آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » الرجل المريض ..!

الرجل المريض ..!

 

كتب محمد خير الوادي :

يذكرنا وضع ايران اليوم – في ظل التحركات الشعبية الهائلة ،بوضع رجل مريض ،يعاني من داء عضال داخلي، و ضعف متفاقم وعدم استقرار في صحته،كما يكابد عزلة خارجية قاسية نتيجة العقوبات التي تكبله . وحالة العجز وعدم الاستقرار هذه ،والتي تعشش في ايران ، ليست وليدة اليوم ، بل جاءت اثر تراكم ممارسات طويلة من الاخطاء والعثرات ،اوصلت البلاد لهذا الوضع المأزوم . وللوقوف عند الجذورالعميقة لتفاقم تلك الحالة ، سأبدا حديثي من رحلة سريعة في التاريخ القريب .

عندما انتصرت الثورة الاسلامية الايرانية عام 1979 ، استبشر العرب والمسلمون خيرا . فقد اطاحت هذه الثورة بنظام الشاه القمعي ، الذي ناخ على صدر الشعب الايراني ، وارهب شعوب المنطقة ، وتحول الى عصا غليظة ضدها . كما رفع النظام الجديد في ايران ،شعارات براقة جاذبة مثل، نصرة المستضعفين ، وتحرير القدس ،ومد يد الاخوة الاسلامية والصداقة الى شعوب المنطقة .

لكن – للأسف –فان هذا الفرح العربي والاسلامي بانتصار الثورة الايرانية ،لم يعمر طويلا . فسرعان ما بدده الخميني بقرارين خطيرين : اولهما ،هو اعتماد ما يسمى بنظام ولاية الفقيه ،الذي يلزم شيعة العالم – بغض النظر عن جنسياتهم ودولهم – بالسمع والطاعة لسياسة ولي الفقيه – المرشد الاعلى الايراني وهذا القرار اثار قلق عدد من دول المنطقة التي تملك جاليات شيعية حيال ولاء جزء من مواطنيها لايران . والقرار الاخر الذي قضى على كل امل في انفتاح ايران السلمي على العرب والعالم ، تجلى في اعتماد مبدأ تصدير الثورة الدينية الايرانية الى البلدان العربية الاسلامية ، بهدف “تشييع” تك البلدان ،والقضاء على الانظمة ” الفاسدة” فيها . وقد اوكل الخميني تنفيذ هاتين المهمتين الى كل من الحرس الثوري وفيلق القدس ، والمؤسسات السياسية والثقافية والدينية الايرانية . كما رصدت الحكومةالايرانية مليارات الدولارات لانجاز هاتين المهمتين .

لقد وضع الخميني بقراراته هذه ، الاساس المادي والعقائدي للتوسع الايراني في العالمين العربي والاسلامي، ودس الالغام تحت اية جسور ، قد تبنى مستقبلا للتعاون والتفاهم . وقد ولٌدت هذه السياسة التوسعية ، مشكلات وازمات لا حصر لها مع دول المنطقة عامة ، ودول الخليج العربي على وجه الخصوص .فقد اعتبرت الدول الخليجية – عن حق – أن هذا النهج الايراني يشكل تهديدا وجوديا لها . وبالمناسبة ، فقد استتغل حافظ الاسد هذا التوجه الايراني ، للعب دور الوسيط بين ايران ودول والخليج ، ووسيلة لابتزازها ماليا، بذريعة تهدئة العلاقات بين الجانبين . لقد فجرت سياسة ايران التوسعية، موجات متتالية من التوتر واقواس الازمات ، افضت كلها الى اندلاع حرب طاحنة بين ايران والعراق (1980-1988).وللتذكير ، فقد اودت تلك الحرب بحياة نحو مليون شخص ، واستنزفت معظم اموال كل من ايران ودول الخليج والعراق . ورغم هذه النتائج الكارثية التي حلت بايران وجيرانها ، الا ان ورثة الخميني في الحكم ، واصلوا نهجهم العدواني التوسعي وعززوه ،لا سيما بعد حرب الخليج الثانية ،والتي قادتها واشنطن ،وافضت عام 2003 ،الى انهيار نظام صدام واحتلال امريكا للعراق . وقد رأى حكام طهران في الاحتلال الامريكي الكارثي للعراق ، فرصة ذهبيىة لايران من اجل التسلل الى داخل هذا البلد العربي ، وتثبيت وجودها هناك . والمدهش حقا ، ان محاولات ايران هذه ، قد تمت تحت نظر الامريكيين وسمعهم !

في العراق ، ظهرت بكل وضوح وجلاء ،معالم الانموذج الايراني للتدخل في بقية الدول . فقد اسست طهران عددا كبيرا من الميليشيات الشيعية المسلحة وعلى رأسها الحشد الشعبي ، وبنى الايرانيون سلطة امنية وعسكرية موازية للسلطة العراقية ، واخترقوا الاحزاب العراقية ،وهيمنوا على الاقتصاد والمال والاعلام ، وباشروا في تشييع الدولة . وقد شجعهم نجاحهم الباهر هذا في العراق ،على تكرار تجربتهم في دول اخرى في المنطقة ، بما في ذلك سورية ،حيث عمد القادة الايرانيون الى مساندة حاكم فاسد هو بشار الاسد ، وادخلوا اعدادا كبيرة من ميليشياتهم المسلحة وحرسهم الثوري . ووجود هذه الكيانات، ضمنت وجود سلطة ايرانية موازية ، هدفها السيطرة على سورية وشعبها . وقد شاركت هذه الكيانات الطائفية بفاعلية ، في قتل الشعب السوري وتدمير مدنه وقراه . والسلوك نفسه اقدمت عليه طهران في كل من اليمن، ولبنان .لقد هيمنت ايران على قرار تلك الدول ، واجبرتها على خدمة المخططات التوسعية الايرانية . لكن ابشع ما اقترفته ايران في تلك البلدان ، تجلى في محاولاتها تشييع المجتمعات المحلية وفتح قماقم الطائفية البغيضة ، وتخريب الذاكرة الشعبية ، ومسح الهوية الوطنية .هذه التصرفات البشعة كلها تمت ،تحت يافطة دعم فلسطين والتصدي لاسرائيل !

