خلال الأسبوع الأول من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، استهدفت مسيّرات مجهولة ثلاثة مرافق لمراكز بيانات تديرها «أمازون ويب سيرفيسز» AWS في الإمارات والبحرين. قالت الشركة إن منشأتين في الإمارات تعرضتا لضربة مباشرة، وإن ضربة قريبة ألحقت أضراراً ببنية منشأة لها في البحرين، مع توقّع تعافٍ طويل بسبب الضرر المادي ومشكلات في الكهرباء والاتصال. كما وُصفت الحادثة بأنها أول هجوم عسكري مُعلن التأكيد على مزوّد سحابي فائق الحجم ضمن نزاع مسلح.
أكدت «أمازون» وقوع الأضرار وامتنعت عن تسمية الجهة المسؤولة. وتناولت وكالة «فارس» الإيرانية الهجمات عبر «تيليغرام»، فيما نسبت «بلومبرغ» المسؤولية إلى إيران استناداً إلى معطيات أوردتها منظمة Holistic Resilience غير الربحية التي ترصد الغارات الجوية. ومع غياب إعلان رسمي حاسم من الأطراف المعنية، تبقى المسؤولية النهائية موضع تساؤل.
الرهان الأميركي في الخليج
قبل اندلاع الحرب، كانت واشنطن وشركاؤها يدفعون باتجاه توسّع كبير في بنى الذكاء الاصطناعي داخل الولايات المتحدة وخارجها. في كانون الثاني (يناير) 2025، أعلنت «أوبن آي أي» عن إطلاق مشروع «ستارغيت» في الولايات المتحدة باستثمار يصل إلى 500 مليار دولار خلال أربع سنوات.
وفي أيار(مايو) 2025، أعلنت الشركات المشاركة عن إطلاق «ستارغيت الإمارات» في أبوظبي بالشراكة بين «أوبن آي أي» و«سوفت بنك» و«أوراكل» و«إم جي إكس» و«إنفيديا» وG42 الإماراتية، ضمن مجمع يمتد على 26 كيلومتراً مربعاً، وبطاقة حوسبة تصل إلى 5 غيغاواط، وبكلفة 30 مليار دولار، على أن يشكّل المشروع نفسه منظومة من الخوادم تعمل معاً ضمن بنية واحدة بقدرة 1 غيغاواط مع مرحلة أولى 200 ميغاواط.
جاذبية الإمارات للشركات الأميركية مفهومة: طاقة أقل كلفة، أراضٍ متاحة، وموقع قريب من أسواق واسعة. ما تغيّر مع الحرب هو أن معادلة الجدوى صارت تشمل أمن التشغيل واستمرارية الخدمة بالإضافة إلى الكلفة.
تأثير الضربة مستمر
تسببت الضربات في أضرار هيكلية واضطراب في الطاقة وأثر ناتج من عمليات الإطفاء، ما أدى إلى تعطّل واسع وخدمات متقلبة لدى عملاء في المنطقة، بينهم مؤسسات مالية وشركات تعتمد على AWS. وفي تغطية متخصصة، ذُكر أن اضطرابات الطاقة في منطقة الإمارات تسببت في تعطّل خدمات أساسية في AWS في الإقليم وفقاً لـ«رويترز».
قالت وكالة «فارس» إنّ منشأة البحرين استُهدفت للكشف عن «دور هذه المراكز في دعم الأنشطة العسكرية والاستخباراتية للعدو». وبصرف النظر عن تقبل البعض لهذا الادعاء، هناك وقائع مريبة: وزّعت وزارة الدفاع الأميركية عقود «السحابة القتالية المشتركة» JWCC على عدة مزوّدين تجاريين بينهم AWS، ما يثبت دخول السحابة التجارية ضمن منظومة القتال الأميركية.
وبعد ضرب مرافق «أمازون»، سُجّلت اضطرابات متلاحقة في خدمة «كلود». أظهرت صفحة الحالة الرسمية لـ «أنثروبك» (مالك النموذج) أنّ الخلل بدأ في واجهات الاستخدام وتسجيل الدخول، ثم امتد إلى الواجهات البرمجية API ونماذج محددة، قبل أن يتكرر في اليوم التالي. ورغم غياب دليل حاسم يربط هذه الأعطال مباشرةً بضرب «أمازون»، فإنّ تزامن الحدثين كشف عن هشاشة الاعتماد على بنية سحابية واحدة في منطقة جغرافية صارت جزءاً من ساحة الحرب. وبعد ذلك بأيام، نقلت «رويترز» أن AWS بدأت مساعدة العملاء على نقل «العمليات الحاسوبية» إلى أمكنة أخرى.
