آخر الأخبار
الرئيسية » من المحافظات » الجزيرة السورية بين تراث الماضي وواقع الحاضر

الجزيرة السورية بين تراث الماضي وواقع الحاضر

زهور رمضان

تمتد الجزيرة السورية، الغنية بتراث الحضارات القديمة، لتصبح اليوم في قلب تحولات مصيرية ومعقدة. وما كان يوماً نعمة يتمثل في موقع استراتيجي وخصوبة أرض، تشكل اليوم إرثاً وإطاراً لظروف استثنائية عاشتها المنطقة خلال سنوات مضت.

تحمل هذه الجغرافيا اليوم في طياتها قصصاً إنسانية عميقة، حيث تحولت الحياة اليومية للعائلات إلى مسار طويل من التحديات والصمود، في بحث دؤوب عن شروط الاستقرار والأمان في فضاء جغرافي وسياسي أصبحت معالمه مشوشة بين ماضٍ غني وحاضر مليء بالتعقيدات.

وحولت الظروف التي مرت بها المنطقة الجغرافيا من مفهوم محايد للإقامة والعيش، كما يصف الباحث الاجتماعي آصف جنيدي، إلى عامل ضغط مستمر على السكان. فبينما كانت المنطقة موطناً للحضارات، تشكل اليوم فسيفساء معقدة من المناطق الآمنة وغير الآمنة، ما أثر على مصائر ملايين السكان وبات عبئاً ثقيلاً على كاهل العائلات التي تقطن هناك، حيث ازدادت المشكلات، وحولت الحياة اليومية إلى رحلة بحث مضنية عن الأمان والاستقرار الذي فقدوه.

حياة السكان بين اشتراطات المكان والزمان

ضمن التحولات السابقة، يبقى السكان المحليون في قلب هذه المعادلة، فهم الأكثر تأثراً بتداعياتها، حيث تتشابك تحديات الحياة اليومية الملموسة مع إكراهات الواقع العام الأوسع، مع سؤال الأمان والاستقرار، والسعي الدائم نحو الطمأنينة.

يعبر السكان عن واقع حياتي تركت الظروف المتقلبة بصماته الواضحة على تفاصيله. يقول رمضان العبد الله من قرية المحمودلية التابعة لمدينة الطبقة، في اتصال هاتفي مع “الثورة السورية”: “كنا نعتبر موقعنا الجغرافي نعمة، فمجاورتنا للنهر كانت بالنسبة لنا هبة تعني زراعة أفضل، وقربنا من الطرق يعني حياة أسهل”. ويستطرد موضحاً كيف تغير هذا الإدراك مع الزمن: “لكن خلال السنوات الماضية أصبحت حياتنا معضلة حقيقية، بتنا ندفع ثمنها في كل نزاع، كنا في كل تحرك نقع تحت طائلة المسائلة والشك”.

هذا الشعور بالإرباك وانعدام الطمأنينة يشاركه فيه كثيرون. يذكر محمد شبوط من مدينة الطبقة لـ ” الثورة السورية” أن الأجواء كانت مشحونة بالخوف، قائلاً: “لم أكن أسمح لأطفالي بالخروج من المنزل ليلاً، لأن ذلك كان يعتبر مخاطرة، فالسير في شوارع المدينة كان مرعباً حيث تجدها شبه خالية”. وقد شهدت مناطق الجزيرة السورية، كما بين السكان، صعوبات كثيرة شملت عمليات الاغتيال والخطف والسرقات وخاصة حالات الخطف مقابل فدية، ما ولّد جواً من الخوف والقلق الدائم لدى العائلات القاطنة هناك.

ومع ذلك، يلاحظ البعض تحسناً نسبياً في الفترة الأخيرة، حيث يضيف محمد شبوط: “أما حالياً بدأت المناطق تعمر بالناس بعد استعادة الأمن فيها، ما ساعد في عودة الطمأنينة والراحة إلى قلوب السكان بعد سنوات من المعاناة والخوف”. وهذا التحسن، ولو كان نسبياً، يلمّح إلى الأثر النفسي العميق لاستعادة الشعور بالأمان على الحياة المجتمعية.

اختبار الصمود اليومي إلى جانب الهواجس الأمنية

واجه السكان انهياراً متراكماً وشاملاً في الخدمات الأساسية والبنى التحتية التي تشكل عصب الحياة المجتمعية. يشرح الباحث الاجتماعي آصف جنيدي لـ “الثورة السورية” أن “المنطقة عانت من تشظٍ إداري وتراجع حاد في الخدمات”، مؤكداً أن “العبء الإداري تمثل في واقع إداري مشوّه يتمثل في تعدد السلطات المتعارضة ووجود كيانات إدارية متداخلة”.

ويشير جنيدي إلى أن “انهيار الخدمات الأساسية مثل البنى التحتية الحيوية من جسور (كجسر الرشيد في الرقة)، ومحطات مياه وكهرباء، ومستشفيات ومدارس، أو تحويلها لاستخدامات عسكرية شكل مشكلة حقيقية للعائلات”. وقد أدى هذا التدمير، بالإضافة إلى انتشار الحواجز العسكرية التابعة لأطراف مختلفة سابقاً، إلى خلق عقبات هائلة في التنقل والحياة اليومية. ويوضح أن كل ذلك “حوّل التنقل بين المدن والقرى إلى رحلة محفوفة بالمخاطر والمهانة، معيقة الوصول للعلاج أو الأسواق أو حتى زيارة الأقارب”. هذا الواقع فرض على العائلات نمطاً معيشياً قائماً على التأقلم القسري مع الشح وتدهور جودة الحياة.

تداعيات عميقة على النسيج المجتمعي

ربما تكون الآثار غير الملموسة على الهوية والسلامة النفسية للأفراد والمجتمع هي الأكثر استمرارية وخطورة. يشير جنيدي إلى أن “تمزق الهوية والنسيج المجتمعي يتجلى في تأثير اجتماعي على مستويات عميقة، أدى إلى تفكك النسيج الاجتماعي”. فقد انتشرت الانقسامات في النسيج الاجتماعي وسادت المشكلات نتيجة النزاع على الموارد.

ويوضح جنيدي أن “سياسات الاستقطاب والاعتقالات الانتقائية نفخت في نار الصراع الهوياتي بين المكونات الاجتماعية، وتقوض الثقة المتبقية التي تشكل أساس العيش المشترك”. كما تناولت تقارير منظمات حقوق الإنسان انتهاكات متعددة وعنفاً قائماً على النوع الاجتماعي وتجنيداً للأطفال من قبل تنظيم “قسد”، ما عمق من هذه الجراح.

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_وكالات _الثورة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جمعية سنديان تكرّم رئيس مجلس مدينة طرطوس تقديرًا لجهوده في خدمة المجتمع المدني والبيئي

  تعبيراً عن تقديرها لجهوده في خدمة المجتمع المدني والبيئي؛ قدّمت جمعية سنديان لحماية البيئة والتنمية المستدامة درع شكر وتقدير لرئيس مجلس مدينة طرطوس المهندس ...