ورد كاسوحة
ثمّة ملامح لأزمة اقتصادية كبرى، ستتسبّب بها الحرب الإمبريالية المزدوجة ضدّ إيران، ليس لاقتصادات دول الخليج فحسب بل لاقتصادات العالم بأسره. الأزمة، كما يَظهَر من ملامحِها الأوليّة، تبدو مركّبة بشكل كبير، ولا تشبه في درجة تعقيدها أيّاً من الأزمات الاقتصادية التي سَبَق واختبرها العالم على ضوء حروب الولايات المتحدة المتنقّلة.
الأمر لا يقتصر على تعطُّل الإمدادات النفطية عبر مضيق هرمز، بل يتعدّاه إلى حصول اضطرابٍ أكبر في حركة السلع التي تمرّ بكمّيات كبيرة عبر المضيق، مثل الأسمدة وسواها. هذا يذكّر بأزمة مماثِلة شهدها العالم، على أثَر نشوب الحرب بين روسيا وأوكرانيا في العام 2022، حيث تسبَّبت العقوبات الكبيرة التي فَرَضها الغرب على روسيا بشلّ جزء يسير من حركة التجارة العالمية، عبر حرمان الأسواق من المواد الخام التي تأتي من روسيا عبر البحر الأسود، وعلى رأسها النفط والمشتقّات النفطية والغاز والأسمدة والأخشاب.
حينها لَجَأت وكالة الطاقة الدولية ومجموعة السبعة الكبار، إلى إجراءاتٍ طارئة، بغية الحدّ من ارتفاع أسعار الطاقة، على أثَر وصول سعر برميل النفط إلى 120 دولاراً. الإجراء تمثّل في الإفراج عن كمّيات كبيرة من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي لدى الدول الأعضاء في الوكالة، ليس فحسب لكبح الارتفاع القياسي في الأسعار، بل لتعويض النقص الحاصل في الإمدادات عبر روسيا أيضاً، وهو ما أسهَمَ جزئياً في الحدّ من آثار الأزمة وأعاد سعر البرميل، خلال مرحلة ضخّ الاحتياطات، إلى معدّل سعري لا يتجاوز الـ80 دولاراً.
الأزمة الحالية تبدو، بالمقارنة مع نظيرتها الخاصّة بالحرب الروسية الأوكرانية، أعمق وأقلَّ قابلية للكبح والتجاوُز، على اعتبار أنَّ تعطيل التدفّقات في الحرب السابقة لم يشمل مضيق هرمز، وما كان ينقص السوق العالمية من إمدادات نفطية وغازية عبر البحر الأسود كان يعوَّض بسهولة عبر نظيرتها الأكبر والأوسع حجماً ونطاقاً، التي تصل من موانئ الخليج عبر المضيق.
اللافت في الأمر أنَّ ثمّة تبادلاً للأدوار قد حصل بين الحقبتين، فبينما أدى استمرار التدفّقات النفطية عبر مضيق هرمز دوراً بارزاً في كبح التضخّم وانقطاع سلاسل التوريد الذي تسبَّبت به الحرب الروسية الأوكرانية، نشهد حالياً نيّةً أميركية، للتعويض عن الانقطاع الحاصل في تدفّقات النفط عبر المضيق، عبر تعطيل أداة العقوبات ضدّ النفط الروسي.
المأزق الفعلي سيحدث لاحقاً، حين تتبيَّن محدودية القدرة الأميركية، العسكرية والاقتصادية، على احتواء الوضع
والحال أنّ السماح للتوريدات النفطية الروسية بمعاودة التدفّق بعيداً عن قيود العقوبات الغربية، سيسمح بزيادة المعروض من النفط في الأسواق، ولكن من دون أن يصل إلى حدّ التعويض عن حاجة الأسواق إلى الاستهلاك، والتي كان نفط الخليج هو العامل الأساسي في إشباعها، أو في إحداث موازنة داخلها بين العرض والطلب.
الخلل الهيكلي الذي سيحدث بهذا المعنى، ناتجٌ عن العجز الكبير الذي سيحصل في السوق، باستمرار خروج تدفُّقات النفط والغاز الخليجية من التبادلات التجارية على مستوى العالم.
الإجراءان المُقترَحان حتى الآن، والمتمثّلان في السماح بتدفُّق النفط الروسي بدون عقوبات، والإفراج عن كمّيات كبيرة من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي للدول الأعضاء في وكالة الطاقة، لا يلبّيان في الحقيقة حاجة السوق، ومن ورائها الصناعة، إلى المنتجات النفطية.
وهو ما سيقود، على المديين المتوسّط والبعيد، إلى تباطؤ واضح في النموّ العالمي، واستمرار موجة التضخُّم المتوقَّعة والمتصاعِدة، تحت سقف يمكن التحكّم به جزئياً، عبر إجراءات الزيادة القسرية للمعروض.
والحال أنّ ملامح الأزمة قد بدأت منذ الآن، مع العجز المضطرد لدى الغرب عن كبح التضخُّم المتزايد في أسعار الطاقة، حتى مع الإجراءات الأميركية المعلَنة للسماح بتدفُّق النفط الروسي.
على أنّ المأزق الفعلي سيحدث لاحقاً، حين تتبيَّن محدودية القدرة الأميركية، العسكرية والاقتصادية، على احتواء الوضع، انطلاقاً من أزمة إغلاق مضيق هرمز، حيث تُبدي إدارة الحرب الأميركية عجزاً متزايداً عن تقديم «بدائل عسكرية» للإقفال، وفي الوقت نفسه لا تقترِح حلولاً اقتصادية مجدية ومستدامة.
وهو ما سينقل الأزمة، إذا ما استمرّ العجز الأميركي المطلق عن حلِّها، من التدفُّقات النفطية الحبيسة نفسها، إلى الاقتصاد النقدي الأوسع، إذ تُبدي البنوك المركزية حول العالم قلقاً متزايداً من تأثير التضخُّم الخاصّ بأسعار النفط والغاز على السياسات النقدية، لجهة عدم القدرة على الاستمرار في سياسات التيسير النقدي أكثَرَ مما فعلت حتى الآن، بفعل عودة التضخّم مجدداً.
وهذا يعني أنّ ثمّة حاجة ستبرُز لاحقاً لاعتماد سياسات التشدُّد النقدي من جديد، مع كلّ ما يصاحِبها من احتمالات الدخول في نفق الركود الذي لم يخرج الاقتصاد العالمي منه بعد أزمة كورونا، إلا بجرعات تيسير نقدي قياسية على شكل رزم تحفيز مليارية.
* كاتب سوري
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
