يشكّل عالم الترجمة الأدبية مساحةً حيوية تتقاطع فيها الإبداعية مع الرؤية الثقافية، وتتداخل فيها حسابات السوق مع رهانات القيمة الفنية، ولكن بين الجوائز العالمية وخطط دور النشر، يبرز سؤال الاختيار بوصفه بوابة العبور الأولى لأي عمل أجنبي إلى القارئ العربي.
الباحثة والمترجمة آلاء أبو زرار أكدت في حديثها لـ«سانا الثقافية» أن قرار ترجمة عمل أدبي لا يأتي اعتباطياً، بل تحكمه في المقام الأول الخطة التسويقية لكل دار نشر، بما يتناسب مع طبيعة جمهورها، والبلد الذي تعمل فيه.
وأوضحت أن ثمة دوراً تراهن على القيمة الأدبية العالية، فتنتقي روايات موجهة للقارئ الذوّاق الباحث عن نصوص رصينة، في حين تميل دور أخرى إلى العناوين الرائجة ذات الطابع التجاري، مستندةً إلى ما يتصدر وسائل التواصل الاجتماعي، حتى وإن كان وهجها مؤقتاً لا يصمد أمام الزمن.
معايير الاختيار.. بين القيمة الأدبية وسوق الجوائز
الجوائز العالمية، وشهرة المؤلف تشكل وفقاً لأبو زرار عاملين مؤثرين في قرار الاختيار، حيث تميل بعض الدور إلى ترجمة الأعمال المتوجة بجوائز مرموقة أو المكتوبة بأقلام معروفة عربياً وعالمياً، ضمن خطط سنوية توازن بين الأنواع الأدبية المختلفة، مشيرةً إلى أن اللغة الأجنبية تؤدي دوراً محورياً في عملية الانتقاء، حيث تتصدر اللغة الإنكليزية القائمة، إلى جانب الفرنسية والإسبانية واليابانية، وفقاً لاهتمامات الجمهور المتلقي.
وبيّنت أبو زرار أن نجاح الترجمة الأدبية لم يكن رهناً بالإلمام اللغوي فحسب، بل يتطلّب حساً أدبياً عميقاً يمكّن المترجم من نقل العمل من “روحه الأجنبية” إلى “روحه العربية”، حيث يبدو النص المترجم عملاً أصيلاً، فالمهمة كما ذكرت، لا تقتصر على نقل الكلمات، بل تتعداها إلى نقل مناخ حضاري كامل، عبر انتقاء تعابير رشيقة تحافظ على المعنى، وتمنح النص العربي جماله الخاص.
الترجمة.. إنجاز ثقافي وجسر حضاري
رأت أبو زرار أن الجوائز لم تكن معياراً مطلقاً للجودة، فثمة نصوص لم تنل حظها من التكريم رغم قوتها، غير أن نقل الأعمال المتوجة ظل ضرورة لإبقاء القارئ العربي ضمن السياق الأدبي العالمي.
كما اعتبرت أن قراءة الأدب المترجم، منحت القارئ انفتاحاً أكبر على الآخر، وعززت مرونته في تقبل الأفكار المختلفة، لتغدو الترجمة “سفير سلام” يقرّب المسافات، ويبدد الغموض، ويثري المكتبة العربية بقصص، وأفكار تحفز الكتاب العرب على مزيد من الإبداع والمنافسة.
واعتبرت أبو زرار أن فوز عمل مترجم للعربية بجائزة دولية يشكّل إنجازاً يُحسب للأدب العربي أيضاً، لأن المترجم شريك في إعادة خلق النص، ومنحه حياة جديدة بلغة أخرى، فعملية الترجمة، بحسب وصفها، فن قائم بذاته لا مجرد نقل آلي للكلمات، بل إعادة صياغة بروح موازية للنص الأصلي.
وأكدت أن الجوائز العالمية أدت دوراً مهماً في تحفيز المترجمين، ليس فقط عبر المكافآت المادية، بل من خلال الترويج للأعمال الفائزة والشراكات مع المعارض الدولية، ما منح المترجم مساحة أوسع من الحضور والانتشار، رغم أن بعضهم فضّل البقاء بعيداً عن الأضواء.
الترجمة.. شغف يواجه عقبات النشر
وعن تجربتها الشخصية، استعرضت أبو زرار ترجمتها لرواية بوليسية رومانسية لكاتب فرنسي محبوب لدى الشباب، أنجزتها بزمن قياسي وبشغف كبير، غير أن تأخر صدورها لأشهر طويلة أفسح المجال أمام مترجم آخر لنشر العمل ذاته مع دار أكثر مهنية، لتبقى ترجمتها حبيسة الأدراج رغم سبقها.
وختمت أبو زرار حديثها بالتأكيد على أن الترجمة تشكل جسراً حضارياً لا يلغي الخصوصية، بل يعززها، داعيةً إلى توفير الإمكانات اللازمة لدعم المترجمين، وتمكينهم لإخراج المزيد من الأفكار إلى النور، بما يرسخ حضور الثقافة العربية في حوارها المفتوح مع العالم.
أخبار سوريا الوطن١-سانا
syriahomenews أخبار سورية الوطن
