آخر الأخبار
الرئيسية » تحت المجهر » الطلاسم السحرية… عالمٌ غامض من الروحانيات والوهم والاحتيال

الطلاسم السحرية… عالمٌ غامض من الروحانيات والوهم والاحتيال

 

“ثمة من يبيع روحه لإبليس مقابل المال أو الشهرة أو القدرات السحرية، وبعض السحرة يكون بينهم وبين الشيطان عقد”. الكلام على الطلاسم السحرية و”الكتيبات” لم يتوقف في مصر والعالم العربي منذ بداية عرض الموسم الأول من مسلسل “المداح” (بطولة حمادة هلال).

 

 

 

 

لكن الجزء الخامس ترافق مع الكثير من الانتقادات، خصوصاً أن إحدى الحلقات أظهرت ضمن سياق الأحداث صوراً لطلاسم سحرية واضحة المعالم، الأمر الذي دفع كثيرين إلى التعليق متسائلين عن احتمال أن تؤدي تلك المشاهد إلى تأثيرات سلبية على المشاهدين، ولا سيما الأطفال والمراهقين.

 

 

 

من اللقطات التي أثارت الجدل في مسلسل

من اللقطات التي أثارت الجدل في مسلسل

 

 

 

 

الطلاسم السحرية هي عبارة عن رموز، أو نقوش، أو كلمات، أو أشكال هندسية، أو حتى أشياء مادية، يُعتقد بأنها تحمل قوة سحرية أو روحانية تؤثر على الواقع أو تجلب الحظ أو الحماية أو تُحقق الرغبات.

 

 

 

 

 

وغالباً ما ترتبط الطلاسم بتقاليد ومعتقدات ثقافية أو دينية أو سحرية محددة. ويعود تاريخ استخدامها إلى آلاف السنين، ويمتدّ عبر مختلف الحضارات والثقافات حول العالم. لا يمكن تحديد نقطة زمنية دقيقة لبداية استخدامها، لكن الأدلة الأثرية والتاريخية تشير إلى أنها كانت جزءاً من المعتقدات والممارسات الروحانية والسحرية منذ فجر الحضارة.

 

 

 

“سحر خاص”

“للطلاسم سحرها الخاص، الذي تستمده من غموضها، والحكايات التي يتم نسجها حولها، والمزاعم والادعاءات التي تصنعها في المخيلة الشعبية حول أشياء إيجابية من قبيل التفاؤل وجلب الرزق وصد الأذى وتحقيق القبول”، يقول الأديب المصري والباحث في علم الاجتماع السياسي الدكتور عمار علي حسن.

 

 

 

ويضيف في حديث لـ”النهار” بشأن الخصائص التي تجعل استخدام الطلاسم مستمراً حتى الآن: “ما يجعل الطلاسم والتمائم والحروز مستمرة في الزمن، عابرة للأجيال، ليس ما تتخذه من هيئة مادية يمكن لها أن تعيش أزمنة طويلة، مثلما تعيش التذكارات، ولا الطقوس التي تصاحبها، وهي قادرة أيضاً على أن تحتفظ بقوامها جيلاً بعد جيل، لكن أيضاً، وبإسهام أكبر، الحكايات التي تسرد حول طلسم أو تميمة. ويحرص المتحمسون لبقاء هذه الأشياء وازدياد عدد من يعتقدون فيها على أن تظل هذه الحكايات قائمة، بل ويضيفون إليها الكثير من مخيلاتهم، ويتلقفها الناس ويتداولونها، فتنمو في الزمان والمكان”.

 

 

 

من كتاب

من كتاب

 

 

 

 

سوق للاحتيال

في لبنان أيضاً، ومنذ اشتداد الأزمة الاقتصادية، أصبحت قطاعات السحر والشعوذة أكثر رواجاً، رغم وجودها منذ زمن بعيد في بعض المجتمعات. لكنها شهدت في الأعوام الأخيرة زيادة في الاعتماد عليها لمعرفة المستقبل وتغيير الأقدار والتنبؤ بالمستقبل وما يحصل فيه، في ظل سرعة كبيرة في تغير الأحداث المحلية.

 

 

 

لا يتوقف الأمر على ممارسة السحر عن طريق الطلاسم في السر بطريقة غير قانونية، بل تطور إلى انتشار إعلانات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وحتى عبر القنوات الفضائية للترويج لأسماء “روحانية” تساعد على تغيير الأقدار وجلب الحبيب وغيرها.

