط، وأن المجتمع الذي اعتاد حضور الدولة كفاعل أوحد في حمايته، لن يثق بسهولة بسوق تفرض عليه قواعدها فجأة. فالفرد الذي حُمي لسنوات من مخاطرة السوق، يواجه اليوم حريةً تأتي من دون ضمانات، ومن دون رواية مقنعة عن شكل المستقبل.

 

ولهذا فإن الخطأ الأكبر في أي إصلاح اقتصادي هو عزله عن السياسة. فالسؤال ليس: كيف نرفع الدعم؟ بل: كيف نضمن عدالة الانتقال؟ ومن يتحمّل الكلفة؟ ومتى يبدأ المواطن بلمس ثمار الإصلاح؟ دون هذه الإجابات، ستبقى الإجراءات الاقتصادية معلّقة في الفراغ، وستبقى الثقة—وهي رأس المال الأخطر—ناقصة.

 

إن مواجهة هذه اللحظة تتطلّب مقاربة وطنية جديدة:

عقداً اجتماعياً يوازن بين تحرير الاقتصاد وحماية المجتمع، يستبدل الدعم العشوائي بشبكات أمان ذكية، ويعيد تعريف الأجر بوصفه ثمرة للإنتاج، والسعر بوصفه مؤشراً للواقع لا أداة للتهدئة. مقاربةٌ تُخرج الدولة من دور «المعيل الشامل» إلى دور «الضامن العادل»، وتُشرك المجتمع في القرار بدل الاكتفاء بإبلاغه النتائج.

 

فالاقتصاد، حين يطرق باب السياسة، لا يبحث عن أرقام جديدة بل عن شرعية جديدة. والشرعية اليوم تُبنى على المصارحة، وعلى العدالة في توزيع أعباء التغيير، وعلى رؤية تُشعر الناس أن الإصلاح مشروع وطني، لا مجرد برنامج مالي.

 

إن مستقبل الاقتصاد السوري لن يُصنع في الوزارات وحدها، بل في المساحة التي يلتقي فيها القرار السياسي بالثقة الشعبية. وهناك فقط يبدأ التحوّل الحقيقي.

(أخبار سوريا الوطن-1)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“النفاريش”من جورج جرداق وأميركا إلى انحاء متفرقة في العالم..!

    مالك صقور   هذا العنوان من ابتكار أستاذي الكبير الشاعر والمفكر والباحث جورج جرداق . وعليَّ بداية ًأن أقول : إني مدين لأستاذي ...