آخر الأخبار
الرئيسية » الأخبار المحلية » الانسحاب الأميركي من التنف… خطوة ملتبسة في خريطة يُعاد تشكيلها

الانسحاب الأميركي من التنف… خطوة ملتبسة في خريطة يُعاد تشكيلها

 

عبدالله سليمان علي

 

غادرت القوات الأميركية، الأربعاء، قاعدة التنف الواقعة عند مثلث الحدود السورية–العراقية–الأردنية، متجهةً إلى قاعدة البرج في الأردن، في خطوة أنهت وجوداً عسكرياً استمر منذ عام 2016. وضع المشهد خاتمةً لمرحلة طويلة، لكنه في الوقت نفسه كشف تراكم إشارات خلال الأشهر الماضية أوحت بأن واشنطن تعيد النظر في شكل انتشارها داخل سوريا.

 

 

 

وجاء الإخلاء في لحظة إقليمية مشحونة. ففي اليوم نفسه، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يلتقي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في واشنطن لبحث الموقف من إيران، فيما يشهد العراق تحركات سياسية متسارعة، أبرزها طرح اسم نوري المالكي مجدداً لرئاسة الوزراء، وسط اعتراض معلن من ترامب على هذا الترشيح، في وقت تتزايد فيه احتمالات التصعيد في أكثر من ساحة بين إيران ولبنان. ورغم عدم وجود دلائل على ارتباط مباشر بين هذه الملفات وقرار إخلاء التنف، فإن تزامنها يضع الخطوة ضمن مشهد إقليمي يُعاد ترتيبه على مستويات عدة.

 

إعادة التموضع في سياق إقليمي مضطرب

 

وعلى الأرض، أفادت وكالة “رويترز”، نقلاً عن مصدرين أمنيين، بأن القوات الأميركية أخلت موقعها في التنف وانتقلت إلى الأردن. وخلال الأسبوعين الماضيين، رُصدت تحركات أميركية تشير إلى إعادة تموضع أوسع لا يقتصر على الجنوب. فقد أخلت القوات الأميركية عدداً من القواعد في شمال شرقي سوريا، وتستعد لإخلاء مواقع أخرى، في خطوة تعكس تقليصاً واضحاً لنطاق انتشارها العسكري داخل البلاد، من دون إعلان رسمي عن انسحاب شامل.

 

 

 

ولا يمكن فصل هذه التحركات عن النقاش الأميركي المستمر منذ سنوات حيال جدوى البقاء في سوريا. فمنذ عام 2018، حين أعلن ترامب للمرة الأولى رغبته في سحب القوات الأميركية قبل أن يتراجع تحت ضغط المؤسسة العسكرية، ظل خيار الانسحاب مطروحاً ومؤجلاً في آن واحد. لكن خلال الشهر الماضي، عادت التسريبات لتتحدث عن دراسة جادة لإنهاء الوجود العسكري، بالتزامن مع تحولات ميدانية كبيرة: انضمام دمشق إلى التحالف الدولي ضد “داعش”، وانكفاء “قسد” عن دير الزور والرقة وتمركزها في الحسكة، وتبدل ترتيبات إدارة السجون والمخيمات التي تضم عناصر التنظيم. هذه التطورات أعادت طرح السؤال بشأن مبررات استمرار الانتشار الأميركي بصيغته السابقة.

 

من عقدة جغرافية إلى ورقة نفوذ

 

ولفهم أهمية هذه الخطوة، لا بد من استعادة وظيفة قاعدة التنف في معادلة الجنوب السوري. فمنذ تثبيت الوجود الأميركي فيها عام 2016، شكّل الموقع نقطة ارتكاز عند عقدة الطرق بين بغداد ودمشق، داخل منطقة عازلة بعمق 55 كيلومتراً، ما منحه دوراً يتجاوز مكافحة “داعش” أو مراقبة البادية.

 

 

 

ويوضح تاريخ القاعدة كيف ترسخ هذا الدور. فالموقع لم يتحول إلى قاعدة أميركية نشطة إلا في آذار/مارس 2016، بعد طرد تنظيم “داعش” من المنطقة. ومنذ ذلك الحين، أصبحت التنف مركزاً لتدريب “مغاوير الثورة”، التي تحولت لاحقاً إلى “جيش سوريا الحرة”، قبل انضمام الأخير إلى وزارتي الدفاع والداخلية. وبين عامي 2016 و2018 توسعت القاعدة، وتكرست المنطقة العازلة حولها، وبدأت واشنطن تستخدمها لقطع الطريق البري الذي سعت إيران إلى تثبيته. وبلغت القاعدة ذروتها بين عامي 2018 و2021، حين تحولت إلى “خط أحمر” غير معلن في الجنوب السوري. لكن دورها بدأ يتراجع تدريجياً مع انحسار نشاط “داعش” في البادية، وسقوط النظام وخروج إيران من سوريا، وسط تغير أولويات واشنطن الإقليمية والدولية.

