حسن حردان
إعلان جيش الاحتلال الإسرائيلي عن بدء توغل بري في جنوب لبنان في 3 آذار الحالي، مسبوقاً بإنذار لـ 80 بلدة لبنانية حدودية، لا يمثل مجرد “ردّ فعل” عسكري على هجوم المقاومة، بل هو ترجمة ميدانية لخطط تمّ الإعداد لها وتحديثها منذ سنوات، وتحديداً بعد تجارب حربي 1982 و2006، وكشفت عنها قناة 13 الإسرائيلية التي أوردت تقارير مفصلة حول كواليس ما جرى يوم الأحد (1 آذار 2026) والاثنين، مشيرة إلى أنّ “إسرائيل” كانت بصدد تنفيذ “ضربة استباقية واسعة” ضدّ حزب الله، لكن مسار الأحداث تغير بشكل مفاجئ.
ماذا يعني هذا التصعيد، وما هي دلالاته، وتداعياته، والتحديات التي يفرضها على لبنان:
أولاً: ماذا يكشف هذا التصعيد الإسرائيلي؟
انّ هذا التوغل الإسرائيلي، الذي يستهدف القرى المتاخمة للحدود وصولاً إلى عمق يتجه نحو نهر الليطاني، يكشف عن عدة حقائق استراتيجية:
1 ـ إعادة إحياء “الحزام الأمني” معدلاً: يهدف الاحتلال الإسرائيلي بوضوح إلى إقامة منطقة عازلة خالية من السكان ومن ايّ وجود عسكري للجيش اللبناني، والمقاومة، وهو نموذج يسعى لتكراره مشابه لما كان قائماً قبل عام 2000، ولكن بمساحة أوسع، تشمل جنوب الليطاني، وبصيغة تكنولوجية ونارية أكثر كثافة بذريعة منع تكرار أحداث 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 من الجبهة الشمالية.
2 ـ خطة “تطهير” الحافة الأمامية: إنذار سكان 80 بلدة دفعة واحدة يعني الرغبة في تحويل هذه القرى إلى “منطقة عمليات عسكرية مغلقة” أو “أرض محروقة” يصعب السكن فيها مستقبلاً، لتكون عازلاً جغرافياً يحمي المستوطنات الإسرائيلية في الجليل الفلسطيني المحتل.. وتحقق من خلاله “إسرائيل” اطماعها في ارض ومياه لبنان.
3 ـ تجاوز القرار 1701: التحرك العسكري الإسرائيلي يشير إلى أنّ “إسرائيل” لم تعد تراهن على الصيغة القديمة للقرار 1701، بل تسعى لفرض واقع ميداني جديد بالقوة قبل الدخول في أيّ مفاوضات سياسية.. تستهدف منها فرض شروطها الأمنية والسياسية من خلال الضغط على لبنان لتوقيع اتفاق مشابه لاتفاق 17 أيار.
ثانياً: التداعيات المتوقعة
هناك جملة من التداعيات أبرزها:
1 ـ تفاقم أزمة النزوح: نحن أمام موجة نزوح هي الأكبر، حيث بدأ آلاف اللبنانيين بالفعل مغادرة الجنوب باتجاه صيدا وبيروت والجبل والبقاع، مما يضع ضغطاً هائلاً على البنية التحتية اللبنانية المتهالكة أصلاً.
2 ـ استدراج مواجهة واسعة: التوغل البري قد يكسر “قواعد الاشتباك” المتبقية، مما قد يدفع المقاومة إلى استخدام قوتها الصاروخية الأكثر دقة ومدى، واستهداف العمق الإسرائيلي (حيفا وتل أبيب) بشكل مكثف.. وهو ما بدأت بتنفيذه تدريجياً.
3 ـ التدمير الممنهج للقرى: الصور الميدانية والتقارير تشير إلى استخدام سياسة “الأرض المحروقة” وتفجير أحياء كاملة لضمان عدم عودة مقاتلي المقاومة أو السكان إليها في المدى القريب.
ثالثاً: التحدي الذي يفرضه على لبنان
يواجه لبنان اليوم اختباراً وجودياً يتمثل في عدة نقاط:
النقطة الأولى: تحدي السيادة،
قدرة الجيش اللبناني على التعامل مع الاجتياح الإسرائيلي للمنطقة الحدودية في الجنوب، في ظلّ اختلال موازين القوى، والضغوط الدولية التي تطالبه بالانتشار في الجنوب بينما تستمرّ “إسرائيل” في التوغل.
النقطة الثانية: تحدي الوحدة الوطنية،
خطر حدوث انقسام سياسي داخلي حول قرار المقاومة العودة الى التصدي للاحتلال، الذي تمادى في عدوانه، حيث تعارض بعض الأطراف هذا الخيار، فيما الموقف الرسمي اعتبر المقاومة خارجة عن القانون، مما قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار الداخلي.
التحدي الإنساني والمالي: لبنان يمرّ بانهيار اقتصادي منذ سنوات، والقدرة على تأمين احتياجات مئات آلاف النازحين وإعادة الإعمار لاحقاً تبدو شبه مستحيلة دون دعم دولي، واعادة نظر بالسياسات الاقتصادية للحكومة…
انطلاقاً مما تقدّم يمكن القول:
انّ “إسرائيل” تحاول احتلال كامل منطقة جنوب الليطاني، وهي أوسع من الشريط الحدودي الذي احتلته عام 1978. هي لا تريد فقط إبعاد المقاومة، بل تريد جعل المنطقة الحدودية غير قابلة للحياة.. ولهذا فإنّ التحدي الأكبر الذي يواجه لبنان الآن هو منع تحويل “التوغل الإسرائيلي المحدود” إلى احتلال دائم أو اقتطاع صامت للأراضي.. الأمر الذي يطرح أهمية وجود المقاومة والعودة الى معادلة تكاملها مع الجيش، والالتفاف الشعبي حولهما لمواجهة الاحتلال ومنعه من الاستقرار.. لأنّ الدبلوماسية وحدها من دون قوة لا تجدي مع عدو صهيوني طامع بالتوسع في لبنان.. الأمر يطرح أهمية العودة الى ترميم العلاقة بين الدولة والمقاومة، وتعزيز التضامن الوطني، لمنع استفراد العدو بالجنوب واحتلال جنوب الليطاني لإحياء ما يُسمّى “الحزام الأمني” لكن بصيغة جديدة…
(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
