بقلم:علي نفنوف-دبي
في الحروب وعبر التاريخ لا يسمع كل شيء
هناك أصوات تضيع تحت الركام
وأخرى تختفي مع أصحابها
وأخرى لا تجد وقتا لتقال
لكن بطريقة ما يبقى صوت واحد
لا يأتي من الجبهات ولا يظهر في بيانات النصر والهزيمة
بل يتسلل من البيوت التي فتحت أبوابها ولم يعد أحد
من الأمهات اللواتي ينتظرن دون أن يقلن إنهن ينتظرن
من النساء اللواتي تعلمن كيف يحملن الغياب دون أن ينكسرن
ذلك الصوت هو الغناء
ليس الغناء الذي نعرفه
بل غناء خافت مكسور يخرج كي لا يختنق صاحبه
في كل حرب هناك لحظة لا يعود فيها الموت كافيا لوصف ما حدث
هناك تبدأ النساء بالغناء
الحرب تكتب وقائعها بالأجساد
لكنها تعجز عن تفسيرها
ولهذا يظهر الصوت
خفاقاً كراية انتصار
منذ الأزمنة الأولى يمكنني ان اذكر
اسبرطة
حيث كانت الحرب جزءا من الحياة كان الرجال يربون على القتال حتى الموت
وتودعهم النساء بعبارة قاسية عُد بدرعك أو عليه
لكن ما لا يقال في هذه العبارة هو ما يحدث بعد عودة الدروع
حين تبقى النساء ليحملن ما تبقى من الحياة
ليحفظن المجتمع من الانهيار
ليمنعن الموت من أن يتحول إلى فراغ كامل
وفي طروادة
لا يبقى من الحرب سوى صوت امرأة
أندروماخي وهي ترثي هكتور
لا تعيده ولا تغير ما حدث
لكنها تمنع موته من أن يصبح حدثا عابرا
تحوله إلى ذاكرة
إلى شيء يمكن حمله لا مجرد شيء وقع وانتهى
ومع انتقال التاريخ إلى زمنه الحديث يتكثف هذا المشهد ولا يختفي في اوروبا
بعد الحرب العالمية الثانية
لم يكن الخراب ماديا فقط
كان داخليا
مدن مهدمة وذاكرة مثقلة بما لا يقال
في ذلك الفراغ غنت مارلين ديتريش لألمانيا
ليس بصوت منتصر ولا حتى واضح
بل كأنها تحاول أن تقول إن الانسان رغم كل شيء لم ينته تماما
وفي الشوارع كانت النساء يرفعن الانقاض ويعدن بناء ما تهدم
والغناء الخافت يرافقهن كطريقة لتحمل ما لا يحتمل
في الارجنتين
لم يكن هناك قتلى ظاهرون بل مختفون
غياب بلا قبور
لكن الامهات خرجن يحملن صور ابنائهن وبرزت حركه امهات ساحه مايو حيث خرجت الامهات الى ساحه مايو في بوينس ايرس حاملات صور ابنائهن في تظاهرات منتظمه في بدايتها اتخذت هذه الحركه شكل الصمت الجماعي ثم تطورت تدريجيا الى هتافات واناشيد تردد اسماء المفقودين وتطالب بالحقيقه بالحقيقه والعداله لم يكن هذا الغناء ذا طابع فني مستقل بل كان صوتا جماعيا بسيط البنيان يعتمد على التكرار والايقاع ويهدف الى تثبيت الذاكره في المجال العام وبذلك تحول الصوت النسائي في الارجنتين من تعبير خاص عن الحزن الى وسيله ضغط اجتماعي وسياسي يواجهوا كل محاولات الاخفاء بالنطق المستمر للاسماء
خطواتهن في الساحة صارت ايقاعا
والصمت نفسه تحول إلى صوت
لم يكن غناء تقليديا
بل شكل من اشكال الرفض
رفض ان يتحول الغياب إلى نسيان
وفي البوسنة بعد مجزرة سربرنيتسا سنة 1995 جلست النساء على المقابر الجماعية وغنين وكان هذا الغناء يسمى المراثي الجنائزيه كان يردد بعد مقتل الاف الرجال والاطفال
كانت الاصوات تنادي الميت كانها محاوله لابقائه على قيد الحياه لم يكن هذا الغناء فنا مستقلا بل كان طقس اجتماعي يهدف الى تثبيت الذاكره الجمعيه ومنع الفقد في ظل غياب الكثير من الجثامين او التعرف عليها حتى تطور الامر الى ان تشكلت منظمات مثل منظمة امهات سربرنيتسا تحول عملهن من المجال الجنائزي الى المجال العام من اجل المطالبة بالاعتراف بالعداله وقد نجحت البوسنيات في تحويل الحداد الفردي الى تثبيت الحدث في الذاكره التاريخيه
