آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » التكيف مع الحياة في قصة “ثمرة الجوز العنيدة”لمفيد عيسى أحمد

التكيف مع الحياة في قصة “ثمرة الجوز العنيدة”لمفيد عيسى أحمد

 

د.محمود الضبع

المفتاح في قصة “ثمرة الجوز العنيدة “للأديب مفيد عيسى احمد لم يكن في ثمرة الجوز العنيدة، ولكن في الإنسان ذاته وممارساته العنيدة مع الحياة، فثمرة الجوز تعبر عن قوانين الطبيعة الثابتة التي تحكم المقاييس والأبعاد، وتتحكم في الزراعة والنباتات والأشجار، وكما يعرف المشتغلون بالزراعة، والعارفون بأسرارها أن التباشير الإثمار الأول في أي شجرة مثمرة لا تكون مكتملة النضع أو التكوين، وأحياناً تكون بمثابة اللقاح في الأشجار ذاتية التلقيح وأحياناً تكون مجرد محاولة في سبيل الإنتاج (الإثمار).

إذا للطبيعة قوانينها التي تحكمها، وليس على الإنسان أن يتدخل لمحاولة إجبارها على تغيير طبيعتها، أو تسييرها كما يرغب أو يحب أو يتوقع منها، غير أن هذه القصة تحكي عن سلوك الإنسان مع الطبيعة التي يتصور أنه لزاماً عليها أن تكون طوعاً لأمره لأنه سيدها ومالكها والمتحكم فيها، وغير ذلك مما يتوهمه البشر عموماً.

في القصة شخصيات ثلاث نموذج الرجل، ونموذج المرأة، ونموذج الشجرة الضخمة (شجرة الجوز)، فإذا تأملنا في دلالات ورمزيات كل شخصية كما أسست له المداخل النقدية وتناولته الفنون والآداب فسوف تجد الرجل في القصة يرمز إلى الإنسان عموماً في سياق علاقته مع الحياة وعلى نحو خاص يرمز إلى الرجل العنيد المناضل من أجل قناعاته وأفكاره وأوهامه أحياناً، إذ ما إن تترسخ في قناعاته فكرة أو خيال إلا ويسعى جاهداً من أجل تحقيقها مهما كلفه ذلك من أثمان، ومهما خسر في سبيل الوصول لغاياته

“لا بد لي من قطع شجرة الجوز التي زرعتها في حديقة منزلي، جهزت منشاراً وفأساً لذلك صار عمرها عشر سنوات ولم تثمر، لا فائدة منها سوى ظلها في الصيف ويمكنني الاستغناء عنه، فوجودها صار يشكل استفزازاً لي”

ويأتي نموذج المرأة في القصة ليحتمل رموزاً ودلالات تتعلق بصوت العقل والحكمة والوعي والتأمل، ويشير في الآن ذاته لحالة الاحتواء والدفء والمشاركة ويلوح في الأفق البعيد للقارئ المتأمل حالة الأم في علاقتها بالأبناء وهم يواجهون الحياة وليس ذلك ببعيد عن بعض أدوار الزوجة في الميراث الإنساني

“قالت زوجتي اترك الثمرة لن تحصل عليها، ليس عبثاً أن تخبئها أمها في أعلى غصن منها، اتركها فهي لا تريد لأحد أن يأخذها”

أما الشخصية الثالثة شجرة الجوز فتحيل إلى دلالات متعددة ترسخت في الوجدان الإنساني منها ما يتعلق بفكرة الجذور والماضي المتأصل الراسخ فينا فهل كان الرجل في القصة يسعى لإحداث القطيعة المعرفية مع الموروث الذي تعددت مداخل نقده وتحليله في العقود الأخيرة لمصلحة مواكبته الراهن العالمي الآن؟ أم هي مجرد محاولة للسيطرة عليه واستكشاف أسراره ليس إلا.

ومن الدلالات التي تحتملها شجرة الجوز إشارتها للطبيعة التي نعيش فيها ومعها، والأفكار والقناعات والانتماءات الفكرية التي تبنيناها بأنفسنا والأهداف التي كنا نسعى لتحقيقها ولا تستطيع الصبر عليها أكثر من ذلك، وتتصور بخيالنا الإنساني المحدود أننا لا بد أن نتخلص منها الآن.

ولعل أكثر الدلالات ارتباطاً بشجرة الجوز وثمارها في الموروث العربي، هو ما يحيل إلى الحكمة والمعرفة، وطريقها الصعب الوعر المحفوف بالمخاطر، فكما أن ثمار شجرة الجوز تكون قاسية وعنيدة ولا يسهل الوصول إلى ما بداخلها، فكذلك الحكمة والمعرفة عصية على الإنسان، ولا تكشف عن بعض مكوناتها إلا بعد جهد ومعاناة وقدرة على الصبر.

ويتعلق بشجرة الجوز، ما يمكن أن تطلق عليه الشخصية الرابعة في القصة. والتي احتلت موضع محور وقلب السرد. وهي ثمرة شجرة الجوز التي تحيل دلالياً إلى الحلم والأمل والوهم والتصورات التي يبنيها الإنسان في خياله حولها، فليس كل حلم يمثل قيمة وليس كل أمل يمثل حقيقة. وليس كل قناعة ترسخت في عقل الإنسان هي سليمة أو مشروعة، وليست كل فكرة تم الإيمان بها تستحق العمل من أجلها.

لكنه الإنسان يتجاوز عن لحظته، ويجري وراء فكرته التي صنعها في خياله، ويرغب في اقتطاف الثمرة التي تظهر له في الأفق، وهنا يتأسس الدور التراجيدي متمثلاً في صراع الإنسان مع الحياة وتجاربه ومحاولاته المستمرة التي لا ينجح منا سوى القليل عبر كل مسيرته: «أصابتني رضوض وسحجات مختلفة في جسدي، في صدري وبطني وساقي خاصة، وكان الألم شديداً أقعدني أياما عدة ومع ذلك لم أنقطع عن التفكير بكيفية الحصول على الثمرة..”

وهكذا هو الإنسان، يعاود تكييف حياته من جديد، معتمداً على إنتاج التبريرات والحجج والاعتبارات التي يلجأ إليها من أجل تبرير غايته التي يسعى إليها، وعندما تبوء المحاولة بالفشل في النهاية يجد المبرر الأعظم الذي اختتمت به القصة: “قدمتها بنزق وخيبة وجلست كمن يستريح من معركة خاسرة”

د محمود الضبع :قاص وناقد

 

 

 

 

(اخبار سوريا الوطن-الشارقة الثقافية )

x

‎قد يُعجبك أيضاً

نجاحات صغيرة وجرأة غير مسبوقة.. كيف بدت الدراما السورية في رمضان 2026؟

بات من الممكن الحكم على موسم الدراما السورية في رمضان 2026، ومبدئيا، يمكن القول إن الصناعة مستمرة رغم الظروف الصعبة التي تعيشها البلاد. وإن كان ...