آخر الأخبار
الرئيسية » إدارة وأبحاث ومبادرات » الثورة السورية.. الأسباب البعيدة والمباشرة لانطلاقها في آذار 2011

الثورة السورية.. الأسباب البعيدة والمباشرة لانطلاقها في آذار 2011

أغيد أبو زايد

للعام الثاني على التوالي، يحتفل السوريون بذكرى اندلاع الثورة السورية التي انتهت بالإطاحة بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد في الثامن من كانون الأول 2024، بعد تضحيات استمرت أكثر من 13 عاما، حيث ذاق الشعب السوري الويلات في سبيل إنهاء نظام حكم استبدادي دام أكثر من 54 سنة، في عهد الأسدين، الأب والابن.

إذ لم تأت الثورة السورية في آذار عام 2011 نتيجة أسباب لحظية، بل كانت ثمرة تراكمات معقدة على مدار أكثر من خمسة عقود، بدأت باستيلاء حافظ الأسد على السلطة بانقلاب عسكري في 16 تشرين الثاني سنة 1970، عرف آنذاك بـ”الحركة التصحيحية”، بعد صراع طويل على السلطة داخل “حزب البعث”، ليصبح الأسد رئيسا للجمهورية العربية السورية بعد ذلك بسنة واحدة، عقب تصفية خصومه السياسيين والعسكريين، وتدخل سوريا في حقبة الاستبداد التي انتهت بإسقاط النظام نهاية عام 2024.

هذه العوامل البعيدة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الممتدة على مدار عقود، وما لحقها من أسباب مباشرة في الأشهر الأولى من عام 2011، أدت في مجملها إلى اندلاع الثورة السورية لإنهاء حقبة سوداء في تاريخ سوريا الحديث، وهي الثورة التي توجت بالنصر بعدما مرت بمراحل متعددة خلال أكثر من 13 عاما، إضافة إلى ما سبق ذلك بسنوات في عهد الأسدين، إذ ناضل السوريون لسنوات قبل الوصول إلى الذروة إبان الربيع العربي.

أسباب اندلاع الثورة السورية

بدأت إرهاصات الثورة السورية قبل أشهر من انطلاقها نتيجة التأثر بالربيع العربي، الذي انطلق بالثورة التونسية في 17 كانون الأول 2010، وتبع ذلك سقوط النظامين المصري والليبي، وبدء حراك شعبي ضد النظام اليمني، ما أعطى الأمل للشعب السوري بإمكانية إحداث تغيير سياسي في سوريا، حيث بدأت إرهاصات انتهت في نهاية المطاف إلى إشعال أحداث الثورة بهدف التغيير السياسي في البلاد.

إذ اندلعت الثورة السورية نتيجة أسباب مباشرة تعود إلى شهر شباط 2011، وأخرى تراكمية على مدار عقود، تتعلق بالقمع السياسي، وسلب الحريات العامة، وغياب الديمقراطية، وما يلحق بذلك من قبضة أمنية وتفشي الفساد، في ظل حكم الحزب الأوحد المتمثل بـ”حزب البعث”، إلى جانب عوامل اقتصادية واجتماعية.

إن فهم الأسباب التي أدت إلى اندلاع الثورة السورية عام 2011 يقتضي النظر إليها في إطارها البنيوي الطويل، لا بوصفها رد فعل على حادثة الكتابة والاعتقال، فقد تشكلت خلال عقود منظومة حكم مغلقة قامت على احتكار السلطة وإضعاف المجال السياسي العام، حيث تراجعت الحياة الحزبية الفعلية حتى داخل الحزب الأوحد، وغابت آليات المشاركة والتداول، الأمر الذي أدى تدريجيا إلى حالة من الانسداد السياسي العميق بين الدولة والمجتمع، بحسب السياسي والدبلوماسي بشار علي الحاج علي.

إلى جانب ذلك، لعب تغول الأجهزة الأمنية دورا محوريا في إعادة تشكيل طبيعة الدولة نفسها، إذ تحولت المقاربة الأمنية، مع مرور الزمن، من وظيفة مرتبطة بحماية الدولة إلى أداة رئيسية لإدارة السياسة والمجتمع. وهذا التحول أضعف فكرة الدولة القانونية والمؤسساتية، وأنتج علاقة تقوم على الخوف والضبط أكثر مما تقوم على التمثيل والثقة المتبادلة.