 

 

 

وبناءً على ما سبق، فإن إخلاء القاعدة لا يقتصر على كونه حركة لوجستية، بل يعكس تغييراً في الطريقة التي تدير بها الولايات المتحدة حضورها في سوريا. فالنقل من موقع داخل الجغرافيا السورية إلى مواقع خلف الحدود يشير إلى انتقال من “تموضع مباشر” إلى “إدارة عن بُعد”، لا سيما بعد تراجع الأسباب التي استدعت وجود القاعدة، وأهمها القضاء على خلافة “داعش” الجغرافية، وانضمام سوريا إلى التحالف الدولي، بحيث أصبح بإمكان قواتها المسلحة القيام بالمهام الميدانية مع مساعدة استخبارية ولوجستية أميركية، إضافة إلى تراجع النفوذ الإيراني وتحوّل المهمة من محاربته إلى منعه من العودة.

 

 

 

دلالات سورية واحتمالات مفتوحة

 

وعلى المستوى السوري، يحمل إخلاء التنف دلالات مهمة. فهو يطوي صفحة الوجود الأميركي في جنوب البلاد، بعدما شكّلت القاعدة طوال سنوات نقطة ارتكاز مستقلة عن ديناميات الجزيرة السورية. ومع تراجع الدور العملياتي لــ”قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) وتبدل ترتيبات السجون والمخيمات، تبدو معادلة الانتشار التي تأسست عام 2014 أقل قابلية للاستمرار بصيغتها القديمة، حتى في غياب إعلان رسمي من البنتاغون عن تغيير استراتيجي شامل.

 

 

 

وتكتسب الخطوة أهميتها كون الجنوب السوري مرشحاً للدخول في مقاربات أمنية جديدة، وسط حديث عن اتفاق أمني بين دمشق وتل أبيب يتضمن آلية عسكرية مشتركة وغرفة عمليات مقرها الأردن لمراقبة الوضع في الجنوب. ولا يزال من غير الواضح مدى انعكاس ذلك على ملف الوجود العسكري التركي في شمال البلاد، خصوصاً في ظل تبدل الأسباب التي استند إليها هذا الوجود بعد الاتفاق بين “قسد” ودمشق.

 

 

 

وفي خلفية ذلك، يستمر الوجود الروسي في الساحل مع تحسن نسبي في العلاقة بين دمشق وموسكو، وهو ما يبقى بمثابة نقطة حساسة لدى واشنطن، ولا سيما لدى تيارات تعتبر تمدد النفوذ الروسي أو الإيراني خطاً أحمر في معادلة الأمن الإقليمي، حتى عندما تفرض الوقائع تسويات أقل وضوحاً.

 

 

 

ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان إخلاء التنف خطوةً ضمن إعادة هندسة أميركية أوسع للانتشار العسكري في المنطقة، تنتقل فيها واشنطن من التموضع المباشر إلى إدارة التوازن عبر الحلفاء والقواعد الخارجية، أم أن تقليص الوجود داخل سوريا قد يفتح فراغاً في البادية يمكن أن تستفيد منه قوى أخرى، من “داعش” إلى أطراف إقليمية تسعى إلى إعادة تموضعها في الملف السوري.

لكن المؤكد أن قاعدة التنف لم تكن مجرد موقع صحراوي معزول، بل كانت عنوان مرحلة من الحضور الأميركي داخل سوريا. وخروجها – مع خروج قواعد أخرى – يطرح سؤالاً استراتيجياً لا يمكن تجاهله عن شكل المرحلة المقبلة.

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

اتصال هاتفي بين وزير الدفاع السوري وقائد قوة المهام المشتركة لبحث آلية استلام قاعدة التنف

أجرى وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة، اتصالاً هاتفياً مع اللواء كيفن ج. لامبرت، قائد قوة المهام المشتركة لعملية “العزم الصلب”، جرى خلاله بحث عدد من ...