ولا بد من القول ، ان هذه الانشطة التوسعية الايرانية ، استنزفت الخزينة الايرانية ، وبددت الثروات الهائلة التي تمتلكها الارض الايرانية ،وافقرت الشعب الايراني، وفاقمت الازمات الاقتصادية في البلاد .

ولاغناء الحديث ، ساورد بعض الارقام ، التي تشهد حجم الكارثة التي حلت بايران ، وكيف انزلقت هذه الدولة – بسبب مغامرتها – من قمة اثرياء العالم ،الى هاوية الفقر والحاجة .

– كانت ايران تشغل الموقع الثالث في العالم من حيث احتياطيات الغاز ، والرابع عالميا في مجال النفط .

– كما كانت ايران تدخل ضمن قائمة الدول العشرالاكثر ثراءا في العالم، من حيث قيمة الموارد التي تختزنها الارض الايرانية .

لكن هذه الثروات الاسطورية ، لم تنعكس ايجابا على حياة الايرانيين . والسبب ،لان الحكومة الايرانية واصلت انفاق وارداتها المالية على مغامراتها التوسعيىة في الدول الاخرى . ففي سورية وحدها انفقت ايران – حسب اعتراف مسؤوليها – خمسين مليار دولار على انشطتها التوسعية . اضافة الى مبالغ طائلة اخرى” استدانها ” الاسد بشكل شخصي من ايران . كما بددت الحكومة الايرانية عشرات المليارات، لتمويل المنظمات الطائفية في كل من لبنان واليمن والعراق .فضلا عن ذلك ، هناك نحو مائة مليار دولار ، من اموال ايران ،مجمدة في البنوك الغربية . وينبغي ان لا تفوتنا الخسائر الهائلة الاخرى التي تتكبدها طهران بسبب العقوبات  الغربية ،لا سيما في قطاعي النفط والغاز . ولا يمكن تجاهل الحقيقة التالية ، هي ان نصف الميزانية الايرانية يذهب لصناعة وشراء  اسلحة جديدة . ومن حيث نسب الانفاق العسكري ،تقف ايران في مقدمة الدول ، من حيث  حجم المخصصات العسكرية في موازنة الدولة .

لقد انقلبت السياسة التوسعة الايرانية  الى كوارث حقيقية   على الشعب الايراني . واذكر رقما واحدا بهذا الخصوص . فخلال السنوات الست الاخيرة ، تهاوت قيمة الريال الايراني اكثر من ثلاثين مرة .ولنتصور حجم الازمة التي يكابدها الشعب الايراني اليوم.

لقد سعيت في مقالتي هذه ،الى  بيان الاخطاء  التي ارتكبتها القيادة الايرانية ، وبيان عقابيل تلك الاخطاء الكارثية على الشعب الايراني ، الذي ينتفض اليوم من أجل استعادة حقوقه ـ بما في ذلك حقه في التحكم بثرواته،  وانفاقها  لتحسين مستوى معيشته ، ووقف تبديدها على تمويل مغامرات عدوانية ، تجلب المصائب لايران وللشعوب الاخرى.

واريد في النهاية ، ان اتوقف عند الانباء التي تتحدث عن جهود، تبذلها  السلطات الايرانية لتحجيم تلك لمظاهرات  ،وتهدئة الغضب الشعبي ،عبر تقديم بعض الرشاوى المالية المتواضعة ، او التهديد بالقمع . وبهذا الخصوص اقول : لن  تفلح  السلطات الايرانية  بتحقيق رغباتها هذه   ، دون التخلي عن النزعة التوسعية العدوانية ، التي ارسى اسسها نظام الملالي في السياسة الخارجية الايرانية ، واعادة  بناء نهج جديد، قائم على التعاون والتعايش وقبول الآخر .

بقي ان اشير ، الى ان  المنطقة بحاجة الى وجود ايران مسالمة ، ايران  ،التي تبني علاقاتها مع دول الجوار  ،انطلاقا من مباديء المساواة والاحترام وعدم التدخل في الشؤون الداخلية . وايران ،بهذه المواصافات ، ستلقى الترحاب والصداقة من محيطها العربي والاسلامي . وانا اثق تماما ، بقدرة الشعب الايراني العظيم ، الذي اسهم في اغناء الحضارة الانسانية كلها، على تصحيح مسار الدولة الايرانية ،وضم  ايران  الى منتدى الدول الراغبة والقادرة على حفظ قيم الجوار ، والتعايش والاحترام  المتبادل وعدم التدخل  في الشؤون الداخلية للآخرين .

(اخبار سورية الوطن 2_الكاتب)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عقلانية زائفة أم تشريع لأبواب أخطر؟

  عبدالله علي تكشف الجرائم الكبيرة ولا سيما في لحظات التحوّل واللايقين، ليس فقط عن هشاشة الأمن، بل عن هشاشة اللغة التي تُستخدم لفهم ما ...