وشهدت السنوات التي سبقت عام 2011، وفق حديث الحاج علي لصحيفة “الثورة السورية”، تحولات اقتصادية مهمة اتسمت بتراجع الدور الاجتماعي التقليدي للدولة، مقابل صعود نموذج اقتصادي قائم على الامتيازات المرتبطة بشبكات النفوذ والسلطة. ومع اتساع الفجوة الاجتماعية، وتنامي مظاهر الفساد، وضعف المؤسسات الرقابية والقضائية، تآكل تدريجيا ما يمكن وصفه بالعقد الاجتماعي الضمني بين الدولة والمجتمع.

وفي هذا السياق المتراكم، جاءت حادثة اعتقال الأطفال في مدينة درعا، والطريقة التي جرى بها التعامل مع مطالب الأهالي بالإفراج عنهم، إذ فهمت تلك الواقعة في الوعي العام على أنها إهانة مباشرة للكرامة الاجتماعية، الأمر الذي حول حادثة محلية إلى لحظة كاشفة لحجم الاختلال في العلاقة بين السلطة والمجتمع، لتبدأ بعدها الاحتجاجات الأولى.

غير أن العامل الذي أسهم في اتساع الحركة الاحتجاجية واستمرارها كان طبيعة استجابة المنظومة الحاكمة نفسها، إذ اتسمت هذه الاستجابة بدرجة عالية من الغرور السياسي، والاعتقاد بقدرة الحل الأمني والعسكري على احتواء “الأزمة”، الأمر الذي دفع باتجاه اعتماد المقاربة القسرية بدل فتح مسار سياسي لمعالجة الأسباب العميقة للاحتجاج.

ومع تصاعد هذا النهج، تحولت الاحتجاجات من حالة محلية محدودة إلى حركة احتجاج واسعة امتدت إلى معظم الجغرافيا السورية، حيث خرج السوريون في مدنهم وبلداتهم وقراهم مطالبين بالكرامة والعدالة والإصلاح السياسي. وهكذا لم يكن انتشار الثورة مجرد انتقال جغرافي للاحتجاج، بل تعبيرا عن عمق الأزمة البنيوية التي كانت قد تراكمت داخل بنية النظام السياسي نفسه.

ويرى الدبلوماسي بشار الحاج علي أن الثورة السورية لم تكن حدثا مفاجئا، بل نتيجة التقاء انسداد سياسي طويل، واقتصاد قائم على الامتيازات والفساد، وهيمنة أمنية على المجال العام، ثم استجابة سلطوية اعتمدت الحل الأمني بدل المعالجة السياسية، الأمر الذي حول الاحتجاجات الأولى إلى حركة وطنية واسعة.

العوامل الاجتماعية والاقتصادية

إلى جانب الأسباب السياسية، برزت عوامل اقتصادية واجتماعية تراكمية ساهمت إلى حد كبير في اندلاع الثورة السورية، أبرزها الفقر المدقع الذي وصل إلى نسبة 34 بالمئة من السكان، والبطالة المرتفعة، نتيجة فساد المحسوبيات وتركز الثروة في أيدي رجالات النظام نفسه.

إذ امتلكت نخبة صغيرة النسبة الأكبر من ثروات البلاد، في حين كانت شرائح واسعة من المجتمع تعاني من الفقر نتيجة تفاوت الدخل، وسحق الطبقة الوسطى تدريجيا بفعل سياسات النظام الممنهجة في السنوات الأخيرة، من إلغاء الدعم عن المحروقات والسلع الأساسية، ما أدى إلى ظهور الطبقية وتضرر الطبقة الفقيرة، وباتت سوريا من أعلى الدول في تفاوت الدخل، بينما وصلت نسبة الفقر المدقع بين السوريين إلى 34.3 بالمئة في عام 2010.

وفيما يخص العوامل الاجتماعية، تركزت التنمية في مراكز المحافظات، خاصة العاصمتين السياسية والاقتصادية، على حساب المحافظات الأخرى، ما أدى إلى سخط اجتماعي، في وقت كانت سوريا تشهد انفجارا سكانيا وشبابيا شكل ضغطا على سوق العمل، الذي كان يعاني في الأساس من ضعف الفرص ونظام الحماية الاجتماعية.

