آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » السقيلبية والألغام غير المفككة

السقيلبية والألغام غير المفككة

 

سيلفا كورية

 

 

إذا كانت الأرضية مهيّأة للاشتعال، يغدو الحديث عن  الأسباب، المباشرة منها وغير المباشرة، لاندلاع الفوضى أو الفتنة أو القتال حديثاً بلا جدوى. عندها، يصبح الأولى أن ينصرف التفكير إلى كيفية إيقاف ما بدأ، والحدّ من الخسائر. هكذا يجب أن يفكّر من يدرك أن الوقاية لم تعد خياراً، وأن إدارة الحريق بقدر من الحكمة والنجاح قد تكون الفرصة الأخيرة لتخفيف الكارثة ومنع تمددها.

ليس مفاجئًا، بالنسبة لي، أن يتحول شجار بين شبّان من منطقتين متجاورتين، كالسقيلبية وقلعة المضيق، إلى جرحٍ طازج يُضاف إلى القائمة المفتوحة الدامية في الجسد السوري؛ ذلك الجسد الذي بات أشبه بخريطة مدروزة، تتماسك بخيوطٍ تقطيب غير معقمة، أو تكاد تتمزق تحت وطأة الألم.

بل إنّ كثيرين لم يعودوا يرون فيه خريطة أصلاً، حتى  لم يعد الحديث عن الوطنية السورية محل إجماع، بل غدا، في نظر البعض، نوعاً من الفجاجة، يُقابَل أحياناً بالاستهزاء، وأحياناً أخرى بالشتيمة، لكل من لا يزال متمسكاً بها.

كيف وصلنا إلى كل هذا، لم يعد هو السؤال، ففي الوقت الذي يحيل البعض الأسباب إلى عقود الاستبداد والقمع، ونظام البعث وحكم الأسدين، وسنوات الثورة الطويلة التي لم تتخذ فيها الأقليات العددية مواقف إيجابية، يعتقد غيرهم بأن الإدارة الجديدة مسؤولة عن كل هذا الخراب وتفتيت المجتمع وتفشي خطاب الكراهية، وأنه لاخلاص للبلاد إلا برحيلها.

استمرار هذين الخطين في رغبتهما الاستحواذ على المشهد لن ينتج إلا المزيد من الوقت الضائع لفرصة التعافي وإمكانية بناء وطن يتسع للجميع.

ولكي يصبح لنا وطن، ونبني دولة، لا بدّ أولًا أن نصبح شعباً. والشعب لا يتكوّن من طوائف أو مكوّنات متقابلة متناحرة تخشى بعضها الآخر، بل من أفرادٍ أحرار، متساوين في الحقوق والواجبات، يجمعهم عقد واضح ليس قائم على الخوف المتبادل، وينظم بينهم ويسهل حياتهم قوانين صارمة عادلة، وليس مشايخ ورجال دين يخرجون يداً بيد إلى الجموع الغاضبة الخائفة بعد ساعات من تكسير المحال، وهجوم على المنازل ويقولون “نحن أهل وجيران والمشكلة انتهت”.

نحن لسنا أهلاً في الحقيقة، بل ما زلنا إلى اليوم نصطف ونتعاطف ونهوج ونفزع ونقتل ويتم قتلنا كمجموعات طائفية، علينا أن نعترف بهذه الحقيقة كي لا نورثها لأبنائنا.

في الوقت الذي أكتب فيه هذه المادة، هناك من يحذر المسيحيين بالقول “جاء دوركم”، وهناك من يقول لهم “لاتحتفلوا بعيد الفصح، بل أعلنوا الإضراب الجماعي”، أو “طالبوا بالحماية والإجلاء وفتح السفارات للهجرة”، ورابع يؤكد أنهم وطنيون لا يمكن استجرارهم إلى ملعب الفتنة، وخامس يقول “بل دخلوا حلف الأقليات من أوسع أبوابه”.

وسوف نقرأ عشرات المقالات والتحليلات واللقاءات التلفزيونية، ولن يتوقف كل هذا الشحن طالما أننا ما زلنا نغيب لغة العقل والمصلحة والسياسة.

هذه الألغام سوف تنفجر كل مرة، الأسهل أن نعلق ضحايانا على شماعة المؤامرة الكونية مرة، أو فلول وضباط الأسد مرة ثانية، أو ارتباط الهجري بالعدو الصهيوني، ولنخترع ما شئنا من حجج، لكنها بالتأكيد سوف تنفجر وتطرش اللون الأحمر كل مرة. تفكيكها في الحقيقة يحتاج إلى إدارة شجاعة تنظر في عين الشعب مباشرة، وتفتح له باب الحوار الوطني وباب العدالة الانتقالية وباب السياسة والتمثيل الحقيقي لا الولاء.

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فرعون العصر ترامب.. وسامري بني اسرائيل نتنياهو

دكتور عبد الله جودة عبر التاريخ، ظهر حكام طغاة جمعوا بين الثروة والسلطة، ونظروا إلى أنفسهم ككائنات فوق البشر. فرعون موسى الذي قال “أنا ربكم ...