آخر الأخبار
الرئيسية » السياحة و التاريخ » التنقيب العشوائي يهدد آثار درعا ويطمس معالمها التاريخية

التنقيب العشوائي يهدد آثار درعا ويطمس معالمها التاريخية

سمير المصري:

تعد محافظة درعا من أغنى المحافظات السورية بالمواقع واللقى الأثرية المتنوعة التي تعود إلى عصور تاريخية قديمة، إذ تنتشر هذه المواقع في معظم أرجاء المحافظة وتشهد على تعاقب حضارات مختلفة، من الرومانية والبيزنطية وصولاً إلى الإسلامية، إلا أن هذه المواقع تعرضت خلال السنوات الماضية لعمليات تخريب وسرقة متكررة، بالتزامن مع توسع ظاهرة التنقيب العشوائي عن الآثار، الأمر الذي بات يشكل تهديداً جدياً لما تبقى من الإرث الثقافي في المحافظة.

وخلال الفترة الماضية، تعرضت العديد من المواقع الأثرية في درعا لتعديات واسعة شملت تلالاً وبلدات قديمة تمتد من شمال المحافظة إلى جنوبها، في وقت تشير فيه الدراسات إلى أن المحافظة تضم عدداً كبيراً من المواقع الأثرية التي تعود إلى عصور تاريخية متعددة.

انتشار ظاهرة التنقيب العشوائي

أوضح مدير آثار درعا محمد خير نصر الله أن وجود المئات من المواقع الأثرية في المحافظة يتطلب جهوداً كبيرة وإمكانات واسعة لحمايتها، مؤكداً أن حماية هذه المواقع تمثل مسؤولية جماعية تتطلب تضافر الجهود في المرحلة الحالية للحفاظ على التراث الثقافي للمحافظة.

وأشار نصر الله إلى أن السنوات الماضية شهدت انتشاراً ملحوظاً لظاهرة التنقيب العشوائي، الأمر الذي أدى إلى تدمير ونهب ما تبقى من الآثار في المحافظة، موضحاً أن عمليات التنقيب غالباً ما تتم في مواقع معروفة لدى السكان باحتوائها على آثار قديمة تعود إلى العصور الرومانية والعثمانية وغيرها.

وأضاف أن عمليات التنقيب غير المشروع ازدادت منذ سقوط النظام المخلوع، ما يشكل خطراً حقيقياً على المعالم والنسيج الأثري في المحافظة، لاسيما في مناطق تشتهر بآثارها القديمة مثل بصرى الشام وتل شهاب ودرعا البلد، إضافة إلى المواقع الواقعة على طول مسار الخط الحديدي الحجازي.

تخريب واسع للمواقع الأثرية

وبيّن نصر الله أن عدد المواقع الأثرية المسجلة في محافظة درعا يتجاوز 180 موقعاً، إلا أن الكثير من معالم هذه المواقع تعرضت لتغيرات كبيرة أو لعمليات تخريب واسعة نتيجة استخدام أدوات الحفر الثقيلة في عمليات التنقيب، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بها جراء القصف الذي تعرضت له خلال السنوات الماضية.

وأوضح أن أكثر من 80 بالمئة من آثار المحافظة تعرضت للتخريب، ومن أبرز المواقع المتضررة تل أم حوران وبصرى الشام وتل شهاب وخربة غزالة ومحطة غرز وغيرها من المواقع الأثرية، كما أشار إلى أن العديد من اللقى الأثرية التي كانت موجودة في دوائر آثار المحافظة تعرضت للسرقة والتهريب إلى خارج البلاد.

ولفت نصر الله إلى أن القائمين بأعمال التنقيب العشوائي يستخدمون أجهزة إلكترونية متطورة وأخرى تقليدية للاستدلال على المواقع المحتملة للآثار والكنوز المدفونة، موضحاً أن أعمال التنقيب أصبحت مشهداً مألوفاً في بعض المناطق في ظل غياب الإجراءات الرادعة.

وأضاف أن بعض عمليات الحفر تتم باستخدام معدات ثقيلة مثل “البواكر” و”التركسات” والجرافات، ما يؤدي إلى تغيير المعالم الأثرية للعديد من المواقع وتدمير طبقاتها التاريخية.

إجراءات لحماية المواقع الأثرية

وأشار نصر الله إلى أن المديرية العامة للآثار والمتاحف أصدرت عدة قرارات وتحذيرات مشددة تؤكد أن الحفر والتنقيب العشوائي يدمر المواقع الأثرية ويفقدها قيمتها التاريخية، كما يسهم في تلف اللقى الأثرية نتيجة غياب الأساليب العلمية المتخصصة في التنقيب.

وبيّن أن الجهود التي بذلت خلال الفترة الماضية أسفرت عن وقف عدد من التعديات وإحالة المتورطين إلى القضاء المختص، حيث تم تنظيم العديد من الضبوط اللازمة لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.

