أغيد أبو زايد
في زيارة تاريخية، يتجه السيد الرئيس أحمد الشرع، غدا الاثنين، إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية في محطته الأولى، إذ سيزور المملكة المتحدة يوم الثلاثاء، حيث من المقرر أن يلتقي كبار المسؤولين في البلدين لبحث سبل تطوير العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون في مختلف المجالات، ما يعطي هذه الزيارة أهمية استثنائية كونها تمثل نقطة تحول استثنائية في العلاقات السورية الخارجية بعد أزيد من عقد ونصف العقد من القطيعة والعزلة الدولية إبان نظام الأسد المخلوع.
وتعد هذه الزيارة الأولى للرئيس الشرع إلى ألمانيا منذ وصوله إلى قصر الشعب بعد هروب الرئيس المخلوع بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024، والثانية إلى الاتحاد الأوروبي، حيث زار فرنسا في أيار 2025 والتقى حينذاك بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه، ما مهد لفتح باب الانفتاح الأوروبي على سوريا.
وتعكس زيارة الشرع إلى برلين ثم لندن تحولا جذريا في مستوى العلاقات السياسية والاقتصادية، بينما تأتي هذه الجولة في توقيت مفصلي تسعى فيه دمشق إلى توطيد العلاقات السياسية والدبلوماسية واستقطاب استثمارات في مجالات متعددة، أهمها الطاقة، إلى جانب بحث سبل استقرار الشرق الأوسط في ظل العمليات العسكرية على إيران، التي فتحت فصلا جديدا من الأزمات في العالم.
بوابة عبور سياسية اقتصادية
منذ توليه السلطة، قام الرئيس الشرع بـ 22 زيارة خارجية شملت دولا عظمى، بينها أميركا وروسيا، إلى جانب دول عربية، تمحورت بشكل رئيسي على كسر العزلة السياسية عن البلاد بعد أكثر من عقد العقوبات في ظل النظام المخلوع وتحالفاته التي شكلت هاجسا للمجتمع الدولي في ذلك الوقت، ما تطلب العمل على إعادة مد جسور الثقة من جديد، وهو ما جرى العمل عليه في العام الأول من التحرير، الذي شهد أيضا اهتماما دوليا غربيا وعربيا.
ولا تخرج زيارة الرئيس إلى ألمانيا والمملكة المتحدة عن هذا الإطار، إذ إنها تصب في توطيد العلاقات والذهاب باتجاه رسم معالم المرحلة المقبلة سياسيا واقتصاديا، بما يحقق المصالح المشتركة بين الجانبين، مع وضع المصلحة الوطنية في سلم الأولويات وبما يتناسب مع أهمية موقع سوريا الجيوسياسي.
وتدرك ألمانيا أهمية موقع سوريا الجغرافي المطل على البحر المتوسط، ما يجعلها بوابة الشرق الأوسط على القارة الأوروبية، وهو ما يعطي هذه الزيارة أهمية إضافية كونها بمثابة بوابة عبور سياسية واقتصادية وتضع حجر الأساس لمرحلة جديدة من العلاقات القائمة على المصالح المتبادلة والاستقرار المستدام.
وتشكل زيارة الشرع إلى ألمانيا محطة مفصلية في مسار انفتاح دمشق على أوروبا، إذ تمثل ألمانيا بوابة أساسية لإعادة تموضع سوريا سياسيا واقتصاديا ضمن المشهد الأوروبي، وهي تعكس انتقال العلاقة من مرحلة القطيعة إلى اختبار النوايا وبناء المصالح المشتركة، وفق الناشطة السياسية، ميديا حمدوش.
وقال الناطق باسم الحكومة الألمانية، شتيفان كورنيليوس، إن الرئيس الشرع سيزور ألمانيا، الاثنين، حيث سيلتقي المستشار فريدريش ميرتس في مقر المستشارية، وهذا يشير إلى مرحلة جديدة من التعاون وبناء العلاقات بين دمشق وبرلين. وذكرت مديرية الإعلام في الرئاسة السورية أن “الرئيس الشرع سيلتقي خلال الزيارة كبار المسؤولين في البلدين لبحث سبل تطوير العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون في مختلف المجالات”.
وحول ملفات هذه الزيارة، قالت حمدوش في حديث خاص لصحيفة “الثورة السورية” إن هذه الزيارة تحمل مجموعة من الملفات المعقدة، أبرزها ملف اللاجئين الذي يشكل أولوية ألمانية، مقابل سعي دمشق للحصول على دعم اقتصادي لإعادة دمجهم، إلى جانب ملفات إعادة الإعمار، والتعاون الاقتصادي، والتنسيق الأمني، وقضايا الانتقال السياسي ومتطلباته.
لكنها أشارت إلى أنه “من غير المتوقع أن تسفر الزيارة عن نتائج فورية حاسمة، بينما ستؤسس لمسار تدريجي من الانخراط، يبدأ بخطوات محدودة مثل فتح قنوات التمويل وتخفيف بعض القيود، وصولا إلى شراكات أوسع وفق تطور الظروف السياسية والأمنية”.
