آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » الخرائط في خدمة الحرب الإسرائيلية: عندما تتحوّل المدن إلى رُقَع حمراء

الخرائط في خدمة الحرب الإسرائيلية: عندما تتحوّل المدن إلى رُقَع حمراء

 

غادة حداد

 

 

تستخدم إسرائيل «خرائط الإنذار» في حروبها على لبنان وفلسطين لتحويل الأحياء والمدن إلى نقاط ملوّنة وأوامر إخلاء، لتُختزل حياة الناس في خطوط وأرقام على خريطة. هكذا تصبح الخريطة أداةً عسكرية لإدارة السكان وإعادة تنظيم الفضاء بالقوة، بما يعكس علاقة غير متكافئة بين من يملك سلطة رسم الخريطة ومن يُجبر على العيش داخلها

 

 

يأتي الموت من فوق، ويأتي معه القلق، عبر صاروخ، وقنابل، وموت يتكرر بلا نهاية، لكيانٍ يستلذّ بالدمار وسفك الدم. تحوم طائرات الاستطلاع للرصد والقتل، ولإثارة الخوف الذي لا يهدأ. يأتي الإنذار من فوق، ويتوعد بالمزيد دائماً، بالمزيد من التهديد لحياة الناس ومستقبلهم. هنا، كما في فلسطين، كما في إيران واليمن والسودان، لا يُنظر إلى الشعوب كأفراد أو مجتمعات، بل كأرقام. في لحظة واحدة، يتبخّر كل شيء، ولا يبقى سوى عدّاد بارد يقول «هنا كانت حياة».

 

يخرج أفيخاي أدرعي ليخاطب اللبنانيين بكل خفة: اخرجوا من منازلكم إلى المجهول. يحدد بالأحمر الأماكن المستهدفة ويقول ابتعدوا 50، 300، 500، أو 1000 متر. تجنبوا هذه المناطق. هكذا تُختزل حياة الناس بتحذير.

تطورت اللعبة النفسية أيضاً حتى باتت تُضاء أحياء كاملة ليغادرها الناس بسرعة، هرباً من الموت الذي صار يحاصرهم من كل جهة. يُقال لهم أيّ الطرق يسلكون، وأيها ممنوع عليهم أن يقصدوها.

 

الخرائط: انعكاس للقوة الذهنية

عندما بدأ البشر يتخيّلون الفضاء من حولهم ويكوّنون صورة ذهنية له، بدأوا يرسمون هذه الصورة خارج عقولهم، كترجمة للقدرة الذهنية للبشر. وهذه القدرة رسمت الخرائط قبل اختراع الكتابة بزمنٍ طويل، حتى قبل ظهور الدول بآلاف السنين، وتوالت تدريجياً في حضارات مختلفة.

 

الخريطة البابلية للعالم

الخريطة البابلية للعالم

اتخذت الخرائط طابعاً «محايداً» لتقسيم الدول وتنظيمها. لكن أظهرت السياسات الإجرامية كيف يمكن أن تتحول أداة تنظيمية إلى آلة إجرام، عبر تصنيف الناس، وتنظيم الأراضي، وتحديد أين يمكن للناس أن يعيشوا أو يتحركوا أو يحصلوا على الموارد.

 

ما يقوم به «جيش» الاحتلال عبر خرائط الإنذار ليس وليد حربه الأخيرة على فلسطين ولبنان، بل تطور هذا النموذج تدريجاً مع صعود الدولة البيروقراطية الحديثة بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حين أصبحت الخرائط والإحصاءات والتعدادات السكانية أدوات أساسية للحكم. حين تُترجم المجتمعات إلى فئات مكانية مبسّطة، من خطوط وألوان ومناطق على خريطة، تكتسب الدول وسائل جديدة لإدارة السكان والتحكّم بهم.

 

بداية الخرائط

تعود أقدم الرسومات التي يُعتقد أنها تمثل خرائط إلى ما بين 14 ألف و25 ألف سنة تقريباً. فقد اكتشف علماء الآثار نقوشاً حجرية في منطقة «تلال بافلوف» في جمهورية التشيك، ويُعتقد أنها تمثّل أنهاراً ومناطق سكنية.

ظهر النموذج الأوضح للخرائط في بلاد الرافدين إلى القرن السادس قبل الميلاد، ويُعرف باسم «الخريطة البابلية للعالم» أو Imago Mundi.

 

تمزج هذه الخريطة بين الجغرافيا والأسطورة، ما يبيّن أن الخرائط الأولى كانت تعبيراً عن كيفية تصوّر الناس للعالم. في اليونان القديمة، أصبحت الخرائط أكثر رياضية ودقة. في القرن السادس قبل الميلاد، حاول الفيلسوف أناكسيماندر رسم واحدة من أولى خرائط العالم المعروف آنذاك. وبعد ذلك بعدة قرون، كتب العالم بطليموس كتابه الشهير «الجغرافيا» حوالى سنة 150 ميلادية، مقدماً فكرة ثورية عبر تمثيل سطح الأرض باستخدام نظام خطوط الطول والعرض. ولا يزال هذا المبدأ أساس الخرائط الحديثة وأنظمة تحديد المواقع (GPS).

 

تتخطى الخريطة وظيفتها في وصف للواقع، لتصبح أداة لإعادة تنظيمه

 

في الوقت نفسه، تطورت تقاليد رسم الخرائط في مناطق أخرى من العالم. في الصين، وُجدت خرائط إدارية دقيقة منذ القرن الثالث قبل الميلاد خلال حكم أسرتي تشين وهان. استُخدمت هذه الخرائط لإدارة الأراضي وبناء الطرق وتنظيم الجيوش، لتصبح الخرائط أداةً للحكم وإدارة الدولة.

 

وقد وضعت الخرائط أولاً للملاحة والتنقل، وثانياً للإدارة والسلطة، وثالثاً بسبب فضول الإنسان تجاه العالم. فالخريطة تعكس رؤيةً وثقافة ما للعالم. في خرائط أوروبا خلال العصور الوسطى، كانت توضع القدس في مركز العالم. أما الخرائط البابلية، فقد وضعت بابل في المركز. وفي الخرائط الحديثة، غالباً ما يتمركز العالم حول أوروبا أو المحيط الأطلسي.

 

نشأة الخرائط الإدارية

ظهر الاستخدام المنهجي للخرائط في إدارة السكان مع نشوء الدول المركزية الحديثة في أوروبا، أبرزها الأمثلة المبكرة للمسح العقاري النابليوني في فرنسا في مطلع القرن التاسع عشر. وقد قسّم هذا المشروع الأراضي إلى قطع محددة بدقة، وسجّل الملكيات والضرائب والإنتاج الزراعي.

 

ورغم أن الهدف المباشر كان تنظيم الضرائب، فإن المشروع شكّل تحولاً أعمق، إذ تحولت الأرض والمجتمع إلى شبكة إدارية قابلة للقراءة من قبل الدولة.

 

لاحقاً، وسّعت الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية هذه التقنيات خلال القرنين التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فأنتجت الإدارات الاستعمارية خرائط إثنوغرافية واسعة في مناطق مثل الهند البريطانية والجزائر الفرنسية، مقسّمةً السكان بحسب العرق والدين والقبيلة والطائفة.

 

لم تكن هذه التصنيفات في غالب الأحيان مجرد وصف للمجتمع، فهي تتخذ بُعداً أكثر سلطوية باعتبارها أداة للحكم والسيطرة المباشرة. صُنِّف بعض الجماعات باعتبارها «أعراقاً محاربة» تُجنَّد في الجيوش الاستعمارية، بينما وُصفت جماعات أخرى بأنها أقل ولاءً أو أقل أهلية للإدارة.

 

أدوات للسلطة

رغم أنها تقدم بوصفها حياديةً، إلا أنّ الخرائط ليست مجرد تمثيلات محايدة للواقع وفق ما أشارت إليه دراسات في «الكارتوغرافيا النقدية» (دراسات للخرائط كأداة للسلطة والمعرفة). فالخرائط نماذج اجتماعية وسياسية تعكس مصالح الجهات التي تنتجها.

 

ويشير الباحث في علم الخرائط دينيس وود في كتابه «قوة الخرائط»، إلى أن الخرائط تعكس علاقات القوة من خلال ما تختار إظهاره أو إخفاءه أو تضخيمه.

وتكمن قوة الخرائط في مظهرها العلمي والتقني، إذ تبدو كأنها حقائق موضوعية، بينما يمكن استخدامها لتبرير قرارات سياسية تتعلق بالأرض والسكان.

 

الفصل المكاني والهندسة الاجتماعية

مع حلول القرن العشرين، باتت الخرائط تستخدم لتطبيق سياسات الفصل المكاني والهندسة الاجتماعية، كما حصل عبر سياسة الـ«ريدلاينينغ» (Redlining) في الولايات المتحدة. ابتداءً من ثلاثينيات القرن العشرين، أنتجت مؤسسات حكومية ومالية خرائط تصنّف الأحياء الحضرية بحسب درجة المخاطر الاستثمارية.

 

وكانت الأحياء التي يسكنها الأميركيون الأفارقة تُلوَّن غالباً باللون الأحمر، أي أنه على المصارف تجنّب الإقراض فيها. وأدت هذه السياسة إلى حرمان سكان تلك المناطق من القروض والاستثمارات، وأسهمت في تكريس أنماط طويلة الأمد من الفصل العنصري والفوارق في الثروة.

 

وفي نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، استخدمت الدولة خرائط التخطيط العمراني لتقسيم المدن إلى مناطق مخصّصة لمجموعات عرقية مختلفة بموجب «قانون المناطق الجماعية». وقد أُجبرت مجتمعات كاملة على الانتقال عندما أعيد تصنيف أحيائها.

مثّل النظام النازي أحد أكثر الأمثلة تطرفاً في استخدام الخرائط لتصنيف السكان. فقد اعتمدت الأيديولوجيا النازية على ما سُمّي بـ«الجغرافيا العرقية»، فقد أُنتجت خرائط تُظهر توزيع الشعوب في أوروبا بهدف تبرير التوسع الألماني شرقاً ضمن فكرة «المجال الحيوي» (Lebensraum).

 

وبعد احتلال أجزاء واسعة من أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، استخدمت السلطات النازية الخرائط لتحديد مواقع الأحياء اليهودية المغلقة (الغيتوهات) في المدن الكبرى مثل وارسو ولودز، ما سهّل عزل السكان اليهود وتنظيم عمليات الترحيل لاحقاً.

كما طوّرت القيادة النازية مشروعاً واسعاً لإعادة تشكيل شرق أوروبا ديموغرافياً عُرف باسم «الخطة الرئيسية للشرق» (Generalplan Ost)، تضمّن خرائط وخططاً لتهجير ملايين السكان السلافيين واستيطان مستوطنين ألمان في الأراضي المحتلة.

 

الفوقية الاسرائيلية

تظهر «خرائط الإنذارات» الإسرائيلية طبيعة السلطة والفوقية التي يمارسها الاحتلال على المدن والسكان. فالأحياء التي تمثّل بالنسبة إلى سكانها شبكةً من البيوت والعلاقات الاجتماعية والذكريات اليومية، تتحول إلى نقاط مشار إليها باللون الأحمر، ويجب إخلاؤها. كأنّ المدن هي مجرد شبكة من القطاعات والأرقام التي يمكن تحديدها وإدارتها من بعد.

 

وهذا ما أعطى العدو القدرة على تحديد ما يعدّ منطقة خطر، أو منطقة إخلاء، أو منطقة عمليات. وبهذا المعنى، تتخطى الخريطة وظيفتها في وصف للواقع، لتصبح أداةً لإعادة تنظيمه. وهذا يكشف العلاقة غير المتكافئة بين مَن يملك القدرة على رسم الخريطة ومن يعيش داخلها. وفي لحظة، تتحول حياة الناس اليومية إلى عناصر داخل مخطط إداري أو عسكري يمكن تعديله وإعادة رسمه وفق منطق العمليات.

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الأديب يونس ابراهيم يحاضر في ثقافي الدريكيش عن الغزو الثقافي وتأثيره على الهوية والمجتمع

نظّم المركز الثقافي العربي في الدريكيش محاضرة ثقافية بعنوان “الغزو الثقافي على مستوى الوطن العربي وآثاره على المثقفين”، قدّمها الأستاذ يونس إبراهيم (مدرس ومؤلف وعضو ...