ولا تغيب القيود الاجتماعية التي فرضها النظام المخلوع على مدار عقود، حيث وصلت سياسة القمع الأمني إلى التدخل في التكوينات الاجتماعية ومحاربة الدين والمتدينين والتضييق عليهم، نتيجة سياسات “حزب البعث” الذي استلم السلطة في البلاد سنة 1963، وفرض تغييرات داخل المجتمع السوري لا تتناسب مع الأغلبية، ما ولد شعورا بالظلم وانعدام المساواة، خاصة بعد أحداث مدينة حماة مطلع ثمانينيات القرن الماضي.

القمع السياسي وغياب الحريات

كان القمع السياسي وغياب الحريات والواقع الأمني الصارم في سوريا خلال حكم عائلة الأسد من أهم العوامل التي مهدت لاندلاع الثورة السورية عام 2011. فقد نشأ النظام السياسي السوري منذ استلام “حزب البعث” للسلطة عام 1963 على أسس سلطوية تقوم على احتكار السلطة وتقييد الحياة السياسية.

ومع وصول حافظ الأسد إلى الحكم عام 1970، ثم توريث الحكم لاحقا إلى ابنه بشار الأسد عام 2000، استمر النظام في إدارة الدولة عبر بنية سياسية مركزية تهيمن عليها الرئاسة و”حزب البعث” والأجهزة الأمنية. وفي هذا النظام لم تكن هناك تعددية سياسية حقيقية أو انتخابات تنافسية فعالة، كما كانت حرية التعبير والتنظيم السياسي والصحافة خاضعة لقيود شديدة، ما أدى إلى تراكم حالة من الاحتقان السياسي لدى قطاعات واسعة من المجتمع السوري، بحسب الباحث في القانون والعلاقات الدولية المعتصم الكيلاني.

واعتمد النظام كذلك على شبكة واسعة من الأجهزة الأمنية والمخابرات التي لعبت دورا أساسيا في مراقبة المجتمع وقمع أي نشاط معارض، إذ وثقت تقارير حقوقية عديدة استخدام الاعتقال التعسفي والتعذيب ضد المعارضين السياسيين والنشطاء، وكانت هذه الممارسات جزءا من أسلوب الحكم منذ عقود. وهذا الواقع الأمني خلق حالة خوف دائمة في المجتمع السوري، لكنه في الوقت نفسه عمق الشعور بالظلم والإحباط لدى فئات واسعة من السكان، خصوصا مع استمرار القيود على الحياة السياسية وعدم وجود قنوات قانونية للتعبير عن المعارضة أو المطالبة بالإصلاح.

وفي هذا السياق، أدى غياب الحريات المدنية والسياسية إلى جعل الاحتجاج الشعبي الوسيلة الرئيسية للتعبير عن الغضب الاجتماعي والسياسي عندما بدأت موجة الربيع العربي في عدد من الدول العربية، بحسب حديث الكيلاني لصحيفة “الثورة السورية”. فقد تأثر السوريون بالاحتجاجات التي شهدتها دول عربية أخرى، وبدأت تظهر دعوات إلى الإصلاح السياسي وإنهاء الفساد وتوسيع الحريات. ومع غياب مؤسسات سياسية قادرة على استيعاب هذه المطالب أو التفاوض حولها، تحولت الاحتجاجات الشعبية إلى وسيلة مباشرة لمواجهة النظام والمطالبة بالتغيير.

أما الشرارة المباشرة التي فجرت الاحتجاجات، فقد وقعت في مدينة درعا في آذار 2011، عندما اعتقلت السلطات مجموعة من الأطفال بعد كتابتهم شعارات مناهضة للنظام على الجدران. وتعرض الأطفال للتعذيب أثناء احتجازهم، الأمر الذي أثار غضبا واسعا بين سكان المدينة، وأدى إلى خروج مظاهرات للمطالبة بإطلاق سراحهم ومحاسبة المسؤولين. غير أن الرد الأمني العنيف على هذه الاحتجاجات أدى إلى سقوط قتلى بين المتظاهرين، ما تسبب في انتشار المظاهرات إلى مدن ومناطق أخرى في البلاد.

