آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » الشاعرة سميا صالح: أمشي إلى القصيدة كما تمشي الروح إلى ميلادها الأول

الشاعرة سميا صالح: أمشي إلى القصيدة كما تمشي الروح إلى ميلادها الأول

 

فادية مجد


‏تطلّ الشاعرة سميا صالح على تجربتها كما لو أنها تعود إلى لحظة الميلاد الأولى، حين بدأت اللغة تهمس لها من مقاعد الدراسة ، ومنذ ذلك الوميض المبكر، ظلّت القصيدة طريقها إلى كشف ما يفيض عن الكلام العادي ، طريقٱ تعبره امرأة من لحم الصبر والذاكرة، وتكتب من وجعٍ يتسع ليصير إنسانٱ.

‏وفي ظل هذا الانحياز للصدق، تواصل صالح رسم ملامح مشهد شعريّ ترى طرطوس فيه مدينة تبحث عن جسور جديدة بين أصواتها ..

‏عن بداياتها ورؤيتها وملامح نتاجها، وصولٱ إلى قراءتها للحركة الشعرية اليوم أفادت ل الحرية الشاعرة سميا صالح أن علاقتها باللغة بدأت تتشكل بهدوء منذ سنوات الدراسة الإعدادية، حين قادها خيالها إلى كتابة روايتها الأولى بدل تلخيص رواية كما طُلب منها، لتفاجئ معلمها بنص أصيل شكل لحظة وعي مبكرة بموهبتها، واعتبرتها شهادة الميلاد الأولى لصوتها الإبداعي.

‏وأوضحت صالح أن اللحظة الشعرية تتكون لديها عندما يضيق المعنى عن احتماله في اللغة العادية، فيبحث عن مخرج أكثر شفافية ، مشيرة إلى أن مشاركتها في مسابقة عن الطبيعة كانت محطة فارقة، إذ جاء نصها شعريٱ أكثر منه وصفيٱ ، ما جعلها تنال المركز الأول ، ورسّخ إحساسها بأنها تخطو خطواتها الأولى على ضفاف الشعر ، منوهة أن النص لا يستحق أن يُكتب إلا إذا كان صادقٱ وقادرٱ على ملامسة ما هو إنساني وعابر للذات.

‏صورة المرأة

وفي حديثها عن صورة المرأة في كتابتها، أشارت إلى أنها تتعامل معها بوصفها ذاتٱ حية تسعى إلى حريتها، لا رمزٱ يُستهلك في التأويل ، ووصفت المرأة في نصوصها بأنها كائن من «لحم الصبر والذاكرة»، يشبه المرأة السورية التي تعلمت مواجهة الفقد والانتظار دون أن تنكسر ، ومع ذلك تتسع هذه الذات في لحظة الكتابة لتصبح رمزٱ للحرية حين تُؤجَّل، وللقوة حين تُختبر، وللحياة حين تصر على الاستمرار رغم كل ما يثقلها.
‏وبيّنت صالح أنها تسمح لنفسها بالمغامرة اللغوية ما دامت اللغة جسدٱ حيٱ للمعنى، لا زينة تُثقله ، وتذهب بالصورة إلى حافتها حيث تولد الدهشة، لكنها تتراجع حين تشعر بأن اللغة بدأت تقول نفسها بدل أن تقول التجربة ، مؤكدة أن الإفراط في الابتكار قد يتحوّل إلى ضجيج، وأن أجمل الصور هي تلك التي تبدو كأنها وُجدت بلا تكلّف، لذلك تحرص على الموازنة بين الانفلات والانضباط.

‏علاقتها بالقراء

‏وعن علاقتها بالقراء، لفتت إلى أنها تكتب للنص أولٱ، لأن صدقه شرط ولادته، لكنها لا تكتب في عزلة تامة ، فالنص حين يكتمل ، يبدأ بحثه عن قارئه كما يبحث القارئ عنه ، منوهة بأن العلاقة بين الطرفين علاقة ثقة ، لا استرضاء، وهي التي تمنح القارئ نصٱ صادقٱ وتترك له حرية التأويل والاكتشاف.

‏أعمالها وتجربتها الروائية

‏وقد أصدرت الشاعرة خمسة دواوين شعرية: «كأنك أني»، عشق ثلاثي الأبعاد ، على آخر السطر ، كوردةٍ هكذا تمامٱ ، كل ما بقّى مني ، إضافة إلى روايتها «قلبان لوطن واحد» ، مبينة أن روايتها وُلدت من سؤال ظل يلاحقها وهو كيف يمكن لقلبين أن يحملا وطنٱ مثقلٱ بالفقد دون أن ينكسرا ، موضحة أنها كتبتها من تخوم الوجع السوري، حيث تتقاطع الحكايات بين التهجير والذاكرة والحب الذي يقاوم الخراب موضحة أن الرواية تلتقي مع مشروعها الشعري في انحيازها للإنسان، لكنها تفترق عنه في اتساع النفس السردي، رغم الانتقادات التي طالت لغتها الشاعرية العالية.

‏المشهد الشعري في طرطوس‏
‏وفي تقييمها للمشهد الشعري في طرطوس، أكدت صالح أن الحركة الشعرية تقف اليوم في منطقة وسطى بين الحيوية والانتظار ، فهناك حضور لافت للأصوات الشابة المدفوعة بالمبادرات الثقافية والأمسيات الأدبية، مشيرة إلى الشاعر الشاب يزن عيسى الذي حقق حضورٱ مميزٱ في مسابقة أمير الشعراء ، وفي المقابل، يظل الشعراء المخضرمون ذاكرة حيّة تمنح القصيدة عمقها واستمراريتها.
‏وختمت صالح بالإشارة بأن المشهد الشعري في طرطوس غني لكنه يحتاج إلى مزيد من الجسور بين الأجيال، مبينة أن المشكلة ليست في غياب الموهبة ، بل في استمرارية الرعاية وصناعة الفرص ، ودعت إلى تعزيز منصات النشر الحديثة، ودعم الورشات النقدية، وفتح حوار حقيقي بين الشعراء الشباب والمخضرمين، معتبرة أن طرطوس «مدينة الشعراء والتميّز» التي تستحق أن يأخذ نتاجها مكانه في المشهد الثقافي الأوسع.

‏ومن قصيدة تحية من ديوانها على السطر الأخير نقتطف هذه الأبيات

‏حيّاكَ بالورد
‏في ماذا تُحيّيهِ !
‏يا قلبُ فأعزفني لحنا
‏في مغانيه..
‏لملِم من الضوء

‏عقداً حول منحره
‏واسكب من العين
‏موسيقى تناجيه..
‏دع مايقال عن العشاق انهم
‏شكل الجنون بهم
‏أضحوا مراسيه..
‏ذُب بالخليل فقد
‏فاض الحشا شغفاً
‏حد الفناء به
‏كي ما تُرى فيه..
‏مثل النسيمات وقت الفجر
‏ضاحكة
‏أو كالنسائم في روض
‏تناغيه..
‏حلّق إلى ماوراء الغيب منتشياً
‏إذ لم يسعك وجود
‏في مبانيه..

 

 

 

‏(أخبار سوريا الوطن-الحرية)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

كورال ست الكل.. ميلاد أيقونة فنية سورية تصدح بالأصالة من قلب طرطوس

  بقلم: علي نفنوف تشهد الساحة الثقافية اليوم لحظة مهمة مع الإشهار الرسمي الأول لكورال ست الكل، الذي يطرح نفسه كقوة فنية صاعدة ومنظمة في ...