وأكد نصر الله ضرورة اتخاذ مجموعة من الإجراءات للحفاظ على المواقع الأثرية من أعمال التخريب والتعديات، من بينها زيادة الكوادر الوظيفية من مهندسين وآثاريين وحراس جوالين، إضافة إلى تأمين سيارات ودراجات نارية لمتابعة الجولات الدورية على المواقع الأثرية.

وأوضح أن الإمكانات والكوادر التقنية المتوفرة حالياً لا تكفي لحماية هذه المواقع، خاصة أن عدد الحراس لا يتجاوز ربع العدد المطلوب، ما يحد من القدرة على مراقبة المواقع الأثرية المنتشرة في أنحاء المحافظة.

كما دعا إلى تفعيل دور المجالس المحلية والبلديات ومديرية العقارات، من خلال وضع إشارات تعريفية على المواقع والأبنية الأثرية وتطبيق القوانين الخاصة بحماية الآثار عند منح رخص البناء.

وشدد كذلك على أهمية دور المجتمع المحلي في التصدي لظاهرة التنقيب العشوائي وعدم السماح بأي أعمال حفر أو تخريب، إضافة إلى تنظيم حملات توعية بأهمية هذه المواقع باعتبارها إرثاً تاريخياً وثقافياً للمحافظة.

مواقع متضررة

بدوره، أوضح رئيس شعبة المباني في دائرة آثار درعا أحمد الحريري أن أكثر التعديات التي سجلت منذ بداية العام الحالي كانت في منطقة غرز شرقي مدينة درعا، إضافة إلى تل الحارة وداعل وعدد من المواقع الأخرى.

وأشار الحريري إلى تسجيل تعديات أيضاً في البلدات القديمة في معظم مدن وبلدات المحافظة، موضحاً أنه تم بالتعاون مع الجهات المعنية في المحافظة وقيادة الأمن الداخلي إيقاف عدد من عمليات الحفر والتنقيب في البلدات القديمة في إزرع ودرعا البلد ونوى وأبطع وتل السمن.

وأضاف أنه جرى تحديد المخالفين وتنظيم الضبوط اللازمة بحقهم وإحالتها إلى إدارة قضايا الدولة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

وأكد الحريري أن مكافحة ظاهرة الحفر والتنقيب العشوائي تتطلب تفعيل دور الحراس الجوالين وزيادة عددهم وتأمين وسائل النقل اللازمة للقيام بالجولات الميدانية ومراقبة المواقع الأثرية.

وأشار إلى ضرورة توفير المؤازرة اللازمة للحراس أثناء قيامهم بمهامهم، مؤكداً استمرار الجهود للحد من عمليات التنقيب غير المشروع حفاظاً على الإرث الثقافي والحضاري الذي تمثله هذه المواقع.

تهديد للهوية الثقافية

من جانبه، حذر الباحث الأثري نضال شرف من خطورة ظاهرة التنقيب العشوائي لما تسببه من تدمير للهوية التاريخية والحضارية السورية.

وأوضح أن تخريب أي موقع أثري أو سرقة قطعة أثرية يؤثر بشكل مباشر على الهوية التاريخية، مؤكداً أهمية دور المنظمات الدولية المعنية بالآثار مثل اليونسكو والمجلس الدولي للآثار في دعم الجهود الرامية إلى حماية هذه المواقع.

وأشار شرف إلى ضرورة إطلاق برامج دعم مجتمعية لتوعية المواطنين بأهمية هذه المواقع الأثرية، والعمل على إعادة تأهيل المواقع المتضررة ومنع سرقة الآثار وتهريبها إلى الخارج.

كما شدد على أن حماية التراث الثقافي مسؤولية جماعية، داعياً إلى تحسين الظروف المعيشية والتعليمية للشباب للحد من لجوئهم إلى التنقيب العشوائي، إضافة إلى محاسبة المتورطين في تخريب المواقع الأثرية وتهريب القطع الأثرية.

ضحايا التنقيب العشوائي

ولا تقتصر آثار التنقيب العشوائي على تدمير المواقع الأثرية فحسب، حيث أدت أيضاً إلى وقوع ضحايا نتيجة انهيارات التربة وعمق الحفر الذي يصل أحياناً إلى أكثر من 30 متراً.

وبحسب المعطيات، فقد بلغ عدد الضحايا خلال الفترة الماضية أكثر من عشرة أشخاص إضافة إلى عدد من الإصابات في بلدات غباغب وجباب والمزيريب وغيرها، نتيجة انهيار الحفر أثناء عمليات التنقيب.

وتعكس هذه الحوادث المخاطر الكبيرة التي تنطوي عليها هذه الأعمال، في ظل غياب إجراءات رادعة كافية للحد من هذه الظاهرة التي تحولت لدى بعض المواطنين إلى وسيلة للبحث عن الثراء السريع والهروب من البطالة.

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سوريا تشارك للمرة الأولى بعد التحرير في معرض برلين الدولي للسياحة والسفر

شاركت سوريا للمرة الأولى بعد التحرير في معرض برلين الدولي للسياحة والسفر ITB بنسخته الستين في ألمانيا، عبر جناح يضم وزارة السياحة وعدداً من شركات السياحة والسفر ...