وفي البداية كانت الاحتجاجات في سوريا ذات طابع سلمي، وتركزت مطالبها حول الإصلاح السياسي وتوسيع الحريات وإنهاء الفساد. لكن مع تصاعد استخدام القوة من قبل قوات الأمن ضد المتظاهرين، ازداد الغضب الشعبي واتسعت رقعة الاحتجاجات، ثم بدأت بعض المجموعات المعارضة بحمل السلاح، ما أدى تدريجيا إلى تحول الثورة من انتفاضة شعبية سلمية إلى صراع مسلح واسع النطاق عرف لاحقا باسم حرب أهلية.

الوضع الإقليمي وتأثيره في اندلاع الثورة السورية

لعب الوضع الإقليمي دورا مهما في تهيئة الظروف التي ساهمت في اندلاع الاحتجاجات في سوريا، إذ لم يكن العامل الداخلي وحده كافيا لتفسير انطلاقها وسرعة انتشارها، ويمكن إبراز هذا الدور عبر عدة عناصر، أهمها تأثير موجة التغيير في المنطقة بعد اندلاع الربيع العربي في دول مثل تونس ومصر وليبيا، ما خلق حالة من الإلهام السياسي لدى قطاعات من المجتمعات العربية، بحسب الناشطة السياسية ميديا حمدوش.

إذ أعطى نجاح الاحتجاجات في تلك الدول شعورا بأن التغيير السياسي ممكن عبر الضغط الشعبي، وهو ما انعكس على المزاج العام في سوريا.

إلى جانب ذلك، لعبت التحولات الإقليمية بعد حرب العراق دورا في اندلاع الثورة السورية، نتيجة تغييرات كبيرة في موازين القوى في المشرق العربي. وهذه التحولات أثرت في البيئة السياسية والأمنية المحيطة بسوريا، وفتحت نقاشات أوسع في المنطقة حول الإصلاح السياسي ومستقبل الأنظمة الحاكمة، وفق حمدوش.

إضافة إلى ذلك، فإن الضغوط السياسية الإقليمية والدولية كان لها أثر كبير، خصوصا بعد اغتيال رفيق الحريري وما تبعه من توتر في العلاقات مع بعض الدول العربية والغربية. وهذه الضغوط السياسية والعزلة الإقليمية أسهمتا في زيادة حساسية المشهد السياسي الداخلي، ناهيك عن التحالفات الإقليمية للنظام المخلوع، خصوصا مع إيران و”حزب الله” في لبنان، ما جعل سوريا جزءا من شبكة صراعات إقليمية أوسع. إذ ترى حمدوش، في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، أن هذا الموقع الإقليمي المعقد انعكس على الداخل السوري، سواء من حيث الضغوط الخارجية أو الانقسامات السياسية.

وبالمحصلة، يمكن القول إن اندلاع الاحتجاجات في سوريا كان نتيجة تفاعل بين عوامل داخلية وأخرى إقليمية، فقد وفر الوضع الإقليمي، وخاصة موجة الاحتجاجات العربية والتحولات السياسية في المنطقة، بيئة مشجعة على التعبير عن المطالب السياسية والاجتماعية داخل سوريا، بينما ساهمت الضغوط والتحالفات الإقليمية في تعقيد المشهد وتسريع تطوره.

وبناء على ذلك، فإن القمع السياسي وغياب الحريات في سوريا شكلا العامل البنيوي الأساسي الذي راكم التوتر والغضب الشعبي على مدى سنوات طويلة. وعندما تزامنت هذه الظروف مع موجة الاحتجاجات الإقليمية، ومع حادثة درعا التي أشعلت الغضب الشعبي، تحولت هذه التراكمات إلى حركة احتجاجية واسعة سرعان ما تطورت إلى ثورة وصراع طويل الأمد، انتهى بتحقيق مطلب الشعب وهدفه بإسقاط النظام ودخول سوريا في حقبة سياسية جديدة.

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وزارة الاتصالات تطلق مساراً لتطوير البريد السوري وتحويله إلى منصة حديثة للخدمات

أصدرت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات وثيقة طلب معلومات لإقامة شراكة استراتيجية لتطوير المؤسسة السورية للبريد، داعية المشغلين من القطاع الخاص والمستثمرين والائتلافات المؤهلة إلى تقديم تصوراتهم وخبراتهم ومقترحاتهم الأولية، ...