آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » الشاعر محمد سيدة..عاش مغبوناً ورحل وحيداً

الشاعر محمد سيدة..عاش مغبوناً ورحل وحيداً

 

*حسن م. يوسف

منذ طفولته المبكرة عرف الشاعر محمد سيدة المعاناة، فلبسته قميصاً، ولم تخلعه حتى عندما فارق الحياة. بل ان ذروة مأساته تجلت في شكل موته وما تلته من وقائع أغرب من الخيال!
ولد الشاعر محمد سيدة عام 1941 وهو الابن الأكبر لأسرة فقيرة في أحد الأحياء الشعبية من مدينة اللاذقية السورية، توفيت أمه وهو في الصف الرابع الابتدائي، فأخرجه والده من المدرسة ليعمل في فرن يملكه أحد أخواله، وعندما بلغ الثامنة عشرة هجر بيت العائلة وحصل على عمل لدى مديرية كهرباء اللاذقية، حيث اشتغل طوال أربعين عاماً كعامل تشغيل لمحطة توليد الكهرباء على الديزل، إلى أن تقاعد هو والمحطة في موعدين متقاربين، وقد عاش حياته كلها تقريباً بمفرده في قبو رطب معتم كان مستأجراً له ثم نجح في شرائه.
ثقَّفَ محمد سيدة نفسه ذاتياً وبنى عالمه الشعري ببطء ودأب، وقد برز اسمه على المستوى القطري عقب صدور الديوان المشترك (أنذرتك بحمامة بيضاء) عن وزارة الثقافة السورية عام 1984 وقد حمل الديوان اسم محمد سيدة إلى جانب مرام مصري ومنذر مصري. استقبل الديوان بحماس بوصفه جزءاً من الحساسية الجديدة في الشعر السوري المعاصر. ورغم أن عنوان الديوان اقتبس من إحدى قصائد محمد سيدة. إلا أنه لم يكن راضياً عن التجربة، لذا أحرق حصته من نسخ الديوان. وقد استفسرت عن هذه الجزئية من الصديق المشترك يوسف شغري فأخبرني أن سيدة انزعج من الأخطاء المطبعية الكثيرة في الديوان إضافة لأسباب أخرى لم يشأ شغري أن يذكرها لي.
في ذلك الديوان المشترك قال محمد سيدة وكأنه يصف مصيره :
“لهفتي عليكِ / تاريخُ شاعرٍ صعد الحلبة / ونازل الهواء/ بسيف الكلمة الطيبة”
منذ بداياته الأولى عبَّر محمد سيدة عن إحساسه العميق بقدره المأساوي فقد قال في واحدة من قصائده المبكرة:
“عندما عبرت مدى الظلمات/ حافياً عارياً / لأحتمي بدفق أشعة الشمس / استحالت الشمس إلى قرص من صقيع”.
في ضوء هذا المقطع نرى أن محمد سيدة لم يكن يركن للبلاغة التي هي فنّ إيصال المعنى إلى السامع أو القارئ بأقصى درجات الوضوح والتأثير والجمال، بل تجاوزها إلى المبالغة المفرطة، وقد لجأ لهذه المقاربة مراراً كقوله:
“حين رأوك متلبسةً بحرير النوم قربي / تفيضين حناناً وبياضاً وقوَّة/ رجموكِ بسلسلةٍ من الجبال،/ وهربوا”.
لم يكن محمد سيدة بارعاً في اكتساب الأصدقاء والحفاظ على الصداقات، لكن الشاعر منذر مصري كان دائماً هو الصديق الأقرب إلى سيدة في كل مراحل حياته،رغم الغيوم وتقلبات الظروف، وقد وصف منذر صديقه سيدة في إحدى قصائده بأنه:
“رَجُلٌ بِقَدَمَينِ كُلٌّ مِنهُما تَنتَعِلُ سَحابَة..”
لقد كتب منذر مصري عن محمد سيدة أكثر من عشرة قصائد لكن سيدة كتب عنه قصيدة يتيمة قصيرة قال في ختامها :”
“فابتَعِد عَن نَوافِذ / تَكوَّمتْ تَحتَها القُمامَة / وابصِق على سُهدِ النِّيام / ثُمَّ أَقفِل شَفتيكَ /بإسوارةٍ من ذَهب..”

يرى الشاعر منذر مصري أن محمد سيدة هو شاعرُ حب بالدرجة الأولى وقد قال في أحد المقالات الكثيرة التي كتبها عنه: “سمعته يقول مراراً بأن الحب كفيلٌ بإيجاد الحلول الرائعة لكل مشكلات البشرية”، و لكن، بالنسبة لمحمد كان الحب ذاته مشكلة المشكلات.” على حد قول منذر مصري، وهذه الإشكالية تتبدى بوضوح في القصيدة التي اقتبس منها عنوان الديوان المشترك، كما تتبدى في جل نتاج سيدة الشعري:
“لماذا تكثفين الجدران/ أمام خفقات قلبي/ الذي أحرق الزورق/ وأنذركِ بحمامةٍ بيضاء”
أحسب أن غربة الوسيلة عن الهدف هي السبب الجوهري لكل المآسي التي عشاها محمد سيدة، بل هي سبب بقائه وحيداً طوال حياته، إذ أنه مارس القسوة والعنف بحق نفسه، في القصيدة والواقع، لكنه مارس الرحمة والرقة بإفراط مع حبيبته، فهو يحتج لديها على تكثيف الجدران أمام خفقات قلبه، فيحرق زورقه، وعندما يقرر أن يحتج على الجدران التي تكثفها بينهما، ينذرها بحمامة بيضاء! فياله من إنذار ينضح بأقصى الرقة والتسليم في مواجهة أقصى القسوة والتمنع!
في عام 2001 أصدر محمد سيدة ديوانه الوحيد (إذا كنت وردة حمراء) عن وزارة الثقافة السورية وقد ضمن ذلك الديوان كل قصائده تقريباً. وبذلك ازداد تشابهه مع الشاعر الفرنسي آرثر رامبو الذي لم يصدر خلال حياته سوى ديوان واحد بعنوان ” موسم في الجحيم”.
وقد كان موضوع معظم قصائده هو التوق للحب والأمل بتحققه:
“في ليلة العيد / أحببتُ أن أحملك على كتفي/ كنجمةٍ في شجرة ميلاد / وأن نجوب معاً كل أجيال الفرح/ وأنا أقول : يا عيد … هذه حبيبتي.”
بعد موت محمد سيدة بسنوات تم اكتشاف ثماني قصائد غير منشورة له، وقد كتب منذر مصري مقالاً جميلاً احتفاءً بذلك الاكتشاف. والغريب حقاً هو أن سيدة تنبأ في إحدى تلك القصائد بمصير عصافيره التي ماتت فعلاً عقب موته المأساوي:
“يبدو أنَّ العصافير التي لدينا /ضعيفةٌ يا أمّي / ولن تعبر هذه السنة معنا / من صيفٍ إلى صيف/ ومن ربيعٍ إلى ربيع..”
لم يتزوج محمد سيدة الطويل العريض، وعاش السنوات الأخيرة من حياته في قبوه الرطب المعتم الذي يزدحم بالكتب والمجلات وأقفاص الكناري والحساسين
في 15 آب من العام 2003 اختفى محمد سيدة. وبعد عشرة أيام افتقدته أخته وأخوه فخلعوا باب القبو ليجدوا طيوره ميتة. ولما راجعا الشرطة أعلمتهما بوجود جثة شخص مجهول كان قد أصيب بأزمة قلبية في سوق الجمعة ومات بعد عشر دقائق من إسعافه إلى المستشفى الجامعي. ونظراً لأنه لم يكن يحمل بطاقة هوية ولم يتعرف عليه أحد، فقد أودع في البراد لعشرة أيام ! الأمر العجيب هو أن محمد سودة كان قد هجس بنهاية كهذه إذ قال في إحدى قصائده:
“…وجميع أمنياتك لي بالدفء/ لن تحول بلا موتي / من البرد بدونك ..”
عشرة أيام والشاعر محفوظ في البراد!
عندما علمتُ بتفاصيل هذا الرحيل المأساوي للشاعر محمد سيدة، كتبتُ عنه مقالاً أنهيته بالصرخة التي أطلقها هنري ميللر في كتابه “رامبو وزمن القتلة”:
“عندما يكون الشاعر في القاع يجب قلب العالم رأساً على عقب.”.
لم تكن اللاذقية رحيمة بمحمد سيدة، لكن الشاعر أحب، بلا حدود، مدينته ببشرها وبحرها وأسواقها، وقد صاغ حبه أمنيةً عبّر عنها بهذه القصيدة الرهيفة:
“عندما أموت/ وتمتلئ عيناي بالتراب / ويحرق الصقيع كلَّ الغابات / التي نَمَتْ على جسدي/ أريد أن أعودَ على شكلِ موجةِ بحرٍ زرقاء/ تمسحُ برفق قدمَي مدينتي اللاذقية/ إلى الأبد..”.

 

 

 

 

 

 

(أخبار سوريا الوطن2-مجلة الشارقة الثقافية)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

دليل الردح المجاني: «بدنا نروق» يا هيفا!

  بول مخلوف       يُخيَّل إلينا، للوهلة الأولى، أنّ هيفا وهبي قد عثرت على الترياق المناسب لزمننا المضطرب الفاقد لأعصابه. صرختها الافتتاحية المشحونة ...