 

 

 

وقد أعلنت القوى الأمنية اللبنانية القبض على عشرات “المحتالين” لإقدامهم على سحب مبالغ كبيرة من أفراد مقابل ممارسة أعمال سحر وشعوذة. وقبل أيام تقدّم محامٍ لبناني بشكوى للتحقيق مع شخصية لبنانية شهيرة بتهم متعلقة بالسحر والشعوذة. وعندما تواصلت “النهار” معها، أكّدت أن عملها يقتصر على “فك السحر الذي يهدف للأذية وإبطال مفعوله الشرير” إلى جانب عملها بعلم الأبراج والتنبؤ بالمستقبل، و”هي مهنة منتشرة وليست جديدة”.

 

 

 

وفي إحدى القرى النائية في البقاع اللبناني، تحكي نور (اسم مستعار) قصة رجل اشتهر بأنه يصنع العجائب، حتى بات الناس يأتون إليه من لبنان والخارج: “ما يميّز هذا الرجل دون سواه رغم وجود العشرات أمثاله في لبنان أنه يعد بتغيير الأقدار خلال 48 ساعة فقط، فقد ذهبت إليه امرأة مرة بعدما استفاقت وهي بحالة نفسية صعبة جداً مع عوارض غريبة، كضيق التنفس والصعوبة في الأكل والبكاء المترافق مع نوبات هلع مستمرة وتساقط الشعر، وغيرها من العوارض التي عجز الأطباء عن تفسيرها وتحديد الدواء المناسب لها، بحسب الرواية؛ وهو ما دفع الأهل إلى الاستعانة بهذا الرجل. وبعدما جلس معها لعشر دقائق فقط، استطاع كشف نوع السحر الذي كانت إحدى جاراتها قد فعّلته ضدها بسبب مشاكل سابقة، وعمل على إبطاله فوراً. وما إن عادت المرأة إلى المنزل حتى ابتسمت وذهبت عنها كل العوارض وعادت إلى حياتها الطبيعية”.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الطلاسم والأوراد

وفي حديث مع شخص يعمل في “الأوراد” في مصر -فضّل عدم الإفصاح عن اسمه- قال إن الطلاسم هي طريقة للتواصل المباشر مع الجن، بأنواع ولغات عدة. ويمكن أن تعتبر تعاقداً بين الساحر والجن. لكنه لا يستخدمها، بل يعتمد طريقة الأوراد (الاعتماد على الآيات القرآنية للحصول على طاقات مختلفة)، مشيراً إلى أن كل هدف له طريقة معينة لتحقيقه.

 

 

 

وبالنسبة لطريقة الأوراد، فهي استخدام آيات قرآنية محدّدة، فكل سورة لها خدّام، وهو من يقرّر ماذا يستخدم بحسب الهدف المراد. وهذه الطريقة الروحانية تسمّى إرسال الهواتف.

 

 

 

ومع أنه لم يستخدم الطلاسم من قبل، فإنه يعلم كيف تستخدم. ويشرح لنا أنها تعتمد على الجن بالدرجة الأولى: “الجن هو من يحدّد الطريقة التي يجب اتباعها، وهو من يتواصل مع ’الساحر‘ ويلقّنه الكتابات اللازمة لاستدعائه”.

 

 

 

ويلفت إلى كتب شهيرة عن الطلاسم، كـ”شمس المعارف” و”الكبريت الأحمر”، تتعمّد عدم نشر الطلاسم كاملة، “إذ تم تحريفها بعد كتابتها لإبقاء التحضير صعباً. ولا يتم ذلك عن طريق كتابة الطلاسم فحسب، إنما عبر طرق معينة يعرفها قلة من الناس، ولا يمكن الاعتماد على الكتب فقط”.

 

 

 

ونسأله عن رأيه الشخصي في مسلسل “المداح”، فيجيب بأن “الكلام ليس له أي صلة بالواقع، ولا يوجد تأثير مباشر عند استخدام الكتابات التي ظهرت واضحة في المسلسل في الحياة الواقعية. واستحضار الجن ليس بهذه السهولة. كل جن يطلب ما يلزم لاستحضاره. وأحياناً تحتوي هذه الكتابات على عبارات شيطانية أو شركية غير مفهومة. المسألة بأكملها تعتمد على الشيطان، وهو من يحدّد شروطه ويفرضها على الساحر، ويمكن أن يصل إلى حد أن يطلب منه ذبح شخص ما ليتقرب من منزلة الإله”.

 

 

 

وعن أغراض استخدام الطلاسم يقول إنها تختلف بحسب ثقافات الشعوب. أما بالنسبة لمصر، فإن أبرز الاستخدامات ترتبط بجلب الحبيب والرزق والتوفيق بين شخصين. لكن أضرارها كبيرة جداً ويمكن أن تنهي الساحر، كنهاية السيد الحسين الفلكي، أشهر سحرة مصر الذي توفي في الثمانينيات بطريقة وصفها عارفوه بأنها غريبة جداً، فاتحاً فمه وعينيه وناظراً إلى السماء، ولم يعلم الطب الشرعي سبب الوفاة.