كل مركز بيانات يتوقف عن العمل في الخليج يعني تأخيراً فعلياً في قدرة تشغيل النماذج الأميركية وتوسيعها في منطقة تراهن عليها الشركات من أجل القرب من المستخدمين والأسواق. ومع دخول هذه المرافق دائرة الخطر، ترتفع كلفة التأمين والتشغيل، ويصير التوسع خياراً مشروطاً بحسابات أمنية ومالية دقيقة. وعندما يتعثر طرف في سباق البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، سيلتقط المنافسون الفرصة.
الأثر لا يضرب رأس المال وحده. فهذه المنطقة تجلس أيضاً فوق جزء حساس من سلاسل التوريد المرتبطة بصناعة الرقائق. تؤمن قطر نحو ثلث إنتاج الهيليوم العالمي، وهو عنصر أساسي في الصناعات الدقيقة. وتُظهر بيانات «هيئة المسح الجيولوجي الأميركية» بأنّ إسرائيل والأردن من كبار المنتجين عالمياً للبروم ومركباته، وهي مواد تستخدم في عمليات صناعية مرتبطة بالرقائق. معنى ذلك أنّ أي نزاع طويل هنا لا يهدد الخوادم ومراكز البيانات فقط، إنما يضغط أيضاً على المواد التي تحتاجها صناعة الشرائح في العالم.
إلى جانب الخوادم والطاقة، هناك بنية لا يراها أحد: الكابلات البحرية ومسارات مرور البيانات. تظهر تقارير بحثية عن البحر الأحمر حساسية هذا الممر، إذ إنّ أعطالاً محدودة في كابلاته سبق أن عطّلت نسبة وازنة من حركة الاتصالات بين آسيا وأوروبا وغرب آسيا. وفي الخليج، تتجمّع مراكز البيانات ومحطات إنزال الكابلات وشبكات الربط الإقليمي؛ وأي تصعيد يضغط على الملاحة والبنية الحيوية قرب مضيق هرمز يرفع المخاطر على هذه الحلقة أيضاً.
وكان زميل برنامج التكنولوجيا والشؤون الدولية في «مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي»، سام وينتر-ليفي، قد حذّر في 2025 من فكرة تركيز بنى حوسبة حيوية في الخليج، لأن اتساع الاعتماد عليها يزيد جاذبيتها للاستهداف.
المفارقة أن الولايات المتحدة أمضت سنوات تعمل على الحد من بيع التقنيات الصينية لدول الخليج، ثم جاءت الحرب الأميركية الإسرائيلية لتقول للدول نفسها: الشراكة معنا لها كلفة أمنية.
بين الشراكة الأميركية وخيار التنويع
قبل أن تُطلق أي رصاصة في هذه الحرب، كان «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» (CSIS) قد رسم ملامح الخطر المقبل. في تقرير نشره قبل يوم واحد من اندلاع الحرب، أشار المركز إلى أنّ العلاقة بين واشنطن ودول الخليج تمرّ في تحوّل جوهري: لم يعد النفط الرابط الوحيد، إذ تنشأ اليوم شبكة علاقات جديدة قائمة على القدرة الحاسوبية والذكاء الاصطناعي. يملك الخليج ما تحتاجه الولايات المتحدة: طاقة رخيصة، وأراضي واسعة، وموقعاً يخدم نصف العالم. وتملك الولايات المتحدة ما يحتاجه الخليج: الرقائق المتقدمة، والنماذج، والمنصات. تبدو المعادلة متوازنة، غير أنها محفوفة بمخاطر لم تأخذها واشنطن في الحسبان بما يكفي.
أهمّ ما حذّر منه التقرير أنّ الشركات الأميركية، حين تنشر بنيتها التقنية خارج حدودها، تخلق نقاط ضعف استراتيجية جديدة. بعد استهداف خطوط الأنابيب والمصافي في نزاعات سابقة، صار ممكناً اليوم استهداف مراكز البيانات، وشبكات الطاقة، والكابلات البحرية التي تربط القارات. وقدّم التقرير مثالاً على ذلك بضربات «أرامكو» عام 2019، حين عطّلت مسيّرات رخيصة نصف الإنتاج النفطي السعودي في ليلة واحدة. ومراكز البيانات اليوم معرّضة لخطر مماثل، وربما أشد.
في الجهة المقابلة من هذه المعادلة، تظهر الصين. فهي تقدّم تقنية بمستوى يقترب من الأميركية ويتخطاها في مواضيع معينة، ولا تفرض قيوداً على التصدير، ولا تشترط امتثالاً أمنياً. ودول الخليج، التي تعرف جيداً كيف تدير توازناتها، قد تجد في الخيار الصيني وزناً إضافياً في بعض الحسابات. وتختصر خلاصة تحليل CSIS في فكرة واحدة: لن تكسب الولايات المتحدة سباق الذكاء الاصطناعي العالمي من دون تعميق انخراطها في منطقة تسعى رسمياً إلى تقليص حضورها فيها. وجاءت الضربات الأخيرة على مراكز البيانات لتحوّل هذا التحذير من تقدير استراتيجي إلى واقع موثق.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
