كتب محمد خير الوادي :
يذكرنا وضع ايران اليوم – في ظل التحركات الشعبية الهائلة ،بوضع رجل مريض ،يعاني من داء عضال داخلي، و ضعف متفاقم وعدم استقرار في صحته،كما يكابد عزلة خارجية قاسية نتيجة العقوبات التي تكبله . وحالة العجز وعدم الاستقرار هذه ،والتي تعشش في ايران ، ليست وليدة اليوم ، بل جاءت اثر تراكم ممارسات طويلة من الاخطاء والعثرات ،اوصلت البلاد لهذا الوضع المأزوم . وللوقوف عند الجذورالعميقة لتفاقم تلك الحالة ، سأبدا حديثي من رحلة سريعة في التاريخ القريب .
عندما انتصرت الثورة الاسلامية الايرانية عام 1979 ، استبشر العرب والمسلمون خيرا . فقد اطاحت هذه الثورة بنظام الشاه القمعي ، الذي ناخ على صدر الشعب الايراني ، وارهب شعوب المنطقة ، وتحول الى عصا غليظة ضدها . كما رفع النظام الجديد في ايران ،شعارات براقة جاذبة مثل، نصرة المستضعفين ، وتحرير القدس ،ومد يد الاخوة الاسلامية والصداقة الى شعوب المنطقة .
لكن – للأسف –فان هذا الفرح العربي والاسلامي بانتصار الثورة الايرانية ،لم يعمر طويلا . فسرعان ما بدده الخميني بقرارين خطيرين : اولهما ،هو اعتماد ما يسمى بنظام ولاية الفقيه ،الذي يلزم شيعة العالم – بغض النظر عن جنسياتهم ودولهم – بالسمع والطاعة لسياسة ولي الفقيه – المرشد الاعلى الايراني وهذا القرار اثار قلق عدد من دول المنطقة التي تملك جاليات شيعية حيال ولاء جزء من مواطنيها لايران . والقرار الاخر الذي قضى على كل امل في انفتاح ايران السلمي على العرب والعالم ، تجلى في اعتماد مبدأ تصدير الثورة الدينية الايرانية الى البلدان العربية الاسلامية ، بهدف “تشييع” تك البلدان ،والقضاء على الانظمة ” الفاسدة” فيها . وقد اوكل الخميني تنفيذ هاتين المهمتين الى كل من الحرس الثوري وفيلق القدس ، والمؤسسات السياسية والثقافية والدينية الايرانية . كما رصدت الحكومةالايرانية مليارات الدولارات لانجاز هاتين المهمتين .
لقد وضع الخميني بقراراته هذه ، الاساس المادي والعقائدي للتوسع الايراني في العالمين العربي والاسلامي، ودس الالغام تحت اية جسور ، قد تبنى مستقبلا للتعاون والتفاهم . وقد ولٌدت هذه السياسة التوسعية ، مشكلات وازمات لا حصر لها مع دول المنطقة عامة ، ودول الخليج العربي على وجه الخصوص .فقد اعتبرت الدول الخليجية – عن حق – أن هذا النهج الايراني يشكل تهديدا وجوديا لها . وبالمناسبة ، فقد استتغل حافظ الاسد هذا التوجه الايراني ، للعب دور الوسيط بين ايران ودول والخليج ، ووسيلة لابتزازها ماليا، بذريعة تهدئة العلاقات بين الجانبين . لقد فجرت سياسة ايران التوسعية، موجات متتالية من التوتر واقواس الازمات ، افضت كلها الى اندلاع حرب طاحنة بين ايران والعراق (1980-1988).وللتذكير ، فقد اودت تلك الحرب بحياة نحو مليون شخص ، واستنزفت معظم اموال كل من ايران ودول الخليج والعراق . ورغم هذه النتائج الكارثية التي حلت بايران وجيرانها ، الا ان ورثة الخميني في الحكم ، واصلوا نهجهم العدواني التوسعي وعززوه ،لا سيما بعد حرب الخليج الثانية ،والتي قادتها واشنطن ،وافضت عام 2003 ،الى انهيار نظام صدام واحتلال امريكا للعراق . وقد رأى حكام طهران في الاحتلال الامريكي الكارثي للعراق ، فرصة ذهبيىة لايران من اجل التسلل الى داخل هذا البلد العربي ، وتثبيت وجودها هناك . والمدهش حقا ، ان محاولات ايران هذه ، قد تمت تحت نظر الامريكيين وسمعهم !
في العراق ، ظهرت بكل وضوح وجلاء ،معالم الانموذج الايراني للتدخل في بقية الدول . فقد اسست طهران عددا كبيرا من الميليشيات الشيعية المسلحة وعلى رأسها الحشد الشعبي ، وبنى الايرانيون سلطة امنية وعسكرية موازية للسلطة العراقية ، واخترقوا الاحزاب العراقية ،وهيمنوا على الاقتصاد والمال والاعلام ، وباشروا في تشييع الدولة . وقد شجعهم نجاحهم الباهر هذا في العراق ،على تكرار تجربتهم في دول اخرى في المنطقة ، بما في ذلك سورية ،حيث عمد القادة الايرانيون الى مساندة حاكم فاسد هو بشار الاسد ، وادخلوا اعدادا كبيرة من ميليشياتهم المسلحة وحرسهم الثوري . ووجود هذه الكيانات، ضمنت وجود سلطة ايرانية موازية ، هدفها السيطرة على سورية وشعبها . وقد شاركت هذه الكيانات الطائفية بفاعلية ، في قتل الشعب السوري وتدمير مدنه وقراه . والسلوك نفسه اقدمت عليه طهران في كل من اليمن، ولبنان .لقد هيمنت ايران على قرار تلك الدول ، واجبرتها على خدمة المخططات التوسعية الايرانية . لكن ابشع ما اقترفته ايران في تلك البلدان ، تجلى في محاولاتها تشييع المجتمعات المحلية وفتح قماقم الطائفية البغيضة ، وتخريب الذاكرة الشعبية ، ومسح الهوية الوطنية .هذه التصرفات البشعة كلها تمت ،تحت يافطة دعم فلسطين والتصدي لاسرائيل !
ولا بد من القول ، ان هذه الانشطة التوسعية الايرانية ، استنزفت الخزينة الايرانية ، وبددت الثروات الهائلة التي تمتلكها الارض الايرانية ،وافقرت الشعب الايراني، وفاقمت الازمات الاقتصادية في البلاد .
ولاغناء الحديث ، ساورد بعض الارقام ، التي تشهد حجم الكارثة التي حلت بايران ، وكيف انزلقت هذه الدولة – بسبب مغامرتها – من قمة اثرياء العالم ،الى هاوية الفقر والحاجة .
– كانت ايران تشغل الموقع الثالث في العالم من حيث احتياطيات الغاز ، والرابع عالميا في مجال النفط .
– كما كانت ايران تدخل ضمن قائمة الدول العشرالاكثر ثراءا في العالم، من حيث قيمة الموارد التي تختزنها الارض الايرانية .
لكن هذه الثروات الاسطورية ، لم تنعكس ايجابا على حياة الايرانيين . والسبب ،لان الحكومة الايرانية واصلت انفاق وارداتها المالية على مغامراتها التوسعيىة في الدول الاخرى . ففي سورية وحدها انفقت ايران – حسب اعتراف مسؤوليها – خمسين مليار دولار على انشطتها التوسعية . اضافة الى مبالغ طائلة اخرى” استدانها ” الاسد بشكل شخصي من ايران . كما بددت الحكومة الايرانية عشرات المليارات، لتمويل المنظمات الطائفية في كل من لبنان واليمن والعراق .فضلا عن ذلك ، هناك نحو مائة مليار دولار ، من اموال ايران ،مجمدة في البنوك الغربية . وينبغي ان لا تفوتنا الخسائر الهائلة الاخرى التي تتكبدها طهران بسبب العقوبات الغربية ،لا سيما في قطاعي النفط والغاز . ولا يمكن تجاهل الحقيقة التالية ، هي ان نصف الميزانية الايرانية يذهب لصناعة وشراء اسلحة جديدة . ومن حيث نسب الانفاق العسكري ،تقف ايران في مقدمة الدول ، من حيث حجم المخصصات العسكرية في موازنة الدولة .
لقد انقلبت السياسة التوسعة الايرانية الى كوارث حقيقية على الشعب الايراني . واذكر رقما واحدا بهذا الخصوص . فخلال السنوات الست الاخيرة ، تهاوت قيمة الريال الايراني اكثر من ثلاثين مرة .ولنتصور حجم الازمة التي يكابدها الشعب الايراني اليوم.
لقد سعيت في مقالتي هذه ،الى بيان الاخطاء التي ارتكبتها القيادة الايرانية ، وبيان عقابيل تلك الاخطاء الكارثية على الشعب الايراني ، الذي ينتفض اليوم من أجل استعادة حقوقه ـ بما في ذلك حقه في التحكم بثرواته، وانفاقها لتحسين مستوى معيشته ، ووقف تبديدها على تمويل مغامرات عدوانية ، تجلب المصائب لايران وللشعوب الاخرى.
واريد في النهاية ، ان اتوقف عند الانباء التي تتحدث عن جهود، تبذلها السلطات الايرانية لتحجيم تلك لمظاهرات ،وتهدئة الغضب الشعبي ،عبر تقديم بعض الرشاوى المالية المتواضعة ، او التهديد بالقمع . وبهذا الخصوص اقول : لن تفلح السلطات الايرانية بتحقيق رغباتها هذه ، دون التخلي عن النزعة التوسعية العدوانية ، التي ارسى اسسها نظام الملالي في السياسة الخارجية الايرانية ، واعادة بناء نهج جديد، قائم على التعاون والتعايش وقبول الآخر .
بقي ان اشير ، الى ان المنطقة بحاجة الى وجود ايران مسالمة ، ايران ،التي تبني علاقاتها مع دول الجوار ،انطلاقا من مباديء المساواة والاحترام وعدم التدخل في الشؤون الداخلية . وايران ،بهذه المواصافات ، ستلقى الترحاب والصداقة من محيطها العربي والاسلامي . وانا اثق تماما ، بقدرة الشعب الايراني العظيم ، الذي اسهم في اغناء الحضارة الانسانية كلها، على تصحيح مسار الدولة الايرانية ،وضم ايران الى منتدى الدول الراغبة والقادرة على حفظ قيم الجوار ، والتعايش والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين .
(اخبار سورية الوطن 2_الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
