آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » الشرق الأوسط على عتبة الردع الرمادي

الشرق الأوسط على عتبة الردع الرمادي

 

د. سلمان ريا

الشرق الأوسط اليوم ليس أمام حدث منفصل، بل أمام شبكة معقدة من التحولات المتداخلة والمصالح المتوازنة بعناية، حيث تتقاطع ثلاثة مسارات رئيسية: انحناءات تفاوضية إيرانية، إعادة تموضع براغماتي أميركي بقيادة دونالد ترامب، وطموح نووي مدني سعودي يحمل قدرة كامنة لم تُفصح عنها بعد. ما يجري هو سباق نحو عتبة القنبلة، لا سباق نحو امتلاكها فعليًا، حيث يحاول كل لاعب بناء القدرة على الردع، مع تفادي الانجرار إلى حرب مفتوحة يمكن أن تؤدي إلى كارثة إقليمية.

إيران، التي بدت منذ عقود قوة صلبة قائمة على التماسك الداخلي وامتلاك أدوات الردع المتنوعة، تدخل مرحلة من إعادة التعريف الاستراتيجي لبرنامجها النووي. رغم الحديث عن تخفيض تخصيب اليورانيوم إلى حده الأدنى، أو حتى تجميده، والسماح للمفتشين الدوليين بالدخول، فإن طهران لا تتخلى عن برنامجها الصاروخي، الذي يشكل الدعامة الأساسية لردعها الإقليمي، ولا عن شبكة نفوذها الممتدة من العراق إلى لبنان واليمن. هذه الانحناءات التفاوضية هي براغماتية باردة هدفها حماية النظام من الاختناق الاقتصادي، وإبقاء المبادرات الأميركية، الأوروبية والدولية، على مسار التحكم دون انفجار المواجهة.

في الوقت نفسه، تحاول واشنطن استثمار هذا السياق لصالح إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية، عبر مسار الاتفاق النووي المدني مع السعودية (اتفاقية 123). النسخة الأخيرة من المسودة تشير إلى تخفيف الضوابط التقليدية المرتبطة بعدم التخصيب المحلي للوقود النووي أو البروتوكول الإضافي للرقابة الدولية. هذا يعني أن الولايات المتحدة، بعد عقود من التمسك بسياسة “منع القدرة”، تتجه نحو إدارة القدرة النووية في بيئة إقليمية حساسة. السماح للسعودية بامتلاك قدرة تخصيب تحت رقابة محدودة لا يخلق سلاحًا نوويًا جاهزًا، لكنه يرسخ بيئة متعددة العتبات النووية، حيث يملك كل لاعب القدرة التقنية للوصول إلى السلاح بسرعة إذا دعت الضرورة.

إسرائيل، التي لطالما كانت القوة الصاعدة الوحيدة القادرة على الموازنة بين تهديد إيران وقيادة العمليات الاستباقية، تعتمد استراتيجية “المعركة بين الحروب”. الضربات الأخيرة ضد مواقع حزب الله في جنوب لبنان ومراقبة التحركات الإيرانية تظهر أنها تسعى لإبطاء أي تطور عسكري أو نووي إقليمي، من دون الانزلاق إلى صراع شامل. أي ضربة واسعة ضد إيران قد تؤخر البرنامج النووي، لكنها ستسارع السباق الإقليمي، ما يضع تل أبيب أمام معضلة الردع والتوازن الدقيق بين التحرك العسكري والدبلوماسي.

الدرس الأعمق يكمن في أن القدرة على إدارة اللعبة الاستراتيجية الرمادية أصبحت أكثر تأثيرًا من القدرة العسكرية التقليدية. كل خطوة محسوبة: إيران تقدم تنازلات نووية محدودة لكنها تحافظ على قوتها الصاروخية، السعودية تطور برنامجًا نوويًا مدنيًا مدعومًا أميركيًا، والولايات المتحدة تمارس سياسة ضغط دبلوماسي واقتصادي متدرج مع حشد عسكري غير مباشر. أما إسرائيل، فتدير المخاطر بحذر، موازنة بين عمليات محدودة والتدخل الأكبر الذي قد يجرّ المنطقة إلى حرب شاملة.

