نور جوخدار
في ظل تحولات مرحلة ما بعد الحرب، تتجه سوريا إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية، واضعة ملف الطاقة في صدارة مسار التعافي وإعادة الإعمار.
ومع استعادة عدد من الحقول النفطية، يتزايد الاهتمام بالموارد غير التقليدية، وفي مقدمتها السجيل الزيتي أو الصخر الزيتي (النفطي)، بوصفه خياراً استراتيجياً يمكن أن يعزز أمن الطاقة، ويحد من الاعتماد على الاستيراد، ويفتح الباب أمام استثمارات نوعية تدعم استقرار الاقتصاد على المدى الطويل.
ويُعرف السجيل الزيتي بأنه صخر رسوبي يحتوي على مواد هيدروكربونية وعضوية دقيقة، تتحول عند تعرضها لعملية التقطير أو التحطيم الحراري إلى وقود سائل نتيجة تحلل مادة “الكيروجين”، كما تنتج الغاز والكوك. وتتراوح القيمة الحرارية لأنواع السجيل المعروفة عالمياً بين 800 و3000 كيلو كالوري لكل كيلوغرام، ويمكن الاستفادة منه إما بالحرق المباشر لتوليد الطاقة، أو من خلال استخلاص الزيت والغاز ثم استخدامهما كمصدر بديل للطاقة.
وتكمن أهمية استثمار الصخر الزيتي في سوريا بوجود احتياطات كبيرة، لا سيما في منطقة خناصر بريف حلب، والتي تُقدّر بأكثر من 40 مليار طن، بما يعادل نحو 20 مليار برميل من النفط، وهي كميات جيدة وفق تقديرات خبراء الطاقة.
كما تتميز المنطقة بموقعها المتوسط بين محافظات عدة، وابتعادها عن التجمعات السكنية، إضافة إلى مرور شبكة كهربائية تربط بين حلب وحماة والرقة ودير الزور، ما يعزز فرص إقامة مشاريع توليد كهرباء واسعة النطاق.
ويمكن الاستفادة من السجيل الزيتي في إنتاج الزيت السجيلي والغاز كبديل للنفط التقليدي، إلى جانب صناعة مواد البناء كالسيراميك والخرسانات والأسمدة والحبيبات البلاستيكية، فضلاً عن دوره في تحسين التربة ودعم الزراعة.
وبحسب المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية التابعة لوزارة الطاقة، تنتشر توضعات السجيل الزيتي في مواقع مختلفة، أبرزها: وادي اليرموك، والسلسلة الساحلية، والسلسلة التدمرية، والكرداغ، والصحراء السورية، وجنوب شرق حلب، وغيرها من المواقع. وتُعد منطقة جنوب شرقي حلب، إلى جانب وادي اليرموك وسلمية، من أهم المواقع التي يمكن استثمارها.
وفي تصريح لصحيفة “الثورة السورية”، أكدت المؤسسة أن موقع خناصر في حلب يعد الأنسب لفتح مقالع للاستثمار مستقبلاً نظراً لسماكات السجيل الكبيرة، والتي تتراوح بين 23 و59 متراً، ويمكن استثماره بالحرق المباشر. كما يمكن إقامة محطة بخارية لتوليد الكهرباء، فيما يُقدّر الاحتياطي في المنطقة بنحو 38.8 مليار طن.

وحول هذا الطرح، رأى الخبير الاقتصادي حسام عايش أن الصخر الزيتي يعد أحد المصادر المهمة لتوليد الطاقة الكهربائية، ويمكنه أن يلعب دوراً استراتيجياً في حال استثماره بالشكل الصحيح، موضحاً أن الصخر الزيتي يمكن أن يحل محل الغاز أو الوقود الثقيل مثل الديزل في محطات التوليد المختلفة، مما يقلل من استهلاك هذه الموارد، ويتيح توجيه الغاز إلى قطاعات أخرى كالصناعة أو التصدير، الأمر الذي يسهم في دعم التعافي الاقتصادي وزيادة الإيرادات.
وأضاف عايش في تصريح لصحيفة “الثورة السورية”، أنه مع تطور الأوضاع في المنطقة والحرب التي أثرت على حقول الطاقة في الخليج، سيؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعار النفط عالمياً، مما سيجعل الجدوى الاقتصادية لاستخراج النفط من الصخر الزيتي أكثر واقعية، خاصة إذا تراوحت تكلفة الإنتاج بين 50 و60 دولاراً للبرميل، وهو ما يفتح المجال لاستقطاب مستثمرين للمشاركة في تطوير هذا القطاع.
ومن أهم ميزات الاستثمار في موقع خناصر خلوه من الزراعات المهمة، وحاجة المنطقة الماسة للكهرباء وتغطيتها في شمال سوريا بأقل الكلف، وفقر المنطقة بالمواد الأساسية لصناعة الإسمنت، إضافة إلى توفر شروط جيولوجية وهيدروجيولوجية مناسبة لأعمال التعدين. ويمكن أيضاً الاستفادة من الرماد الناتج عن الحرق في صناعة الإسمنت والصناعات الأخرى.
أما السجيل الزيتي في وادي اليرموك بمحافظة درعا، فيُقدّر الاحتياطي بنحو 675 مليون طن، بسماكة طبقة الغطاء بحدود 113-129 متراً وسطياً، بحسب المؤسسة.