 

 

ماذ يقول الإسلام؟

يميّز الشيخ محمد الحنجول بين الطلاسم والرقى الشرعية في الإسلام، قائلاً: “الطلاسم هي رموز أو كتابات غامضة يُعتقد أنها تحوي قوى سحرية، وتُستخدم غالباً لجلب النفع أو دفع الضرر بشكل غير شرعي. لذلك يرفضها الإسلام لأنها تدخل في دائرة السحر المحرّم، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (سورة البقرة: الآية 102)”.

 

ويضيف: “أما الرقى الشرعية، فهي أدعية أو آيات قرآنية تُستخدم للعلاج أو الحماية بشرطين: أن تكون بلغة مفهومة. وأن تعتمد على القرآن والسنّة من دون شركيات”.

 

 

 

ويؤكد الحنجول أن الطلاسم محرمة قطعاً لارتباطها بالسحر، وهو من الكبائر: “من أعتقد أن الطلاسم تؤثر بذاتها، لا بقدرة الله، فقد أشرك”.

 

 

 

ويفصّل تأثير انتشار الطلاسم على المجتمع فيرى أنها “تساعد على تفشّي الخرافات، وتزيد الجهل وتضعف التوكل على الله، وتخلّ بمنهج الأخذ بالأسباب، إلى جانب الاستغلال المادي. فالدجالون الذين يستغلون ضعفاء النفوس منتشرون بقوة. كذلك تساهم الطلاسم في تفكك الأسرة، كاستخدامها لإلحاق الضرر بين الأزواج، مما يؤدي إلى الطلاق أو الأمراض النفسية بسبب اعتقاد تأثير السحر عبر الطلاسم، وأخيراً الابتعاد عن الدين وتحويل الناس عن الالتجاء إلى الله والأخذ بالرقى الشرعية والعلاج بالقرآن”.

 

 

 

ويشدد الحنجول على وجوب أن “نشغل التفكير النقدي ومحاربة الخرافة بالبحث العلمي وفهم السنن الكونية، مع تشجيع الحوار ونقد الأفكار غير المنطقية”.

 

 

الطلاسم جذابة؟

يشرح عمار علي حسن الدوافع وراء كثرة انتشار الطلاسم السحرية في المجتمعات الشرقية والمصرية خاصة، فيؤكد أنها “متعددة، فمنها ما هو ديني واجتماعي وثقافي ونفسي واقتصادي أيضاً”.

 

 

 

ويقول: “هذه الأسباب تعطي الحكايات التي يتم تداولها فرصاً كي تتعمق وتتفاعل مع حركة الحياة، لا سيما أنها تؤدي وظائف اجتماعية لا يمكن نكرانها، تتفاوت بين التعاون والصراع. فبعضها يسوق إلى تعاطف بين البشر، وبعضها الآخر يؤدي إلى ضغائن وأحقاد وتآمر. ورغم توسع التعليم في مصر، فإن هذه الطلاسم تنتشر بين بعض المتعلمين أنفسهم، وتصنع حكايات يحاول أصحابها بها خلق نوع من التوزان النفسي أو الحيلة الدفاعية إن وجدوا من يلومهم على اقتراف هذا”.

 

 

 

لا يمكن لتقرير واحد حصر دراسة الطلاسم السحرية والكتيبات والأوراد وكل الأعمال التي يزعم أصحابها أن لها تأثيراً في الأعيان الخارجية والأفعال والأحوال من خلال الاستعانة بالقوى الخارجية. فهي ظاهرة متشعبة ومتداخلة، تتجذر في أعماق التاريخ الإنساني، وتتشابك مع الدين والتقاليد الشعبية في مختلف الثقافات.

 

 

 

إنها ظاهرة تحمل في طياتها مزيجاً من المعتقدات الروحانية، والممارسات التقليدية، والاحتياجات النفسية، مما يجعلها موضوعاً معقداً يصعب تحليله، خصوصاً أنه كان سوقاً خصبة للنصب والاحتيال، وطريقاً خطراً يؤدي إلى عواقب وخيمة جداً.

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١_النهار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الولايات المتحدة تضع قاذفاتها في مرمى إيران واليمن… “لا إنذار للحوثيين”

طائرة B-2، التي يبلغ عمرها ثلاثة عقود، هي مصممة في الأصل لحمل الأسلحة النووية   نشرت الولايات المتحدة قاذفات قنابل ثقيلة من طراز B-2 التي ...