رضا صوايا
نادراً ما يستشهد الباباوات بقادة العالم بالاسم، لكن البابا لاون الرابع عشر اختار مخاطبة الرئيس دونالد ترامب بالاسم وبلغة الأمن القومي الأميركي مشيراً خلال حوار أجراه مع صحافيين منذ أسبوع: «يُقال لي إن الرئيس ترامب أعلن مؤخراً رغبته في إنهاء الحرب. أتمنى أن يكون يبحث عن مخرج آمن. آمل أنه يبحث عن سبيل لخفض حجم العنف والقصف، مما سيسهم إسهاماً بالغاً في إزالة الكراهية التي تتصاعد باستمرار في الشرق الأوسط وسواه».
لم يكن اختيار ذلك المصطلح عرَضياً. «المخرج الآمن» ليست من القاموس الفاتيكاني التقليدي بل مصطلح دقيق يستخدمه المجتمع السياسي والأمني الأميركي للدلالة على الخروج من النزاع دون أن يبدو استسلاماً. الأبرز يكمن في أن التعبير دارج في اللغة الأميركية العامية، ما يظهر أن البابا قصد أيضاً إيصال الرسالة بشكل واضح إلى الشعب الأميركي بتعابير مألوفة لديه.
البابا في مواجهة الحرب
ثابر البابا على رفض الحرب ضد إيران بثبات لافت. وبحلول أواخر شهر آذار كان قد طالب علناً بإنهاء الحرب ما لا يقل عن 12 مرة في 25 يوماً.
في صباح أحد الشعانين، وقف البابا لاون الرابع عشر أمام عشرات الآلاف من المؤمنين في ساحة القديس بطرس، وأطلق جملةً هبطت على واشنطن كقنبلة ديبلوماسية: «أيها الإخوة والأخوات، هذا هو إلهنا: يسوع، ملك السلام؛ إله يرفض الحرب، لا يستطيع أحد أن يتذرع به لتبرير الحرب، إله لا يُصغي إلى صلاة من يشعلون الحروب بل يرفضها قائلا: “حتى لو أكثرتُم من الصلوات لن أستمع؛ أيديكم تقطر دما”».
قبل يومين من ذلك، وعلى الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي، كان وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث يقود احتفالاً دينياً مسيحياً في البنتاغون، يصلّي فيه، بحسب ما نُقل عنه، من أجل «عنفٍ ساحق ضد من لا يستحقون الرحمة». موقف اضطر واشنطن للردّ، حيث سارعت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت إلى الدفاع عن حق الرئيس والقيادة العسكرية في الدعوة إلى الصلاة من أجل الجنود. الردّ في حد ذاته يكشف كيف فُهمت الرسالة. لم تُعامَل باعتبارها نداءً عاماً، بل موقفاً يخصّهم مباشرة.
الأسبوع المقدس ذاته، الإله ذاته، لاهوتان لا يلتقيان — وبينهما أكثر المواجهات البابوية استثنائيةً مع السلطة الأميركية في الذاكرة المعاصرة.
يرى مارتشيلو نيري، اللاهوتي والفيلسوف الإيطالي، في مقالة نشرها في معهد أبيا، أنه «من الواضح أن أول بابا أميركي في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية يعارض معارضةً صريحة منطق السيد هيغسيث في تبرير العنف باسم الله».
وبالعودة إلى جنسية البابا، فإن انتخابه طرح تساؤلين آنذاك: هل سيكون عاملاً مكملاً لتوسعة النفوذ الجيوسياسي الأميركي أو أنه وبالنظر إلى خلفيته وخدمته لحوالي عقدين في البيرو في أميركا الجنوبية وبين الفقراء سيشكل تحدياً للسياسات الأميركية؟
لكن ما لم يتوقعه أحد بالكامل، هو السرعة التي سيُجسّد بها ذلك التناقض بداية عهده كبابا أميركي يواجه حرباً أمريكية.
رسائل البابا وجنسيته أعادت إلى الذاكرة البابا يوحنا بولس الثاني، أول بابا غير إيطالي ينتخب بعد حوالي أربعة قرون ونصف. تماماً كما أعطت أصول يوحنا بولس الثاني البولندية سلطةً أخلاقية خاصة لمعارضة النفوذ السوفياتي دون أن يبدو في موقع المدافع عن الغرب، فإن جنسية البابا الأميركية منحته ميزة معارضة الحرب التي تقودها الولايات المتحدة من دون أن يُصنَّف ناقداً أوروبياً لواشنطن.
في خطابه أمام سفراء 184 دولة في مطلع كانون الثاني، أنذر البابا بما كان آتياً: «رجعت الحرب كأنّها موضة العصر، والحماسة العسكريّة بدأت تتمدّد. انكسر المبدأ الذي أُقرّ بعد الحرب العالميّة الثّانية، الذي كان يَنهى الدّول عن أن تستخدم القوّة لانتهاك حدود غيرها. لم نعد نطلب السّلام باعتباره عطيّة وخيراً، نطلبه لذاته، “في السّعي إلى نظامٍ يريده الله، يستلزم عدلًا أسمى بين البشر”، بل نطلبه بقوّة السّلاح، باعتباره شرطًا لفرض الهيمنة والسّيادة. هذا الأمر يقوّض بشكل خطير سيادة القانون، التي تُعدّ الأساس لكلّ عيش مدنيٍّ معًا بسلام».
تقديس الحرب وترامب
تصريحات البابا تكتسب أهميتها في ظل النظرة المسيانية التي ينظر فيها مؤيدو الرئيس الأميركي ترامب إليه وخاصة بعد نجاته من عملية اغتيال عام 2024، كشخصية مسيانية مختارة من الله لإنقاذ الأمة. قال ترامب نفسه مراراً وحتى خلال خطاب تنصيبه إن «الله أنقذ حياتي لسبب، وذلك السبب هو إنقاذ بلدنا وإعادة أميركا إلى عظمتها».
جسّد هذا القناعةَ بصورة لافتة مايك هاكابي، السفير الأميركي لدى إسرائيل، الذي بعث لترامب برسالة شخصية مؤكداً أن الله أبقاه حياً ليكون “أكثر الرؤساء أهمية في قرن”، مضيفاً: “أثق بحدسك، لأنني أؤمن بأنك تسمع من السماء”.
بلغ ذلك البعد المسياني لترامب المؤسسة العسكرية حيث أشارت تقارير أميركية عن العديد من الشكاوى من قبل جنود أميركيين ومنها إبلاغ أحد قادة وحدة قتالية ضباط الصف في إحاطة عملياتية أن الحرب «جزء من المخطط الإلهي» وأن «الرئيس ترامب مُعيَّن من يسوع ليضرم الشعلة في إيران ويُحضر نهاية الأزمنة وعودة المسيح إلى الأرض».
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
