آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » الخليج في مرمى الصواريخ… أين ذهب المثقفون؟

الخليج في مرمى الصواريخ… أين ذهب المثقفون؟

 

مروة جردي

 

مع كل حرب أو أزمة، تنشغل الصحافة بتقصّي مواقف المثقفين في بلاد الشام ومصر، وتلاحق تحليلاتهم وإنتاجهم من كتب وأوراق بحثية. نادراً ما تلتفت وسائل الإعلام إلى مثقفي الخليج وأدوارهم إزاء التحولات من حولهم، حتى في وسائل الإعلام التي تبث من أراضٍ خلجية وتعمل بأموالها. وربما يكون الأمر مقصوداً كجزء من سياسة أمنية مشدّدة على كتم الصوت الداخلي لتلك الدول.

 

لكن مع الحرب الحالية، يجد الخليج العربي نفسه للمرة الأولى — بعد عقود — في مواجهة مباشرة مع الطائرات المسيّرة والصواريخ، وعدسات الكاميرا، وفضول وسائل التواصل الاجتماعي، التي أعادت طرح السؤال بإلحاح: أين صوت المجتمع الخليجي خارج أسوار الملوك والأمراء والشيوخ؟ وما موقفه مما يجري؟

 

عمان الجار قبل الدار

إذا رميت شباكك في بحر عمان، قد تخرج بلؤلؤ من إيران. ربما، تشير هذه العبارة إلى التقارب وطبيعة الجغرافيا التي تربط مسقط بطهران. فالدول التي تبدو متقابلة على ضفاف بحر واحد، تظلّ جزءاً من منظومة واحدة تنتج آثاراً متبادلة، سواء اعترفت بذلك أم أنكرته.

 

في هذا الإطار، لم تخف سلطنة عمان انزعاجها من خيانة الأميركي لوساطتها في المفاوضات مع جارها الإيراني، وضربه للمرة الثانية بشكل غادر خلال مفاوضات تقام على أرضها. ورغم استهداف مصالح أميركية في عُمان، إلا أن الحالة الشعبية والسياسية تفهّمت جرح جارها. ظهر ذلك جلياً في مواقف الدولة الرسمية، والشخصيات المرتبطة بها، وحتى الحالة الشعبية لمواطنيها.

 

وتنظر السلطنة إلى إيران بوصفها ذات حضور تاريخي وحضاري، وجاراً مسلماً تعرّض للحصار والظلم والعقوبات سابقاً ويتعرض اليوم للاعتداء، والمجتمع العماني بوصفه مجتمعاً متديناً محافظاً ينظر بعين الإعجاب لوجود تجربة إسلامية قوية وناجحة كإيران. وهذا يفسر وجود جالية إيرانية كبيرة في عمان للعمل والتجارة، ووجود رحلات يومية بين البلدين سواء لزيارة شيراز من أجل العلاجات الطبية أو الزيارات الدينية إلى مشهد وقم، إضافة إلى السياحة في طهران.

 

ورغم أنّ السلطنة لا تعتمد سياسة عالية الصوت تهدف للإنضواء في محور ضد محاور، خصوصاً مع تقديم نفسها كوسيط جاد يحظى بثقة أطراف النزاع بين الغرب والشرق، إلا أنّ ميلاً تفرضه جيرة البحر والإسلام تظهر في مقال لوزير الخارجية العماني في موقع «فورين أفيرز» يدين العدوان الأميركي – الإسرائيلي على إيران، وفي بيانات تصدر عن المفتي العام لسلطنة عمان الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المكافئ الديني للسلطنة السياسية منذ عهد قابوس وينشرها على حسابه على موقع إكس تعليقاً على الحرب وتطوراتها، وآخرها بيان يحمل فيه «العدوان الأميركي الصهيوني السافر». وسبقه عزاء باستشهاد المرشد الأعلى في إيران وتهنئة بتسمية ابنه خلفاً له.