وتزداد جودة الخام من حيث نسبة تشربه بالزيت كلما ازداد العمق عن سطح الأرض، ويكون الاستثمار الصناعي فيه بالحرق المباشر بعد طحنه إلى درجة البودرة في المولدات الغازية وفي المحطات الحرارية الكهربائية.
كما أن الرماد الناتج عن حرق الصخر في الوادي يتميز بوجود نسبة من الفوسفات تصل وسطياً حتى 7 بالمئة، إذ يتمتع بتركيب كيميائي ثابت مقاوم للصهر ويقلل من مشاكل تنظيف الأفران ومحطات الحرق.
وتُعد هذه الطريقة بديلاً اقتصادياً للدول التي تمتلك احتياطات كبيرة من الصخر الزيتي، حيث يمكن استخدامه مباشرة كوقود في محطات الطاقة الحرارية عند توفر نسبة مناسبة من المادة العضوية والقيمة الحرارية، بحسب المؤسسة العامة للجيولوجيا.

ويختلف الصخر الزيتي عن النفط الصخري، فالأول يحتاج إلى معالجة حرارية (تسخين أو حرق) لاستخراج الزيت منه، بينما الثاني عبارة عن نفط خفيف وجاهز للاستخدام، محبوس داخل صخور صلبة ويستخرج عادة باستخدام الحفر الأفقي وتقنية التكسير الهيدروليكي.
أي أن السجيل الزيتي صخر صلب يتحول إلى زيت عند التسخين، بينما النفط الصخري سائل جاهز يُستخرج بالضغط والتكسير، مما يجعلهما مصدرين مختلفين للطاقة من حيث التكوين وطرق الاستخراج.
وقد نجحت دول عدة في استثمار هذا المورد، أبرزها إستونيا التي تعتمد عليه في توليد معظم احتياجاتها الكهربائية، وعلى الصعيد العربي بدأ الأردن بإنتاج الكهرباء من الصخر الزيتي في مشروع العطارات.
وفي تصريح رسمي سابق، أعلن الأردن أنه يحتل المرتبة الرابعة عالمياً من حيث احتياطيات الصخر الزيتي، بما يزيد عن 70 مليار طن، ما يشير إلى أن سوريا (أكثر من 40 مليار طن) تحتل مرتبة متقدمة أيضاً في هذا الإطار.
لكن هذه الصناعة تواجه تحديات بيئية، إذ تحتاج عملية إنتاج برميل واحد من النفط إلى كميات كبيرة من المياه، فضلاً عن بقاء كميات كبيرة من الصخور المستهلكة بعد الاستخراج. ومع ذلك، طورت شركات عالمية مثل “Royal Dutch Shell” تقنيات حديثة لتقليل الأثر البيئي، منها التسخين الموضعي داخل الأرض الذي يسمح باستخراج النفط دون نقل الصخور إلى السطح، إضافة إلى استخدام حواجز تجميد لمنع تسرب المواد إلى المياه الجوفية.
ورغم التحديات الاقتصادية والبيئية، يبقى السجيل الصخري ذا أهمية استراتيجية كبيرة، خاصة مع ارتفاع أسعار النفط وزيادة الطلب العالمي على الطاقة، فقد أدت ثورة النفط الصخري في الولايات المتحدة عام 2010 إلى تحولات واسعة في سوق الطاقة العالمية، وأسهمت في إعادة تشكيل توازنات الإنتاج والأسعار.
وفي هذا السياق، أشار الخبير الاقتصادي عايش إلى أن الصخر الزيتي يمكن أن يحل تدريجياً محل الغاز في توليد الكهرباء، كما يمكن تحويله إلى نفط للاستهلاك المحلي أو للتصدير في حال توفر فائض إنتاج، مستشهداً بالتجربة الأردنية، حيث أصبح الصخر الزيتي جزءاً أساسياً من مزيج الطاقة المستخدم لتوليد الكهرباء بحوالي 15 بالمئة، فيما شكل الغاز بين 58 بالمئة إلى 60 بالمئة، والطاقة المتجددة حوالي 26 بالمئة إلى 27 بالمئة، ما يعني أن لهذه التجربة أهمية الاعتماد على الموارد الوطنية كجزء من منظومة الطاقة في الأردن.

وأكد عايش ضرورة الانتباه إلى شروط التعاقد مع المستثمرين، خاصة فيما يتعلق بتكاليف الإنتاج وأسعار شراء الطاقة، لضمان عدم تحمل أعباء مالية مرتفعة على المدى الطويل.
وكانت هناك مقترحات سابقة لاستثمار الصخر الزيتي في توليد الكهرباء بمنطقة خناصر بريف حلب بقدرة تقارب 600 ميغاواط.
وتتمثل أهمية سوريا في امتلاك هذه الموارد، إضافة إلى موقعها الاستراتيجي وقدرتها على أن تكون سوقاً وممراً حيوياً للطاقة.
وشدد عايش على أن الاستثمار في الموارد المحلية يمثل خطوة أساسية لتعزيز أمن الطاقة، خصوصاً مع ارتفاع الأسعار العالمية واضطراب سلاسل الإمداد، ما يزيد كلفة الشراء والمنتجات ويدفع نحو التضخم، ويؤثر بالتالي على أسعار الفائدة ويزيد من الأعباء الاقتصادية والاجتماعية والاستثمارية والاستهلاكية. ويرى أن التجربة الحالية تؤكد ضرورة وضع أمن الطاقة في أعلى سلم الأولويات لأي دولة تسعى للحفاظ على استقرارها الاقتصادي.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
