آخر الأخبار
الرئيسية » تربية وتعليم وإعلام » السلطة الرابعة عند مفترق طرق: انتفاضة أم استسلام للخوارزميات؟

السلطة الرابعة عند مفترق طرق: انتفاضة أم استسلام للخوارزميات؟

 

علي سرور

 

استناداً إلى تقرير «معهد رويترز» الجديد، فإنّ نموذج الصحافة الرقمية إلى انهيار: إذ يتوقع تراجع زيارات البحث بنسبة 43% خلال ثلاث سنوات. يتزامن ذلك مع تجنّب الأخبار، خصوصاً في فئة الشباب. لذا، تردّ غرف الأخبار بالرهان على التحقيقات الإنسانية والعمق، وملاحقة الجمهور على «يوتيوب» و«تيك توك»، مع فجوة أشدّ في الجنوب العالمي

 

 

لم يعد الحديث عن «أزمة الصحافة» توصيفاً إنشائياً أو مبالغة خطابية، فالأرقام التي قدّمها تقرير «معهد رويترز للصحافة» حول اتجاهات الإعلام والتكنولوجيا لعام 2026 تُحوّل القلق المزمن داخل غرف الأخبار إلى إنذار موثّق بالأدلّة. ولم تعد الصحافة تواجه تحدّياً واحداً، بل سلسلة انهيارات متزامنة تمسّ التوزيع، والتمويل، والعلاقة مع الجمهور، ومعنى المهنة نفسها.

 

استند التقرير، الذي أعدّه الباحث نِك نيومان ونشره يوم الإثنين الماضي، إلى استطلاع شمل 280 من قادة المؤسسات الإعلامية في 51 دولة، ويكشف عن إجماع نادر بأنّ النموذج الذي حكم الصحافة الرقمية خلال العقدين الماضيين ينهار، من دون بديل واضح حتى الآن.

 

سقوط بوابة العبور: البحث يتراجع 43 في المئة

لعلّ أخطر ما يرصده التقرير، ليس تراجع الإيرادات بحدّ ذاته، بل تآكل شريان الوصول إلى الجمهور. يتوقّع ناشرو الأخبار أن ينخفض حجم الزيارات القادمة من محركات البحث بنسبة 43 في المئة خلال السنوات الثلاث المقبلة. هذا الرقم وحده كفيل بإعادة رسم خريطة الإعلام الرقمي.

 

لا يقتصر الأمر على التوقّعات، إذ إنّ البيانات الفعلية التي جمعها التقرير من أكثر من 2,500 موقع إخباري حول العالم، عبر منصة تحليل المحتوى المخصّص للناشرين الرقميين «تشارت بيت»، تُظهر أنّ الزيارات القادمة من «غوغل» تراجعت بالفعل بنسبة 33 في المئة عالمياً. أمّا «غوغل ديسكفر»، الذي يُعدّ شرياناً أساسياً في الأسواق ذات الانتشار الواسع لنظام «أندرويد»، فانخفضت زياراته بنسبة 21 في المئة.

 

هذه الأرقام تعني ببساطة أنّ النموذج القائم على «اكتب، تُكافأ بالوصول» انتهى. والصحافة التي بنت استراتيجيتها التحريرية على تحسين الظهور في نتائج البحث، تجد نفسها اليوم أمام خوارزميات تغيّر قواعد اللعبة من دون إنذار، وتُعيد توزيع الانتباه على حسابها.

 

جمهور ينسحب وإعلام يلهث

يتقاطع هذا التراجع مع ظاهرة أوسع يصفها التقرير بـ«تجنّب الأخبار»، إذ لم يعد الجمهور، وخصوصاً الشباب، يشكّك فقط بصدقية المؤسسات الإعلامية، بل بات يتعمّد الابتعاد عنها. في عالم يفيض بالأزمات، يتحوّل الخبر إلى مصدر إرهاق نفسي، لا أداة فهم.

لكنّ الأزمة أعمق من «تعب الجمهور». الصحافة نفسها أسهمت، عن قصد أو عن غير قصد، في هذا الانفصال، حين خضعت لإيقاع المنصّات، وراكمت محتوى سريعاً، متشابهاً، منزوع السياق، يلهث خلف الخوارزمية بدل مساءلتها.