 

ورغم عدم وجود حراك ثقافي واضح مؤيد للمقاومة وخيار المواجهة، إلا أن ثقافة المقاومة تحظى بشعبية كبيرة في عمان، ولا تفرض الدولة أي قيود على هذا الخطاب طالما لم يتمظهر كأحزاب وتيارات سياسية. ومع اندلاع «طوفان الأقصى»، كان لافتاً تعميم دعاء لنصرة المجاهدين في فلسطين لا يزال معمولاً فيه حتى اليوم بعد كل صلاة جمعة. كما كان لاستشهاد الأمين العام لـ «حزب الله» حسن نصر الله أثره في نفوس العمانيين.

 

من الكويت إلى الإمارات كتم للصوت

فيما تبدو سلطنة عُمان متصالحة مع جوارها وميول شعبها، تبدو باقي الدول الخليجية أكثر توتراً لناحية كتم صوت داخلها والعمل ضد مصالحها خدمة للأميركي والمشروع الصهيوني، فلا صوت مخالف يعلو في الخليج المنددة بإيران. ويبرر بعضهم ذلك بأنه يمكن رصد أربع مجموعات في المجتمع الخليجي: هناك تلك التي تركز غضبها على إيران وتباهي في وطنيتها والتزامها بموقف دولتها وهذه تشكل أصوات الإعلاميين والمؤثرين عموماً خاصة في الإمارات، وأخرى ترى أنّ أميركا وإسرائيل هما سبب الحرب الحالية، لكن في المقابل لا يمكن تبرير العدوان الذي تقوم به إيران على بلدانهم، وهذه تمثل في الغالب الموقفين القطري والعماني على اختلاف درجاتهما، و⁠مجموعة تستغل الفرصة للإشارة إلى خطورة القواعد الأميركية وهي نسبة ضئيلة من معارضة موجودة خارج الخليج غالباً، إضافة إلى ⁠مجموعة تتحلّى بالصمت إما خوفاً على نفسها أو أفراد عائلتها بسبب موقفها الداعم لإيران.

 

ويعتبر الأكاديمي والكاتب السعودي علي عاشور أنّ الغالبية الساحقة من شعوب دول شبه جزيرة تعيش حالة الخوف من اتساع الحرب والخوف من القمع الرسمي والتخوين، مشيراً إلى وجود حملات تخوين أشبه بمحاكم تفتيش تحدث في الكويت على سبيل المثال وعلى نطاق واسع. وتشهد الكويت تراجعاً في هويتها وثقافتها الداعمة للقضية الفلسطينية وحرية العمل الصحافي منذ استلام الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، الذي تولى مقاليد الحكم في 16 كانون الأول (ديسمبر) 2023 عقب وفاة الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، حيث صارت تتبنى موقفاً أميركياً صارماً.

 

ومنذ بداية الحرب، أصدرت أغلبية الدول الخليجية تعميماً يمنع المواطنين والمقيمين تصوير أو نشر أي أخبار أو صور أو مقاطع مرئية تتعلق بالقصف، وإن كان للإدانة، خصوصاً في الإمارات التي تعاقب بالسجن لخمس سنوات كل من يصوّر أو ينشر مواد توثق الاعتداءات عليها خوفاً من تأثير هذه الاعتداءات على هوية وصور هذه المدن والدول كملاذت آمنة للاستثمار والسياحة. كما هو ممنوعٌ على وسائل الإعلام التعاطي مع أي خبرٍ ما لم يصدر رسمياً عن هذه الدول.

 

ووفق «المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان»، توفي مواطن بحريني أثناء احتجازه لدى السلطات بتهمة تتعلق بنشر وتداول محتوى يتصل بقصف إيراني للبحرين، قبل أن تتسلّم عائلته جثمانه وقد بدت عليه آثار الانتهاك. غير أنّ هذه الوقائع نادراً ما تجد طريقها إلى الشاشات العربية، المحكومة باعتبارات سياسية وإعلامية صارمة عندما يتعلق الأمر بأمن الخليج الذي يشكل رأس المال لوسائل الإعلام العربية الكبرى.

 

الإشارة إلى تلك المواقف تخدم رصد سلوكٍ صار شائعاً بين مثقفي منطقة الخليج العربي ومحيطها المتماهيين بشكل كامل مع سلطات بلادهم، إذ تعتبر سطوة العوائل الحاكمة في الخليج على المجال الثقافي هي سطوة شاملة لا يفلت منها كاتبٌ أو شاعر أو فنان مهما علا شأنه أو شأنها، وتزداد قتامة هذه الصورة في أوقات الأزمات التي تتطلب أن تجند كل عائلة حاكمة من يتيسّر لها من الناشطين في المجال الثقافي.

 

وهذا الخضوع الكامل من المثقف أمام السلطة يذكّر بفكرة «تجسير الفجوة» التي تنتهي غالباً إلى الخضوع الكامل أمام السلطة. صدرت الفكرة حينها عن مثقف في منتدى عربي يعمل لدى أمير عربي. وجاء الرد عليه من عبد الله العروي، الذ دعا عقب هزيمة 1967، إلى قطيعة نهائية بين المثقف والسياسي، منتقداً تورط المثقف في أوهام السلطة ومطالباً إياه بالصراخ والانصراف إلى دوره التنويري.

 

وبينما لا يسمع من الخليج إلا الأصوات المطالبة بمحاربة إيران، قد يكون من المفيد التذكير بما قاله الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل عن حرص الشيخ راشد بن مكتوم على عدم معاداة إيران بوصفها قوة إقليمية مؤثرة بما يعكس فهماً عميقاً لتوازنات الخليج. ولم يكن يقصد بـ«الشطارة» الذكاء فقط، بل إدراكه لضرورة التعامل الواقعي مع إيران وتجنّب استفزازها، ولو تطلّب ذلك مواقف حازمة ضد من يستخف بها، فيما يبدو اليوم أن الإمارات تعاني ضعفاً في فهم هذه المعادلة.

 

من الجوري إلى النفط… خط رفيع بين السعودية وإيران

رغم القطيعة الطويلة التي شهدتها العلاقات الإيرانية السعودية، إلا أن بلا فارس ترسل سنوياً إلى بلاد الحرمين الشريفين بشكل مجاني بالكامل 160 ليتراً من ماء الورد ذي الجودة العالية الذي يعرف بماء الورد المحمدي ليغسل به بيت الله وحرم الكعبة. ورغم التقارب الذي شهده البلدان خلال السنوات القليلة الماضية بعد منافسة كبيرة في سوريا واليمن وغيرها، إلا أن التوتر يعود عبر بوابة مضيق هرمز والأميركيين.

 

ليست المشكلة في استهداف القواعد أو المنشآت الأميركية وحدها، فالمملكة اليوم تبدو أكثر فهماً إلى أن طلبها مع باقي دول الخليج للاحتماء بقوى خارجية عبر تحالفات وعلاقات أمنية ووجود عسكري أجنبي، مهّدت لعلاقات خاصة مع الولايات المتحدة، لن يمنع الأخيرة من الاستغناء عنها في لحظة ما حيث أثبتت هذه الظلمة هشاشتها إذ غالباً ما تتخلى القوى الكبرى عن حلفائها أو تجنبت حمايتهم كما حصل بتخلي السوفييت عن حماية مصر أو منظمة التحرير، وفشل الولايات المتحدة في إنقاذ نظام الشاه، وعجز السوفييت عن حماية العراق في حرب الخليج الثانية.

 

اليوم مع فشل الولايات المتحدة في حماية الخليج حتى صارت سبباً لتهديده، هل يدفع ذلك شبه الجزيرة العربية إلى العودة لجذورها الحجازية التي وقفت إلى جانب مصر وسوريا في حرب تشرين واتخاذ موقف جذري من الغرب وعلى رأسه أميركا؟

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فلسفة القطيعة: قراءة في أنطولوجيا «البيت المهجور» للمبدع نصر سيوب

قراءة وتحليل الدكتورة فاطمة الديبي بيتٌ مهجورٌ، حتّى الحمامةُ تركتْ عُشَّها ورحلتْ! *التحليل:* غالباً ما يُنظر إلى الهايكو بوصفه فن التقاط اللحظة الهاربة، لكنه في ...