محمد سيد رصاص
تزامنت عملية نشوء الدولة القوية عند الإيرانيين (أطلق اسم إيران على بلاد فارس في عام 1935) من خلال إسماعيل الصفوي (1502) وعند الروس عبر إعلان إيفان الرهيب عام 1547 قيصراً. اجتمعت الدولتان على العداء للعثمانيين وجرى تبادل السفراء عام 1553. كان تمدّد الروس جنوباً عبر نهر الفولغا حتى الشاطئ الشمالي لبحر قزوين أواخر القرن السادس عشر قد أنذر بصدام قادم بين الدولتين بحكم سيطرة الصفويين على القفقاس في داغستان وجورجيا وأذربيجان وأرمينيا الراهنة. حصلت أربع حروب روسية – فارسية بين عامي 1651 و1828 فقدت فيها إيران القفقاس وبتأثير اضمحلال القوة الفارسية تم التنازل للروس عام 1881 عن تركمانستان عند الشاطئ الشرقي لبحر قزوين.
في معاهدة «أكال» عام 1881 اعترفت روسيا بالوضعية القائمة للحدود مع الدولة الفارسية، ولكن هذا لم يمنعها من بسط النفوذ على الدولة الفارسية الضعيفة. وعملياً في مدينتي تبريز وقزوين بالشمال كان للقناصل الروس أواخر القرن التاسع عشر نفوذاً يتجاوز حاكم طهران. وفي ثورة 1905-1911 الدستورية الفارسية استعان الشاه من السلالة القاجارية بالجنود الروس لقمع وإنهاء الثورة. وفي معاهدة 1907 الروسية – الإنكليزية جرى تقاسم مناطق النفوذ، حيث أخذت روسيا خط مشهد-طهران-أصفهان-تبريز وشماله فيما أخذت لندن جنوبه حتى بحر العرب وغرباً إلى الخليج والحدود مع بلاد الرافدين.
مع الغزو النازي للاتحاد السوفياتي صيف 1941، اتفق تشرشل وستالين على دخول القوات السوفياتية حتى خط معاهدة 1907، وقد دخل الجيش الأحمر لطهران في 16 أيلول 1941 حيث جرى في اليوم التالي خلع الشاه رضا بهلوي وتنصيب ابنه محمد بدلاً منه. مع بداية توترات ما بعد الحرب بين موسكو والغرب قام ستالين، حيث تتمركز القوات السوفياتية، بالدفع لإنشاء «جمهورية شعب أذربيجان» (21 تشرين الثاني 1945) بقيادة الحزب الشيوعي (توده) و«جمهورية مهاباد» الكردية (22 كانون الثاني 1946) بقيادة القاضي محمد والملا مصطفى البرزاني.
تخلّى الزعيم السوفياتي عنهما في الشهر الأخير من عام 1946 لمّا قايض انسحاب القوات السوفياتية من إيران مقابل إقرار الغرب بنفوذ موسكو في شرق أوروبا.
منذ أيلول 1941 وحتى الانقلاب المدعوم من واشنطن بقيادة الجنرال زاهدي على رئيس الوزراء محمد مصدّق في شهر آب 1953، عاشت إيران على إيقاع نموّ نفوذ الشيوعيين الإيرانيين.
منذ مرحلة ما بعد محمد مصدق، أصبح شاه إيران أساسياً في بناء «الجدار الشمالي»، الذي قال به عام 1954 وزير الخارجية الأميركي جون فوستر دالاس لوقف تمدّد السوفيات جنوباً، والذي يمتدّ من باكستان إلى تركيا عبر إيران والعراق، وقد كان قيام حلف بغداد عام 1955 ضمن سياق هذه الاستراتيجية. مع تصاعد خلاف واشنطن مع عبد الناصر منذ عام 1964 كانت طهران أساسية في مواجهة تمدّد القاهرة عبر تشكيل «الحلف الإسلامي» مع السعودية وباكستان. في مرحلة ما بعد وفاة الزعيم المصري عام 1970، طرح هنري كيسنجر نظرية أن شاه إيران هو «شرطي الخليج»، وقد مارست واشنطن سياسة «الصمت الراضي» عن احتلاله للجزر الإماراتية الثلاث عام 1971، وكانت هي وراء الاستعانة به لقمع الحركة المسلحة في إقليم ظفار ضد السلطان قابوس في مسقط المدعومة من ماركسيي اليمن الجنوبي حلفاء موسكو.
هنا، كان غريباً المشهد عند وصول الخميني للسلطة في طهران وإسقاط حكم آل بهلوي بيوم 11 شباط 1979، لمّا كان ليونيد بريجنيف في موسكو يتشارك فقط مع بعث العراق الموقف السلبي من الحكّام الجدد في إيران، وسط تخلّي واشنطن عن الشاه، بخلاف ما جرى لمّا أعادته للسلطة وأطاحت بخصومه عام 1953، ومع الضوء الأخضر الأميركي لباريس باستضافة الخميني، ثم منع جيمي كارتر للجنرالات الإيرانيين من تكرار ما فعله الجنرال زاهدي عام 1953.
على الأرجح كان الغرب أواخر عام 1978 وأوائل 1979 يفكّر بانقلاب الشيوعيين الأفغان في نيسان 1978 وفي انقلاب المتشدّدين الماركسيين بقيادة عبد الفتاح إسماعيل في عدن على سالم ربيع علي في حزيران 1978 وقبلهما انقلاب الجنرال الإثيوبي المدعوم من موسكو منغستو هيلا مريام في شباط 1977. وعلى الأغلب كان زبغنيو بريجنسكي، مستشار كارتر لشؤون الأمن القومي، يفكّر في وضع الخميني، مع التنظيم العالمي لجماعة «الإخوان المسلمين»، مع وجود الجنرال ضياء الحق في باكستان وهو المدعوم من «الجماعة الإسلامية» بقيادة أبو الأعلى المودودي أستاذ سيد قطب، بوجه «الشيوعيين» الأفغان في كابول الذين اقتربوا من إحداث اختراق سوفياتي لـ«الجدار الشمالي».
لم تكن طهران قليلة الجهد ضد السوفيات والشيوعيين الأفغان في أفغانستان الثمانينيات، ولكنها سرعان ما اصطدمت مع واشنطن أيضاً منذ خريف 1979 مع احتلال السفارة الأميركية في طهران. بعد حياد استمر حتى عام 1984، قام الأميركان بدعم صدام حسين ضد الخميني في حرب الثمان سنوات ولو مع فاصل قصير عام 1986 مثّلته «إيران غيت» عندما كشف عن سماح أميركي لإسرائيل ببيع أسلحة أميركية الصنع لإيران مقابل الإفراج عن الرهائن الغربيين في لبنان ومن أجل تمويل «الكونترا» النيكاراغوية المضادة للساندينيين المدعومين من موسكو بثمن تلك الأسلحة.
مع سقوط الاتحاد السوفياتي وتفكّكه عام 1991 حصل تقارب بين موسكو وطهران ضد أنقرة المدعومة من الأميركان والتي أرادت احتواء الجمهوريات الإسلامية السوفياتية ذات الثقافة واللغة التركية. تباعدت إيران عن روسيا في فترة التحالف الأميركي-الإيراني في العراق المغزو والمحتل عام 2003 ووقفت موسكو حائلاً أمام واشنطن دون تشريع ذلك الغزو بمجلس الأمن الدولي. مع الطلاق الأميركي-الإيراني بسبب استئناف طهران لبرنامج تخصيب اليورانيوم عام 2005، وقفت موسكو مع واشنطن ضد طهران بمجلس الأمن الدولي في كل القرارات التي فرضت حزمة العقوبات ضد إيران وصوّتت بالموافقة عليها، ابتداء من القرار 1696 عام 2006 حتى القرار 1929 عام 2010.
ووصلت عام 2010 لإلغاء صفقة أسلحة روسية لإيران بمبلغ 13مليار دولار كان منها منظومة «أس-300» المضادة للطيران.
كانت الأزمة السورية التي سبّبت تباعد موسكو عن واشنطن منذ فيتو 4 تشرين الأول 2011 طريقاً للتلاقي الروسي-الإيراني. تلاقى الروس والإيرانيون على دعم السلطة السورية وعلى منع إسقاطها، في حسابات أن «الدفاع عن موسكو وطهران يتم من دمشق».
عندما تلاقت واشنطن وموسكو في فترة 30 أيلول 2015 (الدخول العسكري الروسي إلى سوريا) تجاه الملف السوري كان يجري تباعد روسي-إيراني ولو نسبياً. عندما كان يحصل التوتّر الأميركي-الروسي حول سوريا كان تقارب موسكو وطهران يزداد، وخاصة في عهد ترامب الأول 2017-2021، الذي اتجه للتصادم مع إيران بخلاف أوباما الذي عقد الاتفاق النووي مع طهران عام 2015. مع دخول العامل الإسرائيلي تجاه موضوع الجنوب السوري عبر اتفاق 2018، اتجهت موسكو للتباعد أكثر مع طهران وللتقارب أكثر مع واشنطن.
منذ تصريح جيمي جيفري، المبعوث الأميركي إلى سوريا 2018-2020، في يوم 12 أيار 2019: «مهمتي جعل سوريا مستنقعاً للروس من خلال اتخاذ مجموعة من الإجراءات لمنع عودة الوضع الطبيعي لمناطق سيطرة النظام، وإثارة أزمات متجددة، وبالتالي جعل سوريا تتحوّل من ورقة إلى عبء على موسكو وطهران» (جوناثان سباير: «سياسة ترامب السورية تعمل»، مجلة «فورين بوليسي»، 1\7\2020)، اتجه الروس والإيرانيون أكثر للتعاون في سوريا مع محاولة تحويل مساري سوتشي وأستانا إلى محور ثلاثي مع الأتراك لرسم سياسة تجاه سوريا تخالف ما تريده واشنطن.
عملياً، تكرّس تعاون روسي-إيراني مع نشوب الحرب الأوكرانية منذ شباط 2022 مع تزويد طهران الروس بالطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية وقد أظهرت تلك الحرب تحالفاً ثلاثياً صينياً-روسياً-إيرانياً ترجم في أماكن أبعد من أوكرانيا وأصبح ذلك التحالف هاجساً كبيراً وموضوع تناقض رئيسياً تعمل الولايات المتحدة على مجابهته. وواضح من طريقة تعاملها مع الروس من خلال مبادرة ترامب ذات الـ28 بنداً تجاه موضوع أوكرانيا، وحتى في محاولة إنشاء اتفاق جديد مع إيران من قبل إدارة ترامب في عام 2026، أنّ واشنطن تريد تفكيك هذا الثالوث وتريد اتفاقات منفردة مع الروس والإيرانيين لعزل الصين والانفراد بها ولإبعاد طهران عن موسكو.
في هذا الصدد أظهرت طريقة تعامل أنقرة مع موضوع إسقاط نظام بشار الأسد، ومع سوريا ما بعد يوم 8 كانون الأول 2024، أنّ تركيا قد عادت للمدار الأميركي بعيداً عن موسكو وطهران ليس فقط في الموضوع السوري، بخلاف فترة ما بعد قمّة موسكو بين بوتين وإردوغان في 9 آب 2016 وحتى يوم 27 تشرين الثاني 2024 لمّا بدأ هجوم «هيئة تحرير الشام» من إدلب باتجاه حلب بغطاء أميركي-تركي، وإنما هذا يشمل موضوع سياسات تركية جديدة في القفقاس وآسيا الوسطى تقترب فيها أنقرة من واشنطن وتتباعد عن موسكو وطهران.
السياسة الأميركية منذ حرب الـ12يوماً في حزيران 2025 الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران تتّجه لاحتواء طهران، عبر سياسة يمتزج فيها الضغط العسكري مع الخنق الاقتصادي، كما إنّ سياسات ترامب منذ عودته للبيت الأبيض عام 2025 تتّجه لاحتواء موسكو عبر إجبار الأوكران على تنازلات عن الأراضي، وهو ما يخلق توتّراً بين الأميركان والأوروبيين، من أجل إبعاد الروس عن الصين، ولكن كلا الأمرين من أجل أيضاً إبعاد موسكو وطهران عن بعضهما البعض وأن يكون كل منهما منفرداً تحت المظلة الأميركية.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
