آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » الصوت الذي صار وطناً

الصوت الذي صار وطناً

 

زاهي وهبي

 

هلي، رفيق الظل وبركة البيت، الحضن الصامت وعالمها الموازي. الابن الذي هرب من درب الأعمار وظل طفلاً لا يكبر رغم تقادم السنوات، عاشت معه معنى الحب الخالص الذي لا يشترط الفهم ولا ينتظر مجاملة. كانت ترعاه كالحديقة السرية التي لا يدخلها إلا القلب، قلبها المعلق على خيط ندى

 

 

في قاعة «كنيسة سيدة الرقاد» في المحيدثة (بكفيا ـــ جبل لبنان)، رحتُ أتأملها كمن يتأمل أيقونة لا ترشح زيتاً، لكنها تقطر حزناً وأسى، وصبراً ورباطة جأش. وفي رأسي يلحُّ سؤال: ماذا تراها فاعلة حين ينفضُّ الجمع، وتذوب أصوات المعزين في فضاء القاعة الفارغة، تاركة وراءها صمتاً ثقيلاً كالرصاص؟ في قلب هذا الفراغ، حيث ضباب الشتاء يحتضن بلدة بكفيا في قلب جبل لبنان، تقف السيدة وحيدة أمام مرآة الفقد المتكرر.

 

هنا، ليست هي الأسطورة التي تملأ الدنيا وتشغل الناس، بل نهاد حداد، الأُمُّ التي تحمل في صدرها وطناً من الذكريات المثقلة بالغياب. حنجرة السماء التي دائماً ما أذابت وجع الناس في شاي الصباحات الناعمة، تقف في مواجهة حزنها الخاص. صمتها البليغ ليس فقداناً للصوت، بل حضور طاغ لكل ما لم يقل، لكل جرح لم يندمل بعد، كالنغمة التي تعلق في الهواء ولا تجد طريقها إلى النهاية.

 

ثمنُ النُّور

لكل جوهرة ثمن، وثمن الإسوارة المشغولة بذهب التراب، أو بتراب الذهب، كان فادحاً. يبدو أنّ القدر كتب لها سطراً لا يمحى: الفراق المتوالي. بعدما ودّعت ليال، الزهرة التي لم تعش ربيعها، ثم عاصي ساحر الألحان الذي حوّل وجع الأرض إلى ملاحم، ها هي الآن تواجه غيابين متتاليين كضربتين في الصميم، تكملان متتالية موسيقية من ثلاث حركات كُتبت بمداد الأسى.

 

هلي، رفيق الظلّ وبرَكة البيت، الحضن الصامت وعالمها الموازي. الابن الذي هرب من درب الأعمار وظلّ طفلاً لا يكبر رغم تقادم السنوات، والذي عاشت معه معنى الحب الخالص الذي لا يشترط الفهم ولا ينتظر مجاملة. في عينيه، كانت ترى انعكاساً لأمومتها المصفّاة، بعيداً من أضواء المسارح وهتاف الجماهير.

 

كانت ترعاه كالحديقة السرية التي لا يدخلها إلا القلب، قلبها المُعلّق على خيط ندى. من خلال أغنية «سلّملي عليه» التي غنتها له وحده، رسالة حب أرسلتها في فضاء تعرف أنه لن يرد، لأنّ الحب الحقيقي لا يحتاج إلى إثبات.

 

أما زياد، فكان النهر الجاري الذي لا يهدأ، الابن الذي جعل النوتات فراشات جارحة، وحوّل البيانو إلى ثائر كمحارب خسر كل رفاقه. كانت علاقته بأمه حواراً صاخباً بين جيلين، بين القداسة والتمرّد، بين التراتيل القديمة وأناشيد العصيان. رحيله ترك في سماء روحها فراغاً يشبه انقطاع اللحن فجأة في منتصف الغناء، تاركاً المسامع تتعلق بصداه، والقلب ينتظر إكمالاً لن يأتي.

بلى، سقطت فلذة كبدها نغمات من سيمفونية لم تكتمل.

 

الهشاشة الإنسانية والمتانة الأسطورية

وفي زاوية المشهد، تقف ريما كالسنديانة الوفية، الحارسة الدهرية التي تؤكد بحضورها المتوثِّب بأنّ الأم العظيمة لم تفقد كل أغصان شجرتها. الابنة التي تعرف أنّ مهمتها ليست حماية الأسطورة من أعين العالم، بل حماية الأم الحزينة، مثل قمر يتيم، من ثقل التمثال الذي نُحِت لها. هي الحارسة التي ترسم بالصمت حدوداً مقدسة حول جراح أمها، حافظة سرها من عبث الفضوليين. إنها اليد التي تمتد حين يهدأ الضجيج، في رحلة صمت حانٍ.

 

لكل هذه الخسارات المتتالية منطقها الخاص في كون فيروز. فالأم التي حولت ألم شعب إلى أغان ترفرف كاليمام فوق الساحات، وصرخة المقاومة إلى نشيد يتلى كالصلاة، كانت تدفع ثمن قدرتها على تحويل المعدن الخام إلى ذهب. كأنما كان على قلبها أن ينفتح مراراً على آلام شخصية، ليبقى قادراً على احتواء آلام الجميع.

