آخر الأخبار
الرئيسية » يومياً ... 100% » العالم بين توازن هش وصدام مؤجّل

العالم بين توازن هش وصدام مؤجّل

 

 

 

د. سلمان ريا

 

 

في لحظات نادرة من التاريخ، لا تتسارع الأحداث فحسب، بل تتقاطع. وما يبدو اليوم كأزمات منفصلة—توتر في شرق آسيا، احتكاك في الخليج، وضغط في أوروبا—قد يكون في حقيقته ملامح لحظة كسر كبرى يعاد فيها توزيع النفوذ العالمي. ليست القضية أن العالم يتجه نحو حرب شاملة بالضرورة، بل أن قواعد اللعبة نفسها تتغير، بهدوء أحيانًا، وبحدة مفاجئة أحيانًا أخرى.

 

في محيط تايوان، تكثّف الصين مناوراتها الجوية والبحرية بوتيرة لافتة، لكن خلف هذا الاستعراض يكمن تحوّل أعمق: اختبار تدريجي لحدود الردع، ومحاولة لإعادة تعريف “الوضع القائم” دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. لم يعد الهدف بالضرورة فرض واقع جديد بضربة واحدة، بل جعله يتشكل ببطء حتى يبدو، في لحظة ما، نتيجة طبيعية لا قرارًا صادمًا. في هذا السياق، لا يعود السؤال متى تبدأ الحرب، بل متى تفقد ضرورتها أصلًا.

 

في المقابل، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. فبين التزاماتها الأمنية في آسيا، وانخراطها في توترات الشرق الأوسط، وضغوطها في الساحة الأوروبية، لم تعد قادرة على تركيز ثقلها الاستراتيجي في جبهة واحدة. المشكلة ليست في تراجع القوة بقدر ما هي في تشتتها؛ فالقوة حين تتوزع تفقد حدّتها، حتى لو بقي حجمها كما هو. وفي هذه المساحات الرمادية بالذات، تنشأ الفرص التي تراقبها القوى المنافسة وتتحرك ضمنها بحذر محسوب.

 

بعيدًا عن الجغرافيا العسكرية، تكمن نقطة الضعف الأكثر حساسية في بنية الاقتصاد العالمي نفسه. فتايوان لا تمثل مجرد جزيرة متنازع عليها، بل عقدة مركزية في سلاسل الإمداد التكنولوجية عبر شركة TSMC، التي أصبحت بمثابة قلب صناعي للعالم المعاصر. أي اضطراب كبير هناك لن يكون حدثًا إقليميًا، بل صدمة تمتد من مراكز الابتكار إلى خطوط الإنتاج، حيث تتشابك الصناعات الدقيقة مع الاستقرار المالي بشكل غير مسبوق. هنا، لا تضرب الأزمة الأسواق فقط، بل تضرب الأساس الذي تقوم عليه.

 

وفي هذا المشهد المتشابك، يبقى الشرق الأوسط أكثر من مجرد بؤرة توتر؛ إنه نقطة التقاء المصالح الحيوية، حيث تتقاطع الطاقة مع الجغرافيا مع الحسابات الكبرى. أي تصعيد مرتبط بـ إيران أو بالممرات البحرية الحساسة يمكن أن يطلق سلسلة ارتدادات تتجاوز الإقليم بسرعة، من ارتفاع أسعار الطاقة إلى إعادة تشكيل التحالفات، وصولًا إلى ضغط اقتصادي يطال الجميع دون استثناء. هنا، لا تبقى الأزمات محلية، بل تتحول إلى عناصر في تفاعل دولي أوسع، تتغذى فيه كل جبهة على الأخرى.

 

وسط هذا كله، يتبلور نمط صراع مختلف، أقل ضجيجًا وأكثر تأثيرًا. ليس بالضرورة أن تبدأ المواجهات بالصواريخ، بل قد تبدأ بتعطيل شبكات، أو بإرباك أنظمة، أو بتقويض ثقة. الحرب، في صورتها الجديدة، قد لا تُعلن، ولا تُخاض وفق النماذج التقليدية، بل تُدار كعملية استنزاف دقيقة، حيث يكون الهدف إضعاف الخصم دون دفعه إلى رد شامل. في هذا النوع من الصراعات، لا تُقاس القوة بعدد الجيوش، بل بقدرة الدولة على التأثير دون الظهور، وعلى التحكم دون المواجهة.

 

التحولات الجارية لا تطرح سؤال من سينتصر بقدر ما تطرح سؤال من سيبقى قادرًا على التأثير. الخسارة هنا ليست بالضرورة عسكرية، بل قد تكون فقدان القدرة على التكيف، أو العجز عن قراءة التحول، أو الاستمرار في الاعتماد على نماذج لم تعد صالحة. في المقابل، تميل الكفة نحو من يملك مرونة في الحركة، وقدرة على بناء تحالفات متغيرة، واستثمارًا عميقًا في التكنولوجيا والمعرفة، باعتبارهما لغة القوة الجديدة.

 

ليس من الدقة القول إن العالم يقف على أعتاب حرب عالمية ثالثة، لكن من الخطأ أيضًا التقليل من خطورة اللحظة. ما نشهده ليس انهيارًا مفاجئًا للنظام الدولي، بل تفككًا تدريجيًا يعاد خلاله تركيب موازين القوة وفق قواعد لم تستقر بعد. في مثل هذه المراحل، لا يكون الخطر في الصراع وحده، بل في سوء قراءته، لأن التاريخ نادرًا ما ينفجر دفعة واحدة، بل ينزلق أولًا… ثم يفاجئ الجميع.

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إلى ابنتي

  جولي الياس خوري هذه اهم 20 حكمة تعلمتها في الحياة انقلها لابنتي ولكل نساء العالم: ١- الحياة ليست عادلة ابدا واحيانا قاسية جدا .. ...