آخر الأخبار
الرئيسية » عربي و دولي » الرهان على أميركا مجدداً

الرهان على أميركا مجدداً

 

ابراهيم الأمين

 

لم يعد الغموض غير البنّاء الذي يحيط به أركان الدولة ملفّ التفاوض مع إسرائيل كافياً لإخفاء الوجهة التي تسير فيها السلطة في لبنان. وهي وجهة تقوم على فكرة واحدة وبسيطة: لسنا في موقع من يفرض الشروط على الولايات المتحدة وإسرائيل، وعلينا التعايش مع الواقع القائم.

 

تشكل هذه الخلاصة التبرير العملي الذي يعتمده معظم أركان الدولة في مقاربتهم للعدوان والاحتلال، ولشروط الوصاية الأميركية – السعودية المفروضة على لبنان. وفي كل مناسبة، لا يتوانى المسؤولون عن التلميح إلى أنّ المقاومة تلقّت ضربة كبيرة، قبل أن يسارعوا إلى استنتاج جاهز مفاده أنّ السلاح أثبت، في رأيهم، عجزه عن حماية البلاد.

 

بين النقاش الكيدي والنقاش العلمي فارق جوهري، غير أنّ الأساس في الحالتين يبقى النوايا التي تحكم من هم في موقع القرار. وقد بات واضحاً أنّ المشهد اليوم لا يختلف عمّا كان عليه إبّان فترة الوصاية السورية الكاملة على لبنان، حين كان معظم أركان الدولة يلتزمون بالتوجّهات العامة لدمشق ولا يخرجون عنها. فالأمر نفسه يتكرّر اليوم، إذ نادراً ما يخالف غالبية أركان الدولة توجّهات الولايات المتحدة والسعودية.

 

وبناءً عليه، فإن نوايا من يتولّون سدّة القرار تسهم في رسم الاتجاهات العامة، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد السياسات الفعلية. وللتوضيح، فإن خصومة جوزيف عون ونواف سلام لفكرة المقاومة، وللقوى الساعية إلى إحداث تغيير جذري في البلاد، لا تعني بالضرورة انخراطهما في مشروع يقود إلى سفك الدماء في بيروت. وفي المقابل، فإن ارتباط شخصيات مثل نبيه بري ووليد جنبلاط بعلاقات جدّية مع فكرة المقاومة أو معارضة المشروع الإسرائيلي، لا يعني أنهما يوافقان بالكامل على استراتيجية المقاومة، ولا سيما بعد الحرب الأخيرة.

 

وبين هذين الطرفين، تتحرّك قوى عدة، من بينها طرف كـ«القوات اللبنانية» لا يمانع اندلاع حرب أهلية جديدة إذا كانت ستقوده إلى السلطة وتعيد إحياء حلمه القديم بالدويلة. كما توجد قوى تمثّل مركز المصالح الاقتصادية في البلاد، ولا ترى في لبنان سوى ساحة لتبادل الخدمات، ومراضاة من يملك المال، لا القوّة فحسب.

 

علماً أن دول الوصاية لا تقف على خاطر أحد من كل هؤلاء، وتريد من الجميع الالتزام بالسياسات الجديدة، فتهدّد هذا بالعقوبات، وذاك بالعزل، وآخر بالحصار، وغيره بوقف مصادر التمويل، وصولاً إلى معاقبة رجال دين عبر حرمان أنصارهم من تأشيرات الحج، تماماً كما تفعل الولايات المتحدة وأوروبا حين تفرض قيود السفر على من تعتبرهم خارجين عن سياساتها.

 

وسط هذه المناخات، تدور اليوم ملامح حرب باردة، وعلى خلفية هذا النوع من التموضع السياسي يحتدم الصراع الداخلي. فمن يقف إلى جانب المقاومة يدرك تماماً أنّ لهذا الخيار كلفة عالية، ولذلك يمكن ملاحظة انسحاب كثيرين فجأة بذريعة الخوف على أرزاقهم، تماماً كما اعتكف آخرون بحجّة التحوّلات الكبرى التي فرضتها الحرب، فيما هاجسهم الفعلي هو حماية أنفسهم من أي عقاب مباشر من إسرائيل أو غير مباشر من الأميركيين.

 

غير أنّ المشكلة الأساسية لدى القائمين على الدولة اليوم تكمن في تعاطيهم بخفّة مع مستوى الاحتقان القائم في الشارع. فهذا الاحتقان لا يحتاج إلى وصفات تخفيفية أو مقاربات تبسيطية، كالترويج لفكرة أنّ الشيعة اليوم «طائفة مجروحة»، أو الإيحاء بأن أنصار التيار الأميركي في لبنان يعيشون حالة استعداد لـ«الحصاد»، أو حتى توصيف الناس العاديين بلغة استعلائية بوصفهم «مشحّرين» يحتاجون إلى من ينقذهم من الأسوأ.

 

ورغم كل محاولات فرض أجندات متضاربة على طاولة النقاش، يدرك الجميع أنّ البند الحقيقي الوحيد يتصل بالحرب المستمرة مع العدو الإسرائيلي، والتي اتخذت شكلاً مختلفاً بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار في نهاية عام 2024.