لم يكن ذلك تعبيرا عن الحزن فقط
بل رفضا لفكرة ان تنتهي الحكاية هنا
كان الصوت وسيلة لابقاء الحدث حيا في وجه محاولة محوه
وفي ليبيريا
بين عامي 1999 و 2003
لم تنتظر النساء نهاية الحرب
جلسن معا وغنين للسلام حيث ظهرت حركه تسمى نساء ليبيريا للعمل من اجل السلام بقياده ليما غبوي حيث اجتمعت نساء مسلمات ومسيحيات في اعتصامات متكرره استخدمن الغناء الجماعي بالاضافه الى الصلوات والهتافات كوسيلة للضغط على الاطراف المتحاربة هذه الاصوات دفعت الى اتفاق في العام 2003 وبذلك بدا يظهر الغناء هنا كوسيله تدخل اثناء الحرب نفسها لا من تداعياتها اللاحقة
لم يكن الغناء انعكاسا لما يحدث بل محاولة لتغييره
شيئا فشيئا تحول الصوت إلى قوة ضغط
الى فعل حقيقي ساهم في ايقاف الحرب
في فلسطين
لا يوجد ما يسمى بعد الحرب
الحرب مستمرة ولهذا الصوت مستمر
في الجنائز في البيوت في الذاكرة اليومية.. بقيت الاغاني نصوصا مرتجله تطورت مع تطور الحركة الوطنية حتى برزت ريم بنا التي غنت بهدوء يكاد يكون مؤلما
كأنها تعرف ان الصراخ لا يغير شيئا لكن الصمت أخطر
الغناء هنا ليس تعبيرا بل وسيلة للبقاء.. وربما كانت هنالك اصوات عربية لمطربات عربيات غنينّ لفلسطين ولكنها كانت محاولات فردية تدل عن الوعي الجماعي للمراة العربيه
وفي لبنان تتخذ الحكاية شكلا أكثر تعقيدا.. لان الحرب الاهليه خلطت المفاهيم فكان
هناك صوت يقاوم ويرفع المعنويات
وصوت آخر يحاول حماية فكرة الوطن نفسها
جوليا بطرس غنت للصمود
كان صوتها مواجهة
كأنها تضع الكلمة في مستوى الرصاصة
وفي الجهة الأخرى غنت فيروز للبنان كما يجب أن يكون
لا كما هو
كأنها تحاول انقاذ صورة كاملة من الانهيار
بين هذين الصوتين يظهر شيء انساني دقيق
أن تقاوم وأن تحلم في الوقت نفسه
في مصر بعد النكسة لم يكن الجرح عسكريا فقط
كان داخليا
وكان لابد من شيء يعيد للناس قدرتهم على الوقوف
هنا ارتفع صوت ام كلثوم
لم يكن مجرد غناء
كان مساحة كاملة يتنفس فيها الناس
صوت يحملهم من الانكسار إلى امكانية النهوض
لم تكن تغني لتنسيهم
بل لتجعلهم قادرين على الاستمرار حيث اصبحت اغاني ام كلثوم جزءا من البرامج الاذاعيه والتلفزيونيه كصوت مركزي بالاضافه الى ظهور اصوات مثل شاديه التي ساهمت في ترسيخ الاغنيه الوطنيه ذات الطابع العاطفي المرتبط بالوطن
في الجزائر وماذا عن جميل بوحيرد
وفي الجزائر لا تقف المرأة عند حدود الصوت
بل تتحول هي نفسها إلى معنى
جميلة بوحيرد لم تغن
لكنها صارت اسما يقال فيتحول إلى شيء أكبر من شخص
ثم جاء الصوت لاحقا
ليحفظ هذا المعنى
ليمنع الذاكرة من أن تنطفئ
هكذا عبر كل هذه الاماكن لا نكون امام قصص متفرقة
بل امام نمط يتكرر
يسقط الجسد
ويرتفع الصوت
ليمنع الموت من أن يكون بلا معنى
ربما لا تغير الاغاني مجرى الحروب
ولا توقف الرصاص
ولا تعيد أحدا
لكنها تبقي الباب مفتوحا قليلا
تمنع العالم من أن يغلق تماما
في مكان ما سينسى اسم معركة
وتمحى حدود
وتتغير الروايات
لكن سيبقى صوت امرأة
تغني
لأنها ترفض
أن يمر كل هذا
دون أن يترك أثرا في القلب
وهذا ربما
هو المعنى الاكثر صدقا
للمقاومة


(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