تحول جذري في مسار العلاقات
شهدت العلاقات السورية الألمانية تحولا جذريا بعد الإطاحة بنظام الأسد، إذ رحبت برلين في الساعات الأولى لسقوط النظام بـ”التحول التاريخي” في سوريا، مؤكدة دعمها للانتقال السياسي وبناء الدولة، بينما زارت وزيرة الخارجية الألمانية السابقة، أنالينا بيربوك، دمشق بعد أقل من شهر على رحيل الأسد، في خطوة تعكس اهتمام ألمانيا بسوريا الجديدة وتوطيد العلاقات القائمة على الواقعية السياسية والمصالح المشتركة بعد سنوات من القطيعة.
وأعادت برلين افتتاح سفارتها في دمشق خلال الزيارة الثانية لبيربوك إلى سوريا في 25 آذار 2025 بعد إغلاق دام 13 سنة. وقال المبعوث الألماني إلى سوريا ستيفان شنيك في ذلك الوقت: “يسعدنا العمل من كثب مع جميع السوريين من أجل سوريا أفضل”.
ومطلع العام الجاري زارت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا دمشق، حيث التقيا بالرئيس السوري أحمد الشرع لبحث تجديد العلاقات الثنائية من خلال شراكة سياسية جديدة وتعزيز التجارة والتعاون الاقتصادي، إضافة إلى حزمة دعم مالي بنحو 620 مليون يورو لعامي 2026 و2027، ما يشير إلى أن دول الاتحاد انتقلت من سياسة العزل والإقصاء إلى مسار الشراكة والدعم، وهذا يعتبر تحولا تاريخيا بالنظر إلى الأبعاد السياسية والاقتصادية.
قرار بناء علاقات رفيعة مع دمشق لم يعد خيارا، إنما أصبح ضرورة ملحة بالنسبة للدول الأوروبية، نظرا لموقع سوريا الجيوسياسي وتأثير ذلك على أمن دول الاتحاد، ناهيك عن ضمان ممر الطاقة في ظل عزوفها عن شراء الغاز الروسي بعد الحرب على أوكرانيا، ورغبتها بالحد من النفوذ الروسي وتمركزه في الساحل السوري.
إضافة إلى ذلك، فإن الاتحاد الأوروبي يشعر بالارتياح للتغيير السياسي في سوريا، وما تبعه من إنهاء النفوذ الإيراني وقطع طريق إمداد “حزب الله” اللبناني، إلى جانب انحسار تهريب المخدرات والكبتاغون إلى الدول الأوروبية بعد أن كانت سوريا مصدرا رئيسيا لهذه التجارة.
الأهمية الاقتصادية لزيارة الشرع
لا تقتصر أهمية زيارة الشرع إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية على الجانب السياسي فقط، إذ تحمل أهمية اقتصادية تتعلق بإعادة الإعمار وتحريك عجلة الاقتصاد في البلاد. وهذا ما يكمن وراء التحول الأوروبي في مقاربته مع سوريا، كون هذا ينعكس إيجابا على استقرار خاصرة البحر المتوسط، بينما تدرك الدول الأوروبية أن أي فشل للحكومة السورية سينعكس على الأمن القومي الأوروبي، إلى جانب الرغبة في حل معضلة اللاجئين ومنع موجات هجرة جديدة نحو القارة العجوز.
وبحسب الباحث الاقتصادي، ملهم جزماتي، فإن “الأهمية الاقتصادية الحقيقية للزيارة لا تكمن في احتمال الحصول على تعهدات مالية سريعة، بل في أنها تأتي في لحظة تغيرت فيها البيئة الأوروبية تجاه سوريا، لكن من دون أن تُحل العقدة الأهم بعد: عقدة العبور من رفع القيود القانونية إلى عودة التعامل الاقتصادي الفعلي”.
وأوضح جزماتي في حديث لصحيفة “الثورة السورية” أن “الاتحاد الأوروبي علّق في شباط 2025 جزءا من القيود على القطاعات الاقتصادية الأساسية، ثم أقرّ في أيار 2025 رفع معظم العقوبات الاقتصادية القطاعية، بما يشمل الطاقة والنقل والتمويل، بهدف دعم التعافي وإعادة الإعمار. لكن هذا التحول لم يترجم تلقائيا إلى عودة طبيعية للتجارة والاستثمار، لأن المشكلة لم تعد فقط في النصوص القانونية، بل في الحذر المصرفي، واشتراطات الامتثال، وضعف قنوات الدفع، وارتفاع تصور المخاطر تجاه سوريا”.
وأضاف: “هنا بالضبط تبرز أهمية برلين: ليس فقط لأنها دولة مانحة، بل لأنها تملك ثقلا داخل أوروبا يسمح لها بأن تساعد في تحويل الانفتاح القانوني الأوروبي إلى انفتاح اقتصادي قابل للاستخدام. لذلك يمكن القول إن الزيارة مهمة لأنها تختبر ما إذا كانت ألمانيا مستعدة للعب دور الجسر بين سوريا وبين النظام الاقتصادي الأوروبي، لا دور الممول الإنساني فقط”.
وعليه سيكون تعامل دمشق مع برلين بوصفها شريكا في إعادة بناء البنية التحتية المؤسسية للاقتصاد أولا، لأن هذه هي المرحلة التي تسبق الاستثمار الكبير، لا المرحلة التي تليه. موضحا أن “ما تستطيع برلين أن تقدمه فعلا هو شيء أعمق: بناء الشروط المؤسسية التي تجعل الإعمار والاستثمار ممكنين لاحقا. أي تمويل وتأهيل شبكات المياه والكهرباء والخدمات العامة، دعم الإدارة المحلية، إعادة تأهيل المدارس والمستشفيات والطرق، وتوسيع التدريب المهني وبرامج التشغيل. هذه ليست مشاريع استعراضية، لكنها هي التي تخفض مخاطر السوق وتخلق بيئة يمكن لرأس المال أن يدخلها ويعمل فيها”.
ماذا عن زيارة المملكة المتحدة؟
يوم الثلاثاء المقبل، يتجه الرئيس أحمد الشرع إلى المملكة المتحدة، وفق بيان الرئاسة السورية، في خطوة ينظر إليها أنها تعكس تطورا في مسار العلاقات بين البلدين وتحمل أيضا أهمية اقتصادية لا تقل عن السياسية. إذ ترى الناشطة السياسية ميديا حمدوش أن زيارة برلين ومن ثم لندن تعكس توجها استراتيجيا لكسر العزلة الغربية وإعادة بناء العلاقات الدولية، كما تشير إلى رغبة دمشق في تنويع شراكاتها وعدم الارتهان لمحور واحد، بما يعزز قدرتها على المناورة السياسية والاقتصادية، ويفتح الباب أمام تعاون اقتصادي أوسع.
وتأتي زيارة الرئيس الشرع إلى بريطانيا في وقت تسعى فيه الشركات البريطانية للاستثمار في سوريا، وهذا كان محور لقاء مدير الهيئة السورية للاستثمار طلال الهلالي مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط هاميش فالكونر. كما اجتمع مع مواطنين سوريين بريطانيين يسعون للاستثمار في سوريا، بالإضافة إلى ممثلين عن بنوك وشركات إنشاءات كبرى.
وتكتسب بريطانيا أهمية أكبر في جانب التجارة والتمويل، أي في التمويل التجاري، والتأمين، والضمانات، والخدمات التي تساعد الشركات على الدخول إلى السوق والعمل فيه، وفق الباحث ملهم جزماتي، مشيرا إلى أن “كان هناك حديث عن احتمال إطلاق آلية بريطانية لتمويل الصادرات إلى سوريا، وهذا مهم جدا، لأنه لا يعني فقط زيادة التجارة، بل يعني أيضا تخفيف المخاطر على الشركات التي تفكر بالعمل مع سوريا”.
وتابع: “إذا ساعدت بريطانيا في فتح قنوات تمويل، أو تسهيل التعاملات، أو تقديم أدوات ضمان، فهذا سيكون ذا قيمة أكبر من الكلام العام عن الاستثمار. لأن رأس المال لا يدخل فقط حيث توجد الفرص، بل حيث توجد أيضا حماية وتخفيف للمخاطر. وبريطانيا تملك أهمية خاصة في هذه النقطة”.
واستؤنفت العلاقات السورية البريطانية عقب التحرير، حيث استقبل الرئيس الشرع وزير خارجية المملكة المتحدة ديفيد لامي بدمشق في 5 تموز الماضي، وتناول اللقاء العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل تعزيز التعاون، إضافة إلى التطورات الإقليمية والدولية.
وكان وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني أجرى زيارة رسمية إلى المملكة المتحدة في 12 تشرين الثاني الماضي، التقى خلالها عددا من المسؤولين البريطانيين لبحث آفاق تطوير العلاقات السورية البريطانية وسبل تعزيز التعاون في مختلف المجالات بما يخدم المصالح المشتركة، بينما رفع العلم السوري فوق السفارة السورية في لندن إيذانا باستئناف عملها الرسمي بعد إغلاق استمر 14 عاما.
ومع زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى ألمانيا والمملكة المتحدة، يكون قد زار كل الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي باستثناء الصين، “ما يدل على سعي واضح لتثبيت الشرعية الدولية والانفتاح على مراكز القرار العالمي، فيما قد يعكس غياب الصين في هذه المرحلة طبيعة دورها الذي يميل إلى التدرج والتركيز على الاستقرار الاقتصادي قبل الانخراط السياسي الواسع”، وفق حمدوش.
أخيرا، فإن هذه التحركات تشير إلى بداية مرحلة جديدة في علاقات سوريا الدولية، تقوم على الانخراط التدريجي وإعادة بناء الثقة، في ظل تقاطع المصالح مع الدول الأوروبية، رغم استمرار التحديات والتباينات، سعيا من دمشق لإعادة سوريا إلى موضعها الطبيعي على الساحة الدولية وتستعيد دورها الجيوسياسي.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