 

إذ لم يتوقف العدوان والقتل والتحرّش بالمقاومة وبيئتها، وتسعى قوى الوصاية وأنصارها في لبنان إلى رهن كلّ شؤون البلاد بالموقف من ملف نزع سلاح المقاومة، بعدما نجحت، إلى حدّ بعيد، في إقناع شرائح من الناس بأنّ السلاح هو العقبة أمام عودة التيار الكهربائي، وأنّ أزمة القطاع المصرفي تُحلّ إذا أُقفلت مؤسّسة القرض الحسن، وأنّ الميزان التجاري سيتحسّن في حال تعطيل الذراع التجارية لحزب الله، بل وإنّ الجريمة ستختفي والسجون ستُقفل إذا ما جرى حظر المقاومة كقوة وسلاح… إلى سلسلة من السرديّات التي، مع الأسف، وجدت طريقها إلى عقول البعض.

 

الذين يمضون الليل في الصلاة

لسقوط النظام في إيران، لا يختلفون أبداً عن الذين يريدون نزع أرواح المقاومين قبل سلاحهم

 

ولأنّ الأمور باتت على هذا القدر من الوضوح، بدأت التحدّيات تأخذ بُعدها الأكثر خطورة مع ارتفاع منسوب التوتّر في المنطقة. فبمجرّد إعلان الولايات المتحدة دخولها، إلى جانب إسرائيل وأوروبا، مرحلة جديدة من حربها لإسقاط النظام في إيران، خرجت في لبنان أصوات تنادي بالحياد عن المحاور في وضح النهار، فيما تقضي ليلها بالدعاء لنجاح المشروع الأميركي. وما يعني هؤلاء، ممّن يشغلون اليوم مواقع في السلطة أو يمارسون تأثيراً سياسياً وازناً، هو أن تنجح الحملة الأميركية، لأنّ سقوط النظام في إيران يعني، في حساباتهم، سقوط حزب الله في لبنان.

 

والخطير في الأمر لا يكمن في النيات أو الرغبات فحسب، بل في استعداد بعض الأطراف للعب دور فعلي في هذه المعركة. فالذين يطالبون حزب الله بعدم التدخّل في حال اندلاع حرب وجودية على إيران، يُظهرون في الوقت نفسه استعداداً للقيام بدورهم في مواجهة الحزب إذا طُلب منهم ذلك. وبين القوى في لبنان من يطالب الجيش اللبناني وسائر القوى الأمنية بالمبادرة إلى محاصرة مناطق حزب الله، ومداهمة مراكزه أو المنشآت التابعة للمقاومة، ولو استدعى الأمر صداماً مسلّحاً. وأصحاب هذا الطرح يرون في اللحظة الراهنة فرصة سانحة للتخلّص من حزب الله كلياً، لا من سلاحه فقط.

 

وما لا تبالي دول الوصاية بسماعه من هؤلاء، أنّ مطلبهم المعلن بنزع سلاح المقاومة يخفي هاجساً أعمق، يتمثّل في السعي إلى اجتثاث حزب الله بكلّ مكوّناته: تنظيمه، وجمهوره، وإعلامه، ومؤسّساته الصحية والتربوية، وصولاً إلى فرقه الكشفية. ألم يكن فارس سعيد شديد الوضوح حين قال: «ماذا ينفعني إذا نُزع سلاح حزب الله وبقي لديه 27 نائباً في البرلمان؟».

 

ألم يطالب سمير جعجع عملياً بحلّ حزب الله وملاحقة عناصره العسكرية والأمنية، والقضاء على أدوات تأثيره في المجتمع؟ وألم يطالب حاكم مصرف لبنان كريم سعيد، ومعه ثلة من مغاوير المصارف، ليس فقط إقفال القرض الحسن، بل مصادرة موجوداته، لأنّ ذلك كفيل بإحياء القطاع المصرفي في لبنان والقضاء على ما يُسمّى الاقتصاد الموازي؟

 

عملياً، نحن أمام مواجهة من نوع مختلف. وإذا كان الغموض لا يزال يلفّ وجهة عمل حزب الله، وتتباين القراءات حيال ذلك بين من يرى في الأمر تخطيطاً محسوباً، ومن يعتبره انعكاساً لحالة ارتباك أو ضعف، فإن الأمور واضحة تماماً لدى الناس، ولا سيما جمهور المقاومة. وإلا، هل يستطيع أحد أن يشرح كيف لم يشهد الحزب أيّ انشقاق أو ابتعاد أو خلاف يُذكر بين قواعد الحزب وقيادته؟ وألا يصدق البعض أنّ جمهور المقاومة لا يزال يفوّض أمره إلى قيادة حزب الله، ويمنحها ثقته الكاملة في ما تخطّط له، سواء في ما يتعلّق بالمواجهة مع إسرائيل أو بطريقة التعاطي مع الأوضاع الداخلية؟

 

مشكلة خصوم حزب الله لا تكمن في ارتفاع منسوب الحقد لديهم، ولا في ارتهانهم الدائم للخارج، سواء كان الولايات المتحدة أو إسرائيل أو السعودية، أو حتى أحمد الشرع، بل في رفضهم رؤية الصورة على حقيقتها. فلبنان، من القاع إلى القمّة، يبدو اليوم أقرب من أيّ وقت مضى إلى نقطة الانفجار الكبير.

 

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وزير خارجية فرنسا يبدأ جولة شرق أوسطيّة والبداية غداً من سوريا

  يبدأ وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، يوم غد الخميس، جولة في الشرق الأوسط، لتكون محطّته الأولى في دمشق، حيث يلتقي وزير الخارجية أسعد ...