التطورات الأخيرة، بما في ذلك استعداد إيران لتقليص التخصيب وإعادة التفتيش الدولي، وتحركات السعودية في مجال الطاقة النووية المدنية، تعكس تحولاً في فلسفة الردع الإقليمي: لم يعد الهدف منع أي دولة من الوصول إلى القدرة النووية، بل إدارة القدرة بطريقة تجعل كل دولة على دراية بقدرة خصمها مع الحفاظ على توازن الردع. هذه البيئة الرمادية قد تمنع حربًا مباشرة، لكنها في الوقت نفسه تزيد احتمالية وقوع أزمات متقطعة، وسباق تسلح تقني سريع، حيث يمكن لأي خطوة صغيرة أن تُحدث شرخًا في التوازن.

من منظور الاستراتيجية الأميركية، فرضية إسقاط النظام الإيراني أو التدخل العسكري البري الكامل مستبعدة، حسب العديد من الـ خبراء ، إذ يتطلب ذلك حملة جوية واسعة، معارضة داخلية متماسكة، وقوات برية قادرة على السيطرة على الأرض، وهي شروط غير متوفرة. أي ضربة مفاجئة قد تؤدي إلى فوضى داخلية غير محسوبة العواقب إقليمياً، وخصوصًا مع قدرة الحرس الثوري على السيطرة على المشهد بعد أي تهديد مباشر للمرشد.

إيران بدورها تعتمد على ردع متعدد الأوجه: برامج صواريخ بالستية، شبكة نفوذ إقليمي، شراكات مع الصين لتحديث الدفاعات الجوية والاتصالات، وتوازن مع روسيا في برامج التكنولوجيا العسكرية. هذا التوجه يعكس قدرة إيران على المناورة تحت ضغط العقوبات، مع الحفاظ على حدود الردع الذاتي.

السعودية، من جانبها، لا تعمل فقط على إنشاء برنامج نووي مدني، بل تحرك المسارات الاقتصادية والتقنية لتقوية القدرة المحلية على التخصيب، في خطوة استراتيجية يمكن أن تعيد رسم توازن القوى في الخليج. واشنطن، بدورها، تراعي هذا التغيير بحذر، محاولة إدارة السباق النووي الإقليمي دون التورط المباشر، وإبقاء حلفائها ضمن شبكة معقدة من الرقابة والقدرة.

في النهاية، الشرق الأوسط على عتبة الردع الرمادي، حيث لا أحد يريد كسر العتبة أولًا، وكل لاعب يحسب خطواته وفق تقديرات دقيقة لتوازن القوى. البيئة الإقليمية اليوم ليست حروبًا تقليدية، بل إدارة تحالفات وقدرات، وحروب اقتصادية ودبلوماسية، وتقنيات الردع المتقدمة. أي خطأ في التقدير، سواء من إيران، السعودية، إسرائيل أو الولايات المتحدة، قد يؤدي إلى انفجار مفاجئ للسباق النووي، أو تحولات استراتيجية دراماتيكية، من دون أي جهة جاهزة للتحكم في الأزمة. القدرة على المناورة، الصبر الاستراتيجي، والذكاء السياسي كلها أصبحت أدوات الردع الأكثر فاعلية في الشرق الأوسط الجديد، حيث كل دولة على دراية بقدرة خصمها، لكن لا أحد يملك الأمان الكامل من المفاجآت.

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سوريا… في لحظة تستحق التوقف !

    م.مكرم عبيد   بعد سنوات من الخوف والانقسام والتعب، يمرّ اسم سوريا اليوم في لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس بلغة مختلفة عمّا اعتدناه. ...