علي سرور
يتحوّل الخلاف بين ترامب وكارلسون من تباين سياسي إلى صراع مفتوح يكشف تصدّعات اليمين الأميركي. اتهامات «العمالة» لإيران والتلويح بأدوات الاستخبارات، إلى جانب تهديد ترامب بسحب التراخيص وقطع التمويل عن القنوات الإعلامية، تضع حرية التعبير تحت ضغط غير مسبوق، في لحظة تعيد تشكيل المجال السياسي والإعلامي
في زمن الحروب، تتحوّل الدول إلى أنظمة «استبدادية». هكذا وصف، حليف الأمس، الصحافي تاكر كارلسون، إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب. وبعد ابتعاد تدريجي بين صقور حركة «ماغا» اليمينية والرئيس الجمهوري بسبب علاقته «غير المفهومة» مع «إسرائيل»، مثّل العدوان الأميركي – الإسرائيلي «غير المبرّر» على إيران بـ«القشّة التي قصمت ظهر البعير» بين أطراف المعسكر الواحد. وبينما يتنافس الجانبان على تركة الحركة الجماهيرية ووجهة انتمائها، انتقل الطلاق بين كارلسون وترامب إلى مستوى غير مسبوق، بعد كشف الصحافي عن توجيه أصابع الاتهام إليه من قبل «وكالة الاستخبارات المركزية» (CIA) بالتخابر مع مسؤولين إيرانيّين.
منذ عدوان الاثني عشر يوماً على إيران العام الماضي، بدأ خروج أبرز الناشطين اليمينين من حلفاء ترامب، عن النصّ السياسي لخريطة عمل الإدارة الأميركية في الشرق الأوسط. حتّى الرّاحل الشهير، تشارلي كيرك، تماهى مع كارلسون وغيره، بتوجيه سهام النقد إلى «إسرائيل»، رغم تموضعهما تاريخيّاً إلى جانبها.
ومع غرق ترامب في مستنقع الحروب واشتعال المنطقة وبحارها، بدا تخبّط إدارته جليّاً في كيفيّة إيقاف النزيف المتفاقم. وبعدما وصلت به الحال إلى طلب المساعدة العسكرية من الصين لفتح مضيق هرمز أمام حركة ناقلات النفط، يبدو أنّ التحالفات السياسية في حلف الناتو ليست الوحيدة التي خرجت من طوع واشنطن.
بل إنّ الأخطر على الرئيس الأميركي، هو تحوّل التباينات داخل معسكره اليميني إلى انشقاقات تترسّخ يوماً تلو آخر، بما ينعكس على خسارة شعبية قد تحمل تداعيات مفصلية على الاستحقاقات الأميركية الداخلية المقبلة. وهنا نشر ترامب إحدى أطول رسائله على منصّة «تروث»، مستخدماً لغة عاطفية شعبوية للوصول إلى حاضنته الشعبية، في ظلّ الشدّ والجذب على بوصلتها بينه وبين أهمّ رموزها، وعلى رأسهم، تاكر كارلسون.
«عميل إيراني»
يوم الأحد المنصرم، ادّعى الصحافي الشهير، كارلسون، أنّ «وكالة الاستخبارات المركزية الأميركيّة» تُحقّق معه بشأن اتصالاته بمسؤولين إيرانيين، كما زعم أنّها تتحضّر لرفع دعوى بموجب قانون الوكلاء الأجانب. وأشار إلى أنّ هذا التحقيق لن يفضي إلى أي نتيجة، لأنّ هذه الاتصالات مسموحة بسبب طبيعة عمله الصحافي، مؤكّداً عدم نيّته التوقّف عنها.
كما لفت إلى عدم تلقيه أموالاً من أي جهة خارجية، علماً أنّ الأوساط الرئاسية حاولت قبل إلصاق التهم الحالية، تشويه سمعة كارلسون عبر الادّعاء بوجود ارتباط مالي وإعلامي بينه وبين دولة قطر. وقال المعلّق السياسي اليميني إنّه لا يعتقد أنّ القضيّة ستتحوّل إلى دعوى قضائية لأنّها «سخيفة»، لكنّه يضع الموضوع برمّته في سياق تحوّل إدارة ترامب إلى نظام «استبدادي» في ظلّ الحرب والخسائر المترافقة معها على جميع المستويات.
اللجوء إلى الترهيب وحجب الأموال وإسكات الأصوات التي تأكل من رصيده الشعبي
بالنسبة إليه، من المثير للسخريّة أنّ الولايات المتّحدة تشنّ حروباً باسم «الحريّة»، لكنّها بالتزامن مع ذلك تمنعها في داخل البلاد. لا يبدو كارلسون متفاجئاً من المزاعم التي تُلاحقه، إذ يعتبر أنّ الإدارة الأميركية تسعى إلى معاقبته بسبب آرائه السياسية التي بدأت بسبب انتقاداته اللاذعة لـ«إسرائيل»، وانفجرت أخيراً بعد مقابلة ناريّة أجراها مع السفير الأميركي في تل أبيب، مايكل هاكابي، إلى جانب الكباش المستمرّ على مصير ولاء «ماغا» بين أقطاب اليمين.
لا حريّة ولا تعبير ولا من يحزنون
من ناحية أخرى، قال كارلسون إنّه يستعرض ما يجري في كواليس الإدارة الأميركيّة ووكالات الاستخبارات للإضاءة على الواقع الخطير والمعلوم، بأنّ الحكومة الأميركيّة تتجسّس على جميع مواطنيها. وذكّر الصحافي بشهادات جوليان أسانج وإدوارد سنودن، المُهدّدين بالقتل، في كشف مدى تورّط الأجهزة الاستخبارية الأميركية في مراقبة شعبها.
في هذا الإطار، لفت تاكر كارلسون إلى أنّ الجمهور الأميركي لا يعلم فعلياً إلى أي حدّ تتمّ مراقبته، معتبراً هذا الموضوع «مثيراً للغضب». وحثّ الشعب الأميركي على رفض التنصّت عليه واختراق خصوصيّته من قبل الحكومة التي يدفع لها أمواله.
بالإضافة إلى ذلك، اتّهم كارلسون «وكالة الاستخبارات المركزية» بالعمل وفق أجندة سياسيّة معيّنة للتشهير بصحافيين وناشطين. كما أشار إلى حوادث سابقة تعرّض لها في هذا المجال، عندما حاول إجراء لقاء مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عام 2021، فاخترقت وكالة الأمن رسائله النصيّة وسرّبتها لصحيفة «نيويورك تايمز» لمنع المقابلة، وهو ما حصل بالفعل حينها. الأمر ذاته تكرّر بعدها بعامين وفق كارلسون، ولا تزال الوكالات تواظب على استخدام هذا الأسلوب للتدخّل في عمل الصحافي.
في النهاية، نبّه الناشط اليميني إلى أنّه يدلي بهذه المعلومات إلى العامّة حتّى يعلم الجمهور الأميركي ماذا تفعل حكومته، وإلى أي حدّ تسيء الوكالات الأمنية استعمال صلاحيّاتها السريّة في الكواليس من أجل تطبيق سياسات إيديولوجية وأجندات شخصية بالقوّة على مواطنين أميركيّين.
ترامب ينتفض
بالتزامن مع محاولة إسكات تاكر كارلسون، والكباش بينه وبين ترامب الذي شعر بالخطر المتزايد من الحليف القديم، معتبراً أنّ «ماغا» ملكه وليست ملك الصحافي، أدلى الرئيس الأميركي بأحد أكبر منشوراته على الإطلاق على منصّة «تروث». ورغم أنّ الحديث بدأ حول إيران والمعارك الدائرة في منطقة الخليج، إلا أنّ الهدف الرئيسي تركّز على الحرب الإعلامية ومن خلفها التيارات الشعبية المؤيدة للرئيس.
وبين عشرات السطور المكثّفة، حاول ترامب تكذيب الإنجازات العسكرية الإيرانية التي تظهر على وسائل الإعلام بوصفها مولّدة بالذكاء الاصطناعي. وبعد شرح عسكري مستفيض لمطالبة الجمهور بالاقتناع أنّه يفوز بالحرب، انتقل ترامب إلى اتّهام وسائل الإعلام، ومنها الأميركية، بـ«الخيانة العظمى» بسبب «نشرها الأكاذيب».
من الواضح أنّ السرد الطويل في المنشور للرئيس اليميني أتى لإيقاف النزيف الشعبي الذي يتعرّض له يومياً بسبب مجريات الحرب التي لم يجد لها مبرّراً أمام مؤيّديه قبل خصومه حتى الآن. وفي هذا السياق، اعتبر ترامب أنّه يمكنه «الفوز بالانتخابات الرئاسية فوزاً كاسحاً رغم أنّ 5 في المئة فقط من التغطية الإعلامية (للحرب) كانت إيجابية».
يبدو أنّ ترامب بدأ يستشعر بالخناق يضيق حول عنقه، فبعد «الخذلان» السياسي من أبرز الحلفاء، والاشتباك الكلامي مع بريطانيا تارة، وإسبانيا طوراً، خسر أيضاً دعم أبرز الناشطين الإعلاميين، على رأسهم كارلسون. وكما بيّن الأخير عن محاولة لإسكاته عبر ملفّات أمنية قضائية، أعلن ترامب جهاراً في ختام المنشور، الذي يرتقي إلى مستوى خطاب طويل، أنّه «سعيد للغاية» لرؤية رئيس «لجنة الاتصالات الفيدرالية» (FCC)، برندن كار، يراجع تراخيص بعض المؤسسات الإعلامية «الفاسدة».
وفي موازاة ذلك، هدّد بحجب العائدات المالية لهذه المؤسسات، مشيراً أيضاً إلى البرامج الليلية «السخيفة»، التي ينضوي برنامج كارلسون ضمنها. وبينما قال ترامب إنّ نسب مشاهدة هذه البرامج «كارثية»، إلّا أنّ مقطع كارلسون الأخير حاز على منصّة «إكس»، أكثر من 25 مليون مشاهدة و143 ألف إعجاب.
خسارة الإعلام
لعلّ أبرز ما ميّز منشور الرئيس الأميركي هو استخدام المصطلحات «القويّة»، بما شرحه أحد المعلّقين بأنّه يشير إلى الحالة العاطفية والذهنية التي يمرّ بها ترامب. منذ انطلاق العدوان على إيران نهاية شباط (فبراير) الماضي، يعيد ويُكرّر يومياً عبر تصاريح وتغريدات، أنّه دمّر القدرات العسكرية الإيرانية بشكل كامل، ثمّ يخرج ليطلب مساعدة الناتو من جهة، ودول آسيوية من بينها الصين من جهة أخرى، لفتح المجال أمام السفن في مضيق هرمز.
أمّا فريقه الوزاري، فحالته الإعلامية ليست بالأفضل، خصوصاً بعدما خرج وزير الحرب، بيت هيغسيث، يوم الجمعة الفائت، ليدّعي بتعجرف أنّ قادة إيران يختبئون تحت الأرض، بينما كانوا جميعم في الوقت نفسه يحيون فعاليات «يوم القدس العالمي» في شوارع طهران من دون حماية تُذكر. وهو ما تحوّل إلى موجة سخرية عارمة على منصات التواصل الاجتماعي، زادت من حالة الانهيار المتواصل للسردية التي روّجت لها الإدارة الأميركية بعد عمليّة أسر رئيس فنزويلا، نيكولاس مادورو، بأنّ قواتها قادرة على خلع أنظمة والتحكّم في شعوب خلال ساعات معدودة.
أمّا الآن، فتخسر إدارة ترامب حلفاءها الإعلاميين واحداً تلو الآخر، ويتعامل معها صقور اليمين كالسفينة التي تغرق. وحتّى خسائر الجنود الأميركيين وقواعدهم تغيب عن المحتوى الإعلامي لكارلسون وأخواته، كذريعة سهلة لو أرادوا تجييش الرأي العام وتوحيده إلى جانب سياسات الإدارة اليمينية. على النقيض تماماً، يتبرّء هؤلاء من أفعال ترامب، ويقتربون من مرحلة معاداة الإدارة التي تُمثّلهم.
أمام هذه الوقائع، حاول الرئيس الأميركي تسجيل نقطة في الحرب الإعلامية المستعصية عليه، بسبب غياب الإنجازات على الأرض من جهة، وتخلّي أبرز مؤيّديه عن مغامرته غير المبرّرة من جهة أخرى. ورغم محاولة استعمال الترهيب عبر حجب الأموال وتزييف دعاوى قضائية لإسكات الأصوات التي تأكل من رصيده الشعبي، إلّا أنّ لهيب المعارك على امتداد الشرق الأوسط تمتدّ إعلاميّاً إلى الداخل الأميركي بعد فشل ترامب في إيضاح أسباب قتله لزعيم دولة من مئة مليون مواطن، وتخبّطه المستمرّ في كيفيّة إيقاف كرة النار المتدحرجة من حرق الاقتصاد العالمي برمّته، من أجل عيون «إسرائيل».
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