 

وإذا كان صوت فيروز قد صار وطناً، فهو قبل ذلك كان الملجأ. في ليالي الحروب الطويلة، حين كانت القذائف تعيد تشكيل جغرافيا الخوف، كان صوتها هو الجغرافيا الوحيدة التي لم ترتجف. كان عزاءً نحمله في قلوبنا كالصبر والسلوان، ومواساة تذكّرنا بأن للجمال سلطة أعلى من سلطة الرصاص. في الأيام الصعبة، حينما مدَّ اليأس خيوطه السوداء، كانت نبراتها تنسج خيوطاً من نور، تمسح بها دموع أمة وتقول لها: من قلبي سلام.

 

هذا الصوت، صوتها، رفيقٌ مؤنسٌ في كل محطة: في زمن الحب الأول، كان نداء «يا مرسال المراسيل» يغسل الروح. وفي ساعات الفرح، كانت «عودك رنان» تدقّ طبول الاحتفاء في القلوب. وفي لحظات الحنين والشوق، كانت «كيفك إنت» تلامس جراح الغربة بلطف لا مثيل له. صوتها غنى لنا عن زمن الطفولة ورمان الحدائق، عن جسر القمر وذهب أيلول، عن إسوارة العروس وحبيب تركها تذبل في الشتاء، فكأنما كان يترجم مشاعرنا إلى ترانيم مقدسة.

 

اليوم، وقد ألمّ بها حزن آخر ثقيل، ندرك أنّ هذا الصوت الذي كان ملاذنا لعقود، يحتاج الآن إلى ملاذنا نحن. فالعزاء الذي قدمناه لأنفسنا عبر كلماتها وألحانها، نعيده اليوم إليها كدَين من الحب. فأضعف الإيمان أن نعزيها ونواسيها بكل ما نستطيع إليه سبيلاً من مشاعر صادقة وكلمات ممتنة. نمسح دمعتها كما مسحت دموعنا، ونكون لها سنداً كما كانت لنا سنداً. فلقد علمتنا أن الحب ليس كلمة تقال، بل هو حضن يُمنح في وقت الشدة، ويد تمسك يداً أخرى عندما يصعب الوقوف.

 

ها هي الدائرة تكتمل: السيدة التي حولت ألم الجميع إلى أغنية، نحمل نحن اليوم ألمها في صلواتنا وقلوبنا. ليس تعاطفاً بفعل الواجب والمجاملة، بل اعتراف بفضلها، ووفاء لصوت كان، ولا يزال، النهر الهادئ الذي يغسل أحزاننا جميعاً.

هي التي غنت للفرح فصار الفرح شجاعةً، وغنت للحب فصار الحب مقاومةً: أنشدت للبنان وجنوبه، لفلسطين وقدسها، لمكة ودمشق والقاهرة وبغداد وعمّان… فكانت صوتاً عربياً جامعاً في عزّ الفرقة والتشظّي.

 

تمسحُ جبين البلاد

اليوم، وقد خلا الجو بالمأساة، تبقى فيروز واقفة كأرزة مكلومة، لكن جذورها تشرب صبر التراب. في عينيها بحار صمت، وفي صدرها مرجل من الوجع الهادر. وطنها الجمر ومدينتها «مجد من رماد»، لكنها تظل بلسماً في عروق الجرحى، ودواء لـ «شعوب من العشاق». هي الذاكرة الحية لشعب يخشى النسيان، والضمير النابض لأمة تبحث عن معنى في زمن العبث وانعدام الوزن واختلال المعايير.

 

لن يكون الوفاء لها بكلمات العزاء التي تذروها الرياح، بل بفعل حب عميق يحفظ تراث من رحلوا، ووقفة إجلال للأم التي صارت وطناً. ففي زمن يبيع فيه كثيرون ذاكرتهم بأبخس الأثمان، تبقى فيروز ذاكرة كل صباح كإناء من ضوء، خزانة الأسرار الجميلة، والوصية على الأحلام التي لم تكتمل.

 

هي الشجرة التي لم تنكسر رغم العواصف. في صوتها، تتحول العاصفة إلى كمان ومزهرية، والدمعة إلى نجمة صبح، والوجع إلى قوس قزح. هي النغمة التي لم تسكت رغم ضجيج المدافع، والقلب الذي صار وطناً لكل من فقدوا أوطانهم.

هذه هي فيروز: ليست مجرد صوت يغني، بل هي البيت الذي يظلّل، والنور الذي يُرشد، والذاكرة التي ترفض أن تموت. الوطن الذي صار أمة من دمع وغناء.

 

أمام كل هذا الجمال المقاوم، وكل هذا الألم المتحول إلى إبداع، لا يبقى إلا أن ننحني إجلالاً لامرأة علمتنا أن أعظم الانتصارات هو أن نظلّ واقفين.

نمسح دمعتها بمناديل قلوبنا، وتمسح بصوتها جبين البلاد، زارعةً الجمال حيثما مرّت، حتى ولو في تربة قلوب مفجوعة.

 

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تأملات وخواطر…لينا رزق تبحث في العوالم الأخرى

لبنى شاكر: عَوالمُ أخرى أو خيالاتٌ تمتزج فيها أفكارٌ وتهيؤات؛ أيّاً كان التوصيف الأدق لأعمال لينا رزق، فهي تَصحب زوارها إلى حيث يَمضي أحدنا وحده ...