 

أمام هذا الانسداد، تكشف نتائج التقرير تحوّلاً لافتاً في أولويات غرف الأخبار. في مواجهة الذكاء الاصطناعي، قال مديرو المؤسسات الإعلامية إنهم يخطّطون للتركيز بشكل أكبر على ما لا تستطيع الآلة تقليده بسهولة، وهو التحقيقات الأصلية والعمل الميداني.

كذلك، أشار التقرير إلى نيّة واضحة لتعزيز التحليل السياقي والقصص الإنسانية. في المقابل، تُخطّط المؤسسات لتقليص «صحافة الخدمات»، والمحتوى الدائم (evergreen)، والأخبار العامة السريعة.

 

يعد «يوتيوب» من أولويات الناشرين لعام 2026

 

هذا التحوّل يبدو، ظاهرياً، استعادة لجوهر المهنة. لكنّه في العمق اعتراف ضمني بأنّ الصحافة خَسرت معركة الكمّ، ولم يبقَ لها سوى الرهان على النوع.

 

في موازاة ذلك، يرصد التقرير انتقال مركز الثقل إلى خارج المواقع الإخبارية. وهنا يتصدّر «يوتيوب» أولويات الناشرين لعام 2026، ما يجعله المنصّة الأساسية التي سيُضخّ فيها المزيد من الموارد. ثمّ يليه «تيك توك» و«إنستغرام»، في إشارة واضحة إلى هيمنة الفيديو والصوت على حساب النصّ.

 

هنا، تتكرّس المفارقة الخطيرة أنّ المؤسسات الإعلامية تدرك أنّ المنصّات أضعفتها، لكنها مضطرّة إلى ملاحقتها حيث يوجد الجمهور، ولو على حساب استقلالها التحريري.

 

الذكاء الاصطناعي عدو أم صديق؟

يتناول التقرير بحذر مسألة ترخيص المحتوى لمنصّات الذكاء الاصطناعي. لكنّ الأرقام تُظهر أنّ 20 في المئة فقط من الناشرين يُراهنون على أن تكون الإيرادات من هذا المصدر «كبيرة»، فيما يرى نصف المشاركين أنّ مساهمتها ستكون «طفيفة»، ويعتقد 20 في المئة أنّها لن تدرّ أي دخل يُذكر.

 

بتعبير آخر، تفاوض الصحافة على بيع مادتها الخام، وهي تدرك مسبقاً أنّ العائد لن يكون بحجم الخسارة البنيوية التي تُعانيها.

أمّا على مستوى الاستخدام الداخلي للذكاء الاصطناعي، تبدو الصورة منقسمة. 44 في المئة من المشاركين وصفوا مشاريع الذكاء الاصطناعي في غرف أخبارهم بأنها «واعدة»، مقابل 42 في المئة اعتبروها «محدودة النتائج».

 

أزمة غير متكافئة

رغم أنّ تقرير «معهد رويترز» يقدّم أرقامه بوصفها «عالمية»، فإنّ آثار هذه التحوّلات لا تتوزّع بالتساوي بين الشمال العالمي والجنوب. فالتراجع المتوقّع في زيارات محركات البحث بنسبة 43 في المئة، والانخفاض الفعلي في زيارات «غوغل» و«غوغل ديسكفر»، قد يُنظر إليه في مؤسسات الشمال بوصفه أزمة نموذج أعمال قابلة للإدارة عبر تنويع المنصّات أو رفع الاشتراكات. أمّا في الجنوب، حيث لا تزال الصحافة تعتمد بدرجة أكبر على الزيارات المجانية والإعلانات الهشّة، فإنّ هذا التراجع يُترجم مباشرة إلى تهديد وجودي.

 

في الأسواق الغربية، يمتلك جزء من المؤسسات الإعلامية قدرة نسبيةً على امتصاص الصدمة عبر الاشتراكات، والبنية التقنية، وفرق البيانات، إلى جانب إمكانية التفاوض على صفقات ترخيص مع شركات الذكاء الاصطناعي، وإن كانت عوائدها محدودة.

 

في المقابل، تواجه مؤسسات الجنوب واقعاً أكثر قسوة. فضعف ثقافة الدفع مقابل الأخبار، وتقلّص الإعلانات المحلية، وغياب الدعم العام المستقر، تجعل أي خسارة في الوصول تعني خسارة فورية في الدخل، من دون شبكات أمان بديلة.

 

الأخطر أنّ التحوّل نحو المنصّات المرئية مثل «يوتيوب» و«تيك توك»، الذي يُعدّ خياراً استراتيجياً في الشمال، يتحوّل في الجنوب إلى علاقة تبعيّة كاملة لمنصّات عابرة للحدود، تتحكّم بالتوزيع والعائد والخوارزميات، من دون أي قدرة تفاوضية حقيقية للمؤسسات المحلية. وهكذا، تُضاف الهيمنة الرقمية إلى تاريخ طويل من اختلالات الإعلام العالمي، حيث يُنتج الجنوب القصص، وتُستخرج قيمتها في مراكز القوة التكنولوجية.

 

في هذا السياق، يصبح الصمت النسبي للتقرير عن هذه الفجوة البنيوية جزءاً من المشكلة، لا تفصيلاً هامشياً. فالأزمة الإعلامية ليست واحدة في نتائجها، ولو تشابهت في أرقامها. وما يُقدَّم اليوم بوصفه «تحوّلاً رقمياً مؤلماً» في الشمال، قد يُفضي في الجنوب إلى اختفاء مؤسسات كاملة، وإلى فراغ إعلامي تملؤه الدعاية، أو المعلومات المضلّلة، أو الصمت.

 

صحافة الشعب

في ضوء ما يرصده «معهد رويترز للصحافة» حول التوازنات العالميّة للإعلام، لم يعد الحديث عن الصحافة مجرّد مسألة تكنولوجيا أو أدوات يمكن لأي منطق رأسمالي تقليدي التعامل معها بوصفها فرصة سوقية أو محلّ استثمار إضافي. تشير البيانات إلى أن أقل من ربع الجمهور العالمي يعتمد في مصادره الإخبارية على المواقع أو التطبيقات الصحافية التقليدية، بينما يتجه الجزء الأكبر نحو منصّات تُدار بالخوارزميات وتحت سيطرة الشركات العملاقة، وهو انزياح يؤشر إلى إعادة توزيع الانتباه والمعرفة بعيداً من الصحافيين المهنيين الذين كانوا يشكّلون عمود النسيج الإعلامي في عقود مضت.

 

تتحوّل المعرفة، تلك القوة التي تُنتج وعياً جماعياً حقيقياً، إلى سلعة خام تُدار ولا تُنتَج، يخضع مشروعها لمعدّلات الربح والهيمنة التقنية، لا لمصلحة الأكثرية البشرية أو لمتطلّبات العدالة الاجتماعية. فحين تُصاغ «الحلول» من منظور الأسواق القادرة ورؤوس الأموال الكبرى، يُدفع ثمن «التحوّل الرقمي» بأجور الصحافيين، وباستقلال غرف الأخبار، وبحقّ المجتمعات المهمّشة في إعلام يُشبهها ويخدمها، ليصبِح محتوى الخبر في نهاية المطاف منتجاً استهلاكياً يُعدّ للمنصات، لا مشروعاً اجتماعياً وعاماً.

 

وفي بلدان الجنوب، حيث تعمل الأكثريّة الصحافية في سياقات هشّة اقتصادياً وسياسياً، لا يحمل صعود الذكاء الاصطناعي وعداً بالكفاءة، بل يضيف طبقةً من المخاطر في منظومة إعلامية سبق أن صُمّمت لتجريد العمل من قيمته، ولتغذية نماذج تراكم الثروة لدى الأقلية القليلة. لم يعد ضعف الثقة في الإعلام مجرد نتيجة لسوء الانتقاء، بل تعبيراً عن إعادة صنع سوق المعرفة بشكل يخدم المنصّات العملاقة، وليس المصلحة العامة.

 

من هذا المنطلق، يصبح الدفاع عن الصحافة ليس دفاعاً عن الصحافيين فقط، بل عن الحق الجماعي في المعرفة، وعن الحق في أن تُنتَج الأخبار من داخل المجتمع، لا أن تُستنزف لخدمة اقتصاد المنصات والطبقات الحاكمة. فحين تُهمل احتياجات الجنوب وعمّال الصحافة، يُدفع الثمن في نهاية المطاف من كلفة الحقيقة نفسها، وتتحوّل الكلمة الحرّة إلى بضاعة في سوقٍ لا تعترف إلا بالأرباح والأسواق القادرة.

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وزارة التعليم العالي تعتمد قائمة جديدة لـ32 مؤسسة تعليمية غير سورية

أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي السورية اليوم الأربعاء، اعتماد قائمة جديدة تضم 32 مؤسسة تعليمية غير سورية. وأوضحت الوزارة في إعلانها الذي تلقت سانا نسخة منه ...