بقلم : علي نفنوف
لم تعد الدراما اليوم مجرد وسيلة ترفيهية عابرة بل أصبحت أحد أهم الحوامل الثقافية التي تسهم في تشكيل الوعي العام وصياغة الذائقة الاجتماعية. ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا: هل يُفترض بالدراما أن تعيد إنتاج الواقع كما هو بكل ما فيه من تخلف وخرافة أم أن دورها الحقيقي يتمثل في مساءلة هذا الواقع وكشف عيوبه وفتح أفقٍ أوسع للوعي؟
في مسلسل «مولانا» تبدو الإجابة مقلقة إذ يذهب العمل إلى تكريس أنماط فكرية متراجعة بدل تفكيكها. فالدراما هنا لا تقف موقف النقد من عالم الغيبيات والخرافة بل تعيد تقديمه بصورة تُرسّخه في الوعي الشعبي وكأن المطلوب من الفن أن يكرّس المكرّس لا أن يبتدع حلولًا أو يفتح مسارات جديدة للفهم.
لكن المشكلة لا تتوقف عند هذا الحد. فالمتابع يلاحظ حضورا واضحا لما يمكن تسميته بالاستسهال الثقافي حيث يعتمد العمل على مشاهد تقوم على الابتذال اللغوي واللعب الصوتي باللكنات واللدغات في محاولة لاستثارة الضحك أو إثارة الانتباه. وهنا تتحول الدراما من خطاب ثقافي يفترض أن يرفع مستوى التلقي إلى خطاب يخاطب أدنى درجات الاستهلاك الثقافي لدى المشاهد.
إن المسألة في حقيقتها لا تتعلق بعمل درامي واحد بقدر ما تكشف عن خلل أعمق في منظومة الإنتاج الثقافي. فحين يتكامل النص والإخراج والإنتاج والتمثيل في اتجاه واحد ينتج عنه هذا المستوى من الهبوط فإن الأمر لا يبدو عفويا أو بريئا بل يوحي بأننا أمام صناعة درامية تسير – بوعي أو بغير وعي – نحو تسليع الثقافة وتفريغها من مضمونها النقدي.
ومن مظاهر هذا التحول أيضا أن الجمهور لم يعد ينتظر تطور القصة أو بناء الحدث الدرامي بل بات يترقب لحظة عابرة أو لقطة مثيرة يقدمها هذا الممثل أو تلك الممثلة. وهنا تفقد الدراما أحد أهم شروطها الأساسية: الحكاية. فبدل أن تكون العمل الدرامي سردا متماسكا يصبح مجرد سلسلة من اللقطات التي تستهدف إثارة الانتباه أكثر مما تسعى إلى بناء المعنى.
أما فكرة الخيانة التي يطرحها المسلسل فتبدو بدورها مركّبة على نحو يثير التساؤل. فالخيانة لا تظهر فقط داخل بنية القصة بل تمتد إلى التناقض بين الصورة الأخلاقية التي يحاول العمل تقديمها وبين صورة بعض نجومه في الوعي العام. وهذا التناقض يضعف صدقية الدور لأن الدور النبيل في كثير من الأحيان يحتاج إلى فنان يمتلك قدرا من الحس الرمزي الذي يسمح للجمهور بتصديق الشخصية التي يؤديها.
في تجارب عالمية عديدة رفض ممثلون كبار أداء أدوار تتعارض مع قناعاتهم الأخلاقية إدراكا منهم أن الفن ليس مجرد أداء تقني بل تمثيل رمزي لقيم المجتمع. أما حين يصبح الممثل نفسه جزءًا من التناقض الذي يطرحه العمل فإن الدراما تتحول إلى مساحة للتضاد بين القول والفعل.
إن أزمة «مولانا» في جوهرها ليست أزمة مسلسل بعينه بل هي مؤشر على أزمة أوسع في الوعي الثقافي العربي المعاصر. فالسؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كان هذا العمل ناجحا أو فاشلا بل ما إذا كانت الدراما العربية ما تزال تؤمن بدورها الثقافي أم أنها استسلمت لمنطق السوق والابتذال.
ذلك أن الدراما ليست مجرد حكاية تُروى بل رؤية تُقدَّم للعالم. وحين تتحول هذه الرؤية إلى أداة لتكريس التخلف بدل مساءلته فإن الخسارة لا تكون
الخاتمة:
في النهاية لا يمكن اختزال المشكلة في مسلسل واحد أو عمل درامي بعينه لأن ما نراه اليوم هو انعكاس لأزمة أعمق في بنية الإنتاج الثقافي العربي. فحين تتحول الدراما من أداة لطرح الأسئلة الكبرى ومساءلة الواقع إلى وسيلة لإعادة تدوير الخرافة والابتذال فإن الخلل لا يكون فنيا فحسب بل يمس جوهر الوعي الثقافي نفسه. إن الدراما التي تستسلم لمنطق السوق السريع وتخاطب أدنى مستويات التلقي لا تبني مجتمعا أكثر وعيا بل تسهم في تعميق الركود الفكري. ولذلك يبقى السؤال مفتوحا: هل ستستعيد الدراما دورها كقوة نقدية تضيء العتمة في الوعي الجمعي، أم ستبقى مجرد مرآة باهتة تعكس تخلف الواقع وتعيد إنتاجه؟
(موقع:اخبار سوريا